“الجريمة والعقاب” في قضية مبنى تاتش: وكاد أبو سمرا ينجح في إغلاق ملفّ آخر


2023-03-01    |   

“الجريمة والعقاب” في قضية مبنى تاتش: وكاد أبو سمرا ينجح في إغلاق ملفّ آخر

فسختْ الهيئة الاتّهامية في بيروت في تاريخ 19/1/2023 القرار بحفظ الدعوى في فضيحة إيجار وشراء مبنى تاتش. وكانت فصول القضية قد بدأت في تاريخ 27/10/2020 عندما قدّم وسيم منصور وهو مالك سهم واحد في شركة تاتش (ميك 2) أمام قاضي التحقيق الأول في بيروت شربل أبو سمرا شكوى مباشرة ضدّ وزيريْ الاتّصالات محمد شقير وجمال الجرّاح والشركة المشغّلة لشبكة تاتش وآخرين بجرائم صرف نفوذ ورشوة وإساءة الأمانة وسوء استعمال السّلطة وتبييض أموال.

وما إن قدّم منصور هذه الشكوى حتى تبلّغ من بنك عودة (حامل أسهم الدولة) كتابًا مفادُه أنّ ملكيّته للسهم في شركة تاتش تمّت فقط لغاية تمكينه من حضور جلسات مجلس الإدارة وأنّه كان يجدر تاليًا ردّه إلى بنك عودة (الدولة) منذ انتهاء إشغالِه لهذا المنصب. وقد مهّد هذا الكتاب للمدّعى عليهم في هذه القضيّة أن يطالبوا بردّ الشكوى المقامة ضدّهم لانتفاء صفة منصور في تقديمها. وعليه، أدرك منصور أنّ الدفاع عن ملكية سهمه (الذي لا قيمة تجارية له طالما أنّه سهم من عشرات آلاف الأسهم) بات أساسيًا لضمان استمرار الشكوى، وبخاصّة في ظلّ امتناع أبو سمرا عن إدخال الدولة فيها وتأخّر النيابة العامّة المالية عن إعلان مباشرة الدعوى العامّة فيها. وأصبح هذا الدفاع ملحًّا أكثر بعدما غضّ أبو سمرا الطرف عن خطورة الأدلة المبرزة في الملف، ليدعو منصور إلى الاستجواب بشأن ملكيّته لسهمه. فإذ تمّ ذلك، اتخذ القرار في تاريخ 11/11/2022 بردّ الشكوى لانتفاء صفة مقدّمها. طعن منصور في هذا القرار أمام الهيئة الاتهامية مبديًا أنّ ملكيته للسهم ثابتة في قيود السجل التجاري ومحصّنة بموجب المادة 15 من الدستور، بدليل دعوته المنتظمة إلى جمعياتها العمومية. ولم ينسَ التذكير بأنّ مسعى بنك عودة بحثّ من وزير الاتصالات لتجريده من ملكيته إنّما يشكل من دون ريب تدبيرًا عقابيًا ضدّه على خلفية سعيه لمكافحة الفساد واسترداد المال المنهوب، مطالبًا النيابة العامّة والهيئة الاتهامية حماية ملكيته وردّ المسّ بها عملًا بقانون حماية كاشفي الفساد.  

تبعًا لذلك، انتهتْ الهيئة الاتهاميّة إلى فسخ قرار قاضي التحقيق وإعادته إلى قضاء التحقيق على أن يتولّاه قاضٍ غير أبو سمرا. بقي أن نشير إلى أنّ الهيئة الاتّهامية تكوّنت من ماهر شعيتو (رئيسًا) وجوزيف بو سليمان ومحمد شهاب (عضوين).

تستوجب هذه الوقائع الملاحظات التالية:

حارس هيكل الإفلات من العقاب

الملاحظة الأولى التي تثيرها هذه القضية، أنّها تمنحنا دليلًا إضافيًّا على أداء القاضي شربل أبو سمرا، وبخاصّة لجهة توجّهه إلى حفظ الشكاوى المقدّمة ضدّ أشخاص نافذين. فبعد سنتين من تقديم الشكوى (وهي شكوى بشأن صفقة بلغت 100 مليون دولار أميركي)، آثر أبو سمرا تجاهل كلّ الأدلة المبرزة فيها وكل الضرر الذي تكبدته الخزينة العامّة، ليمحّص في المقابل أي واقعة من شأنها أن تخوّله إغلاق الملفّ مهما كانت واهية. وعليه، وجد ضالّته في الواقعة التي أثارها المدعى عليهم لجهة سقوط ملكية منصور للسهم بنتيجة انتهاء ولايته في مجلس إدارة الشركة فتبنّاها بالكامل رغم تعارضها مع ظاهر الأمور ومع قرارات قضائية صدرت عن مجلس شورى الدولة[1] والقضاء المستعجل[2] أخذت بصفة منصور ومصلحة الخزينة العامّة والتزام لبنان بمكافحة الفساد. وكاد هذا القرار أن يضع المدعى عليهم في منأى عن أيّ مساءلة لو لم تتدخّل الهيئة الاتهامية لفسخه.

وبذلك، بدا أبو سمرا وكأنّه ينحو المنحى نفسه الذي ذهب إليه في سياق ردّ دعوى الإثراء غير المشروع المقامة ضد رئيس الحكومة نجيب ميقاتي. فقد امتنع آنذاك عن مساءلة ميقاتي بشأن أيّ من الأدلة المبرزة في الملف مكتفيًا بردّ الدعوى لسبب شكلي وهو مرور الزمن[3]. فضلًا عن ذلك، سجّلت علامات استفهام عدّة حول قراراته بشأن نقيب الصيادلة السابق ربيع حسّونة في ملف احتكار الدواء وبشأن أنطون صحناوي وآخرين في قضية شراء الدولارات وشحنها إلى الخارج وقضيّة التّلاعب بـ “نظام نجم” الآلي الذي يحدّد مدى خضوع البضائع الداخلة إلى لبنان للتفتيش الجمركي وأخيرًا في قضية الصرّافين غير الشرعيين.

ورغم علامات الاستفهام المتزايدة حول أداء القاضي أبو سمرا وأثره على حرمان الخزينة العامّة من إمكانية استرداد ثروات منهوبة، لم يتحرّك حتى الآن أيّ من المراجع للتحقيق في خلفيّتها، بما يؤشر إلى رضاها بسواد إفلات الفساد من العقاب. السؤال نفسه يطرح بشأن لزوم القوى السياسية الحاكمة الصمت شبه التامّ حيال أداء هذا القاضي، وهو صمت يبدو مدوّيًا عند مقارنته بمواقفها المتشنّجة ضدّ أي قرار قضائي يهدف على العكس من ذلك إلى خرق جدار الإفلات من العقاب.

انتصار في معركة الصفة والمصلحة

يشكّل هذا القرار انتصارًا في معركة تُخاض في أغلب قضايا الفساد، وهي معركة الصفة والمصلحة لتقديم الدعاوى. فكلّما تقدّم مواطن بشكوى جزائية أو بطعن أمام مجلس شورى الدولة في قضية تتعلّق بالمصلحة العامّة، تُبادر الجهة المدّعى عليها أو المطعون في قرارها إلى الردّ عبر طعنٍ مقابل بصفة ومصلحة مُقدّم الشكوى أو الطعن، فتُزيل مجهر التحقيق عنها لتضعه على مقدّم الشكوى. ويلجأ هؤلاء إلى هذه الحجّة الشكلية غالبًا للتغطية على ضعف حججهم في أساس القضية.

وما يزيد من خطورة التذرّع بعدم الصفة هو تلكّؤ النيابات العامّة عن ملاحقة الجرائم المتعلّقة بالمال العامّ، وعدم احتراز الإدارات العامّة من اتّخاذ قرارات غير شرعية. ولا دليل على ذلك أكبر من هذه القضية نفسها. فعلى الرّغم من العديد من الإخبارات في القضية وعلى الرغم من التغطية الإعلامية الكبيرة لها، وجد وسيم منصور نفسه وحيدًا في مباشرة الدعوى العامّة ووحيدًا في متابعتها رغم الهجوم الذي تعرّض له على خلفية ملكية سهمه، بل رغم التجائه الصريح إلى النيابة العامّة المالية من أجل تأمين حمايته كونه كاشف فساد. فلا هذه الأخيرة تبنّت الدعوى المباشرة، ولا الدولة (المالكة الحقيقية لأكثر من 99% من أسهم شركة تاتش) تدخّلت فيها بهدف استرجاع الأموال العامّة التي قد تكون هُدرت بفعل صفقتيْ إيجار المبنى وشرائه. وهذه المشهديّة إنّما تعكس العبء المُلقى على أيّ مواطن حريص على المال أو الملك العامّ أو الصالح العامّ، بحيث يصبح واجبًا عليه ليس فقط أن يتولّى بنفسه ما كان يجدر بالنيابة أو السلطة العامّة أن تفعله، بل أن يكافح في الوقت نفسه لاكتساب الصفة للقيام بذلك. وغالبًا ما يرشح القيام بهذا العمل المواطنيّ عن مخاطر جمّة، وهي المخاطر التي قد تنتج عن استعداء أشخاص نافذين من داخل الدولة أو خارجها. يكفي للدلالة على ذلك أن نذكر أنّ شركة تاتش استغلّت صدور قرار قاضي التحقيق لتقديم شكوى جزائية ضدّ منصور بهدف انتزاع “السهم” منه على خلفية ما اعتبره “إساءة أمانة”.

وكانت “المفكرة القانونية” قد أضاءتْ من قبل، وبخاصّة في سياق تعليقها على عمل مجلس شورى الدولة، على أهمية اكتساب الصفة بالنظر إلى أهميتها كملاذ أخير لحماية الملك والمال العامّين في ظل تقاعس السلطات العامّة عن القيام بواجباتها، أو ربّما تواطؤها مع الجهات المعتدية على الحقوق العامة. وإذ ذهبت إلى عنونة عددها الخاص حول استقلال القضاء الإداري بسؤال كبير: “من يدافع عن الدولة؟ ومن يحميها؟”، تواصل رصد التحوّل[4] الحاصل داخل مجلس شورى الدولة حول صفة المواطن في حماية الدولة، ولو ضدّ إرادة المسؤولين العامّين عنها.

قطاع الاتّصالات: هدر مستدام من دون محاسبة

ارتبط قطاع الاتّصالات في السنوات الأخيرة ارتباطًا وثيقًا بهدر الأموال العمومية. وقد وُثّق ذلك رسميًا في تقرير لديوان المحاسبة صدر في 5/4/2022، اعتبر أنّه تمّ صرف قرابة 6 مليارات دولار في هذا القطاع بين 2010 و2020 من دون ضوابط. وتوزّعت هذه المبالغ على عقود الرعاية وإيجارات المباني والمخصصات والرواتب المضخّمة والتوظيف السياسي وغيرها. إلّا أنّ هذا التقرير المؤلّف من 146 صفحة بقي ضمن إطار الرقابة اللاحقة التي يُمارسها الديوان من دون أن يُستتبع بأي متابعة للملاحقة والمحاسبة من قبل القضاء العادي. وفي حين برز استثناء وحيد يتعلّق بملاحقة الوزيريْن حرب وصحناوي في قضية إيجار مبنى قصابيان الذي كلّف أكثر من 10 ملايين دولار من دون أن يتمّ الانتقال إليه فعليًا من قبل شركة تاتش[5]، فإنّ قاضي التحقيق أسعد بيرم قرّر إحالة الملف إلى المجلس النيابي لملاحقة الوزراء أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. وكما كان متوقّعًا، انتهت هذه القضية في المجلس النيابي بتأجيل الجلسة التي كانت مخصصة لدراسة طلب الاتّهام إلى أجل غير مسمّى[6]، نظرًا إلى إعلان عدد من الكتل النيابية عدم مشاركتها في أي جلسة لا تتعلّق بانتخاب رئيس للجمهورية. وقد برز في هذه القضية أيضًا تلكّؤ النيابة العامّة المالية، بحيث حفظت الملف في العام 2015 قبل أن تُعيد فتحه في 2021، وهو ما يهدّد بمرور الزمن عليه.

وعليه، وفي حين أبقى قرار الهيئة الاتهامية المجال مفتوحًا لإعمال المحاسبة في القضية الحاضرة، يجدر التنبيه إلى وجوب تحصين هذه القضية ضمن أقصر المهل بتبنّيها صراحة من النيابة العامّة وتدخّل هيئة القضايا ممثلة للدولة في الدعوى، فضلًا عن وجوب الإيعاز لبنك عودة باتخاذ الخطوات الضرورية لحماية شركة تاتش واسترداد المال المهدور فيها، وعمليًا بأن يستفيد من شكوى منصور للوصول إلى ذلك لا أن يعمل على تقويضها. وما يزيد هذا الأمر إلحاحًا هو أنّ مالك المبنى قدّم ضدّ شركة تاتش مؤخّرًا دعوى لفسخ عقد بيع المبنى على مسؤوليّتها على خلفية أنّها لم تسدّد المبالغ المتوجّبة عليها بموجب هذا العقد منذ 2020، وهي دعوى لا يمكن الدفاع جديًا فيها عن الشركة من دون إثبات أعمال الفساد وتبييض الأعمال التي شهدتها هذه القضية. فلنتابع.

يمكنكم هنا الاطلاع على قرار الهيئة الاتهامية كاملا


[1] إيلي الفرزلي، شورى الدولة يُبطل آلية تحويل إيرادات الخلوي: تعديل المادة 36 لا يلغي المخالفة، المفكرة القانونية، 10/2/2022.

[2] القاضية شوّاح تحمي الدولة وتمهد لاسترداد حقوقها: لا براءة ذمة لتاتش قبل النظر في صفقات تأجير المبنى وشرائه، المفكرة القانونية، 30/10/2020.

[3] نزار صاغية وفادي إبراهيم، القاضي أبو سمرا يدفن شبهات إثراء ميقاتي: على المجتمع نسيان جرائم الفساد التي دمّرته، المفكرة القانونية، 8/4/2022.

[4] نزار صاغية آية عبد الله فرحات، شورى الدولة يتخلّى عن دوره في حماية الأملاك البحرية: رأيٌ مخالف واعد في قضية الناعمة، المفكرة القانونية، 14/2/2022.

[5] نزار صاغية، قضية مبنى قصابيان في جلسة نيابية مغلقة غدا: ملاحظات حول مسؤوليات الوزيرين الصحناوي وحرب، المفكرة القانونية، 6/11/2022.

[6] فادي إبراهيم، المجلس النيابي يؤجل النظر باتّهام وزراء الاتّصالات: دفاع الصحناوي يفرض توسيع مروحة الاتهام، المفكرة القانونية، 6/12/2022.

انشر المقال



متوفر من خلال:

قضاء ، المرصد القضائي ، أملاك عامة ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية