محكمة الدار البيضاء تلزم بنكا بتسهيل وصول متعاقدة معوقة إلى خدماته


2023-11-21    |   

محكمة الدار البيضاء تلزم بنكا بتسهيل وصول متعاقدة معوقة إلى خدماته
رسم: رائد شرف

بتاريخ 25 سبتمبر 2023، أصدرت المحكمة الابتدائية المدنية بالدار البيضاء حكما مبدئيا قضى بإلزام وكالة بنكية بإحداث ولوجيات وشباك إلكتروني بشكل يلائم الأشخاص في وضعية إعاقة حركية، تحت طائلة غرامة تهديدية قدرها 100 درهم عن كل يوم تأخير عن التنفيذ. الحكم الذي تنشره المفكّرة القانونية يُعيد إلى الواجهة الإشكاليات التي تواجه الأشخاص في وضعية إعاقة ببلدان المنطقة في ممارسة حقوقهم اليومية رغم تمتعهم بالأهلية المدنية الكاملة قانونا، نتيجة عدم اتخاذ إجراءات مواكبة لتسهيل إدماجهم في الحياة العامة وممارستهم لكافة حقوقهم.

ملخص القضية

تعود فصول القضية إلى تاريخ 30 مارس 2023 حينما تقدمت امرأة بدعوى أمام المحكمة المدنية بالدار البيضاء تعرض فيها أنها تملك حسابا بنكيا لدى المؤسسة البنكية المدعى عليها، وأنها تعاني من إعاقة جسدية على مستوى أطرافها السفلية مما يضطرها إلى استعمال كرسي متحرك لقضاء أغراضها، وأنها تجد صعوبة في ارتياد وكالتها البنكية بسبب الأدراج المرتفعة، مما يضطرها إلى طلب المساعدة من الأشخاص المتواجدين بالمكان. والأمر نفسه بالنسبة للشباك الأوتوماتيكي المتواجد خارج الوكالة، إذ أن علوه على مستوى الكرسي المتحرك الذي تستعمله يحول دون استعمالها له، ورقن الأرقام المتواجدة فيه لسحب المبالغ المالية التي هي في حاجة اليها. وأضافت أنها قدمت عدة شكايات إلى مؤسستها البنكية لأخذ وضعيتها بعين الاعتبار، خاصة وأنها زبونة ولها الحق في الاستفادة من جميع الخدمات من دون أي تمييز. إلا أن هذه الشكايات ظلّت من دون جدوى، وأنّها اضطرّت إلى مراسلة والي بنك المغرب بصفته السلطة الوصيّة على القطاع البنكي، وتوصلت منه برسالة جوابية بتاريخ 22 أغسطس 2022، تشير إلى وجود مشروع ميثاق يهدف إلى تسهيل ولوج الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة للخدمات البنكية، وتكييف الولوجيات لهذه الفئة من الزبناء، على أن يتم اعتماده قبل متمّ السنة، وهو ما لم يتحقق.

لأجله، تلتمس من المحكمة الحكم على الوكالة البنكية بإحداث ولوجيات وشباك إلكتروني بشكل يلائم الأشخاص في وضعية إعاقة حركية، تحت طائلة غرامة تهديدية.

المؤسسة البنكية تعترض

أدلت الوكالة البنكية المدعى عليها، بمذكرة جوابية جاء فيها : أن المدعية حينما أقدمت بشكل شخصي على فتح حسابها البنكي، تعرفت عن قرب على الوكالة، وارتضت التعاقد معها، رغم عدم وجود ولوجيات، وقامت بذلك بطواعية. كما اختارت إدارة حسابها بشكل شخصي رغم علمها بوضعية الوكالة البنكية. كما أن قانون 10.03 المتعلق بالولوجيات بالنسبة للأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة لا يشمل المؤسسات البنكية، كما أنه لم يصدر أي نص تنظيمي في الموضوع. وهو ما أكدته رسالة والي بنك المغرب من كون البنوك تشتغل على إعداد مشروع ميثاق لتسهيل ولوج الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة للخدمات البنكية وتكييف الولوجيات لهذه الفئة من العملاء. وأضافت أن المدعية كانت ملزمة باختيار وكالة تستجيب لاحتياجاتها، وأن تعاقدها معها تم بعدما علمت بوضعية الوكالة وزياراتها المتكررة لها، لذا التمست رفض الطلب.

موقف المحكمة   

استجابت المحكمة المدنية لطلب المدعية وقضت بإلزام الوكالة البنكية المدعى عليها بإحداث ولوجيات وشباك إلكتروني بشكل يلائم الأشخاص في وضعية إعاقة حركية، وذلك اعتمادا على العلل التالية:

  • بخصوص الدفع بكون المدعية أقدمت على التعاقد مع الوكالة البنكية وهي تعلم عدم اشتمالها على ولوجيات مما يجعلها متنازلة عن هذا الحق بعد تنفيذها لالتزاماتها طواعية، اعتبرت المحكمة أن هذا الدفع غير مؤسس قانونا، لكون مصادر الالتزام متعددة، وتشمل إلى جانب الاتفاقات، القانون، والذي يتمثل في القانون رقم 10.03 المتعلق بالولوجيات، والقانون رقم 07.92 المتعلق بالرعاية الاجتماعية للأشخاص المعاقين.
  • بخصوص كون المؤسسات البنكية غير مشمولة بالقانون المتعلق بالولوجيات لكون هذا القانون لم يقم بتعدادها ضمن المؤسسات المشمولة بأحكامه، فضلا عن عدم صدور أي مرسوم خاص، اعتبرت المحكمة أن هذا الدفع غير جدي، لأن البنوك هي مؤسسات تجارية بحسب المادة السادسة من مدونة التجارة، وبناياتها تدخل ضمن البنايات المتاحة للعموم، وهي مشمولة بنطاق تطبيق قانون الولوجيات، كما أنه صدر مرسوم 2.11.246 المتعلق بتطبيق قانون الولوجيات الذي نظم بشكل واضح الشروط والمعايير اللازم توافرها في البنايات والطرق والفضاءات الخارجة ووسائل النقل.

وعليه خلصت المحكمة الى أن طلب إحداث شبّاك إلكتروني يلائم وضعية الأشخاص المعاقين يبقى مبررا، استنادا على:

  • المادة 27 من القانون رقم 07.92 المتعلق بالرعاية الاجتماعية للأشخاص المعاقين التي تنص على أنه: “يجب عند إحداث أو ترميم المنشآت العامة من بنايات وطرق وحدائق عمومية، أن يتمّ تجهيزها بممرات ومصاعد ومرافق تسهّل استعمالها وولوجها من طرف المعاقين”.
  • المادة 11 من قانون 10.03 المتعلق بالولوجيات التي تنص على أنه: “عندما تقتضي وظيفة المبنى المفتوح للعموم استعمال شبابيك أو رفوف أو منضدات للكتابة ، يجب توفير نسبة من هذه الشبابيك أو الرفوف أو المنضدات يمكن استعمالها من طرف الأشخاص المتنقلين على كراسٍ متحركة، وذلك وفق المقتضيات التقنية التي تحددها السلطة التنظيمية”.
  • المادة 6 من مرسوم 2.11.246 المتعلق بتطبيق قانون الولوجيات التي تنص على أنه:” عندما تقتضي وظيفة المبنى المفتوح للعموم استعمال شبابيك أو رفوف أو منضدات للكتابة، يجب توفير نسبة واحد من أصل عشرة من هذه التجهيزات يمكن استعمالها من طرف الأشخاص المعاقين”.

تعليق على الحكم

يعتبر هذا الحكم القضائي من بين التطبيقات القضائية النادرة لقانون الولوجيات وقانون الرعاية الاجتماعية للأشخاص المعاقين، ويعتبر من بين الحالات النادرة التي يتم فيها اللجوء إلى القضاء لطلب إعمال النصوص القانونية المتعلقة بحماية الأشخاص في وضعية إعاقة.

يلاحظ أن المؤسسة البنكية نازعت في وجود الأساس القانوني الذي يلزمها بإحداث ولوجيات داخلها لفئة الأشخاص في وضعية إعاقة، معتبرة أن إرادة المدعية كانت حرة حينما اختارت الوكالة البنكية، رغم عدم توافرها على الولوجيات، مما يعد تنازلا ضمنيا عن هذا الحق. كان لافتا أن المحكمة اعتمدت على منظومة النصوص القانونية المتعلقة بحماية الأشخاص في وضعية إعاقة، والتي تتصف بالتشتت حيث تتوزع على عدد من القوانين المتفرقة التي صدرت في حقب زمنية مختلفة، إلى جانب عدد من المراسيم، حيث خلصت أن الالتزامات التي تنشأ بين الأطراف، لا تقتصر فقط على العقود، وإنما تنشأ أيضا على القانون الذي يبقى مصدرا غير مباشر لعدد من الالتزامات الأخرى، ومن بينها القوانين المتعلقة بحماية الأشخاص في وضعية إعاقة.

يلاحظ أن المحكمة اقتصرت في تعليلاتها على مقتضيات القانون الداخلي من دون الاستناد على مقتضيات الاتفاقيات الدولية ومن بينها اتفاقية حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة التي صادق عليها المغرب كما صادق على بروتوكولها الاختياري بتاريخ 08 أبريل 2009، وهو ما يطرح إشكال استناد الأحكام القضائية على مضامين الاتفاقيات الدولية المصادق عليها.

اقتصرت المحكمة على الاستجابة لطلب المدعية بإحداث ولوجيات داخل الوكالة البنكية المدعى عليها، التي يتواجد بها حساب المدعية من دون أن يمتد هذا القرار ليشمل باقي الفروع، وقد استجابت المحكمة لطلب فرض غرامة تهديدية حددتها في 100 درهم عن كل يوم تأخير عن التنفيذ.

من المأمول أن يسهم نشر هذا الحكم في تشجيع التقاضي في مجال حماية الأشخاص في وضعية إعاقة.

للاطلاع على نسخة من حكم المحكمة المدنية بالدار البيضاء اضغطوا هنا

مواضيع ذات صلة

حكم مبدئي بحفظ كرامة الأشخاص المعوقين في المغرب

إشكالية الجنس والمسؤولية لدى المعوّقين ذهنيا في قرارين قضائيين

نحو تخصيص %7 من الوظائف المستحدثة لذوي الاحتياجات الخاصة في المغرب

حقوقيون يطالبون بتسهيل مشاركة الأشخاص في وضعية اعاقة في الانتخابات التشريعية بالمغرب

صورة المعوقين في دراما رمضان تثير استياء حقوقيين في المغرب

2% حق موش مزيّة: صرخة حق من أشخاص ذوي الإعاقة في تونس

وزارة التربية تطلق تجهيز ثلاثين مدرسة لإستقبال المعوقين

اطلاق حملة “حقي” قبيل الانتخابات البلدية واتحاد المقعدين اللبنانيين: نحن لسنا أكياس بطاطا

في “يوم الحقوق السياسية وآليات الرصد والشفافية”: المعوقون يلجأون الى القضاء

حقّ ذوي الإعاقة بالعمل في المؤسسات الكبيرة مكفول: غرامة بحقّ من يخالف

نشر “اتفاقية ذوي الإعاقة” في الجريدة الرسمية: استحقاق تأخّر 15 سنة

الصمّ”: استبعاد من التعليم الجامعي على أساس الإعاقة

التقاضي الاستراتيجي لضمان حق ذوي الاعاقة بالعمل في لبنان

النضال الحقوقي لحملات ذوي الإعاقة في فلسطين والأردن: تجسيدات مختلفة لصناعة القرار

الأشخاص ذوو الاعاقة في مصر: حق المواطنة موضع استفتاء أم سابق له؟

انشر المقال



متوفر من خلال:

قضاء ، مقالات ، المغرب



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني