صفقتا إيجار مبنى تاتش وشرائه بعهدة القضاء: إبراء الذمة المستحيل؟


2020-10-26    |   

صفقتا إيجار مبنى تاتش وشرائه بعهدة القضاء: إبراء الذمة المستحيل؟

في صباح هذا اليوم، تسجلت رسميا الدعوى الجزائية التي قدّمها وسيم منصور (أحد المساهمين في شركة ميك 2 مالكة إحدى شركتي الخليوي) بالتعاون مع “المفكرة القانونية” أمام قاضي التحقيق الأول في بيروت، بما يتصل بصفقتي إيجار مبنى تاتش وشرائه، واللتين أزهقتا ما يقارب مائة مليون د.أـ لشراء مبنى في وسط بيروت قبل أسابيع من الثورة. وقد قدمت الدعوى ضد كل من وزيري الاتصالات السابقين جمال الجراح ومحمد شقير فضلا عن أشخاص آخرين من المنخرطين فيها.

ومع مراعاة قرينة البراءة، يهمّ “المفكرة القانونية” أن توضح للرأي العامّ أموراً عدة:

أولا، أموال شركة الخليوي أموال عامة من حيث مآلها

أنّ الدولة تملك أكثر من 99% من أسهم هذه الشركة التي يفترض أن تحوّل إليها كل عائداتها بعد حسم نفقاتها. وعليه، فإن أي صفقات تبرمها الشركة بشكل مجحف بحقها تؤدي عمليا إلى هدر واضح للأموال العامة. وهذا ما حصل مع صفقتي الإيجار والبيع، واللتين أديتا إلى إزهاق ما يزيد عن مائة مليون دولارا أميركيا.

ثانيا، إتمام صفقات الشركة بالتوافق بين الشركة المشغلة ووزارة الاتصالات مع تجاوز الرقابة المسبقة لديوان المحاسبة

أن إدارة الشركة تتمّ من خلال شركة مشغلة بموجب عقد تشغيل تم توقيعه بما يتصل بتاتش في 2012, وقد جدد تلقائيا حتى آخر 2019. وقد نص العقد أن هذه الصفقات لا يمكن عقدها إلا بعد موافقة وزارة الاتصالات ولجنة إشراف المالكين (وهي لجنة يعين أعضاءها وزير الاتصالات). وعليه، تمت صفقة الإيجار بموافقة وزير الاتصالات الأسبق جمال الجراح وتمت صفقة البيع بموافقة وزير الاتصالات السابق محمد شقير. ويلحظ أن هذين الوزيرين أعطيا موافقتهما من دون أن يتقيّد أي منهما بالرقابة المسبقة لديوان المحاسبة، خلافا لما يوجبه القانون، بشهادة كل من رئيس ديوان المحاسبة محمد بدران ورئيس إدارة المناقصات جان علية بتاريخ 5 آب 2019 لموقع النشرة.

ثالثا، عقد إجارة ببدل تصل نسبته إلى 27% من قيمة العقار

أن الأدلة المتوفرة في الدعوى تثبت بما لا يرقى إليه الشكّ أن شركة الخليوي سددت 23 مليون و600 ألف د.أ لاستكمال المبنى قبلما تستأجره في 2018 ببدل وصل إلى ستة ملايين ومائة ألف د.أ سنويا، وهو بدل يبلغ نسبة 10% من قيمة العقار المنجز كما حدده عقد البيع الحاصل في 2019. وإذا احتسبنا نسبة بدل الإيجار من قيمة المبنى الحقيقية في الحال التي كان عليها قبل استكماله بأموال شركة الخليوي (وهي لم تكن تتجاوز 22 مليون د.أ وفق تقديرنا بالإستناد إلى القرض الممنوح من فرنسبنك لشرائه كما نبين أدناه)، يظهر أن بدل الإيجار بلغ ما يقارب 27% من قيمة العقار. وعليه، ييرتب على شركة الخليوي بنتيجة ذلك تسديد هذه القيمة كاملة خلال أقل من أربع سنوات إيجار. وهذا ما أقر به الوزير محمد شقير في مؤتمره الصحافي المنعقد في 9 آب 2019 حيث قال بالحرف أنه كانت الدولة ستسدد قيمة المبنى كاملا خلال هذه الفترة، وذلك في معرض تبرير صفقة الشّراء التي أتت لتغطي صفقة الإيجار بعد افتضاحها.

ومن البيّن أن نسبة بدل الإيجار هذه مجحفة جدا بحق شركة الخليوي وتاليا بحق الدولة، حيث أن بدلات الإيجار لا تتجاوز عادة 3% من قيمة العقار وأن الدولة كانت قدرت إجارة أملاكها العامة البحرية بما يقل عن 1% من قيمتها. وهكذا نصل إلى المعادلة الآتية التي تؤكد على نهب الدولة وإغراق أموالها في صفقات: أن الدولة تؤجر أملاكها بما يقل عن 1% من قيمتها لتستأجر عقارات ببدل يقارب 27% من قيمتها. ومؤدى ذلك هو القول بأن بدل الإجارة بلغ على الأقل 9 مرات مع ما كان يفترض به أن يكون.

رابعا، عقد شراء يستر صفقة الإيجار المشبوهة مع إهمال في استرداد أموال الدولة

ما أن افتضح أمر الإجارة، حتى جهدت وزارة الاتصالات مع حلول شقير محل الجراح، لتحويل عقد الإجارة إلى عقد شراء. وعليه، حددت قيمة العقار ب 68600000 د.أ تسدد على دفعات بعدما تضمن العقد بندا صريحا بفسخ عقد الإيجار. وإذ أعلن شقير في مؤتمره الصحافي المذكور أعلاه ما مفاده أنه أنقذ شركة الخليوي من صفقة الإيجار المجحفة، يبقى أن هذا العقد لم يضع حدا لإجحاف الدولة بل أتى ليكرسه وإن بشكل مخفّف. وهذا ما يتأتى عن المعطيات الآتية:

  • أنه تستّر على صفقة الإيجار بدل تحويلها إلى التحقيق، بعدما ثبت الإجحاف المتعمد فيه، وبهدف استرداد المال العام،
  • أن الوزير شقير أهمل حسم ما كانت الدولة قد سدّدته سابقا في معرض استئجار المبنى من قيمة شرائه. وعليه، لم يأخذ تحديد ثمن المبيع بشكل من الأشكال المبالغ التي سدّدتها شركة الخليوي سابقا لاستكمال المبنى والتي بلغت 23600000 د.أ. فهذا المبلغ الذي سُدّد ويفترض عادة أن يحسم من بدل الإيجار عن السنوات اللاحقة، ضاع وتمّ هدره بشكل كامل مع فسخ عقد الإجارة وتحويل الصفقة من صفقة إجارة إلى صفقة بيع. بمعنى أنه سُدد تسهيلا للإجارة فإذا تحولت الصفقة من إجارة إلى بيع، لم يطالب أحد باسترداده أو أخذه بعين الاعتبار.
  • أنه لم ينهض أي دليل على استرداد الدولة قيمة بدل الإيجار المسدد مسبقا عن الفترة اللاحقة لعقد شراء العقار. فمن الثابت أن الدولة سددت الإجارة عن السنة الأولى والتي بدأت رسميا في 1 نيسان 2019 أي ما بلغ 6400000 د.أ واستغرقت فعليا 4 أشهر فقط قبل إعلان فسخ عقد الإيجار في آخر تموز 2019 بحيث كان يتعين استرداد بدل الثمانية أشهر المتبقية من هذه السنة، وهو يبلغ ما يزيد عن 4 ملايين د.أ.
  • بذلك، وبفعل عدم أخذ هذه المبالغ بالحسبان، سددت الدولة عمليا ثمنا للعقار بلغ ما يزيد عن 100 مليون د.أ وهو تكون من مجموع المبالغ الآتية: (68600000 (الثمن الرسمي) + 23600000 (المبلغ المسدد لاستكمال المبنى) + 4000000 (بدل عن فترة الإجارة اللاحقة لفسخها) + 5100000 (فوائد نص عليها عقد البيع مقابل تقسيط الثمن على أقل من 3 سنوات). وهو مبلغ يزيد عن 4 مرات ونصف قيمة العقار الفعلية قبل بدء أعمال استكماله والذي يقدر أنه كان يقارب 22 مليون د.أ. وخير دليل على ذلك هو أن بنك فرنسبنك وافق في 2018 على منح قرض لشراء المبنى نفسه بهذه القيمة.
  • وبذلك، يرجح على ضوء الأدلة أن إجحاف الدولة قد تكرس مع إبرام عقد الشراء، وإن تمّ تخفيفه من تسديد بدل إيجار يعادل 9 مرات بدل السوق إلى تسديد ثمن شراء يعادل 4 مرات ونصف ثمن السوق.

خامسا، صفقات حصلت في موازاة هندسة مالية مشبوهة

إلى ذلك، حصلت صفقتا الإجارة والبيع في موازاة هندسة قانونية مشبوهة، تمثلت في تأسيس شركتين كان يفترض أن ينتقل إليهما المبنى قبل استئجاره من قبل الدولة في منتصف 2018 وكشرط لحصول ذلك. وبعد حصول مؤسسي هاتين الشركتين على قرض من فرنسبنك لشراء العقار بقيمة 22 مليون، بقي القرض قائما رغم عدم استخدامه للغاية المحددة فيه؛ لا بل أن مالك المبنى سارع إلى اعتبار قيمة القرض مشمولة بالتأمين الواقع على عقاراته، مما يولد شبهات قوية في هذا الخصوص. فكيف يمكن لمالك العقار أن يضمن تسديد قرض أُعطي لغاية شراء عقاره! وهو أمر عبثي. بل كأنه بذلك يسدد ثمنا للحصول على عقد الإجارة للمجموعات التي تتخبأ خلف الشركاء في هاتين الشركتين اللتين أنشئتا بمناسبته. وقد انتهى المالك بأن أخذ كامل القرض نهائيا على عاتقه مع شراء أسهم هاتين الشركتين، تبعا لبيع العقار لشركة الخليوي في 2019.

ويرجح أن تكون هذه الهندسة قد استخدمت لغاية ضمان تسديد العمولات أو الرشاوى، وأيضا لتبييض الأموال.

سادسا، أسناد الدعوى الجزائية ولا حصانة للوزير في قضايا الفساد

انطلاقا من كل ما تقدم، قُدّمت الدعوى بوجه وزيري الاتصالات السابقين الجراح وشقير فضلا عن مفوضي التوقيع عن الشركة المشغلة وعن الشركة المالكة الأساسية للمبنى فضلا عن الشخص الأبرز في الهندسة القانونية المذكورة.

وفيما رمت الدعوى للمطالبة بإجراء تحقيق في شبهة ارتكاب عدد من الجرائم (صرف نفوذ وتبييض أموال واستغلال الوظيفة ورشوة)، فإنها أوضحت بأنه لا يجوز التذرع بالحصانة الوزارية في قضايا كهذه سندا للقرار الصادر عن الهيئة العامة لمحكمة التمييز بتاريخ 27/10/2000. وكانت المحكمة قررت وجوب التمييز بين الأعمال المرتكبة من الوزراء وفق طبيعتها، وتحديدا فيما إذا كانت مرتبطة مباشرة بالوظيفة الوزارية. وقد تمثل ذلك من خلال التّفرقة بين فئتين من الأفعال:.الفئة الأولى وهي تشمل الأعمال “المتّصلة بصورة مباشرة بممارسة الوزير لمهامه القانونيّة الوزاريّة” والتي تتعلق “بالطّبيعة السياسية لعمل الوزير وجوهر مهامه الوزاريّة كما هو مقرر في القوانين”. أمّا الفئة الثّانية، فتضمّ الأفعال التي تؤلّف كافّة الجرائم الأخرى، ومنها “الأعمال الجرميّة المرتكبة من الوزير في “معرض” ممارسته لمهامه، أو في حياته الخاصّة، والأفعال المرتكبة منه ذات الصّفة الجرميّة الفاضحة والتي تؤلّف تحويلا للسلطة عن طريق إحلال المصلحة الخاصّة مكان المصلحة العامّة. ويعود إختصاص النّظر في هذه الدعاوى للقضاء العادي. وهذه هي حال الجرائم المدعى بها في هذه الدعوى.

سابعا، وسيم منصور كاشف فساد

من البيّن ممّا تقدّم أنّ هذه الدعوى الجزائية هي بمثابة كشف عن الفساد، حيث أنها تدخل ضمن مفهوم كاشفي الفساد المنصوص عليه في قانون حماية كاشفي الفساد وهو القانون رقم 83/2018 وتعديلاته. وكان هذا القانون عرّف الكاشف بأي شخص طبيعي او معنوي يدلي للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (أو للنيابة العامة بموجب قانون تعديلي رقم 182/2020) بمعلومات يعتقد بأنها تتعلق بالفساد بمعزل عن الصفة والمصلحة وفق أحكام هذا القانون. وقد فرض القانون بموجب المادة التاسعة منه، أن يستفيد الكاشف من الحماية عند تقدمه بطلب إلى السلطات المختصة، وهو أمر يفترض بالنيابة العامة أن تقوم به في ظل التقاعس عن إنشاء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.

ثامنا، الدعوى ضمن مسار مثلث

فضلا عما تقدّم، تجدر الإشارة إلى أن المدعي وسيم منصور قد تقدم بدعويين إضافيتين ترمي كل منهما إلى حماية المال العام.

الدعوى الأولى، والمقدمة أمام مجلس شورى الدولة بتاريخ 22 تشرين الأول 2020 وهي ترمي لإبطال قرار وزيري المالية والاتصالات بشأن آلية تحويل عائدات شركة الخليوي إلى خزينة الدولة، نظرا لتعارضه التام مع المادة 36 من قانون الموازنة العامة لسنة 2019 والتي وضعت لوقف هدر أموال الشركة في عقود تشغيلية واستثمارية، من دون إعمال أي مراقبة مسبقة. ففيما فرضت المادة 36 من هذا القانون على الشركة المشغلة تحويل جميع العائدات المحققة باستثناء رواتب الموظفين إلى خزينة الدولة على أساس مرتين في الأسبوع، جاءت الآلية التي وضعها الوزيران لتسمح للشركة بحسم النفقات التشغيلية قبل تحويل هذه العائدات وعلى أن يجري التحويل على أساس شهري. وهذا ما أقرته الجمعية العمومية في عدد من لقاءاتها بما أهدر المزيد من الأموال العامة. ولتبيان أهمية هذه المخالفة وأثرها على الأموال العامة، نكتفي بالإشارة إلى تراجع مداخيل الشركة المحوّلة إلى خزينة الدولة رغم تزايد مداخيلها الإجمالية من 79% إلى 57% خلال الفترة الممتدة بين 2010 و2018. وذلك بعدما ارتفع مجموع المصاريف التشغيلية والاستثمارية المقتطعة قبل إجراء التحويل من 289 مليون د.أ إلى 661 مليون د.أ أي ما يزيد عن الضعف. وهي أرقام تنذر بحصول هدر كبير بفعل تحويل النفقات التشغيلية والاستثمارية إلى مزراب للمحاصصة والهدر.

الدعوى الثانية، والمقدمة أمام القضاء المستعجل في أوائل آب 2020، وقد تمثلت في تعيين حارس قضائي يسترد إدارة الشركة من الشركة المشغلة لصالح الدولة وتكون مهمّته الأساسية إدارة المرحلة الانتقالية بعد حصول الاسترداد، بدءا بنقل الموظفين وانتهاء بمنح الشركة المشغلة براءة ذمة عن الفترة الفائتة. . وكان انتهاء عقد تشغيل الشركة وتقاعس الدولة عن استرداد الشركة رغم صدور قرار عن مجلس الوزراء في 5 أيار 2020 بوجوب القيام بذلك فرض تقديم هذه الدعوى. كما فرضها وهذا الأهم، احتمال المصادقة على الحسابات ومنح براءة ذمة رغم فداحة المخالفات الجزائية والإدارية المرتكبة في الشركة. وإذ دفع تقديم هذه الدعوى وزارة الاتصالات إلى التحرك لاسترداد الإدارة بالدعوة إلى جمعية عمومية للمساهمين في 30 تشرين الأول القادم، يبقى إدراج بنود تتصل بالتصديق على حسابات سنوات 2017 و2018 و2019 وإبراء ذمة الشركة المشغلة رغم فداحة المخالفات إشكاليا. فألا يفترض أن يكون الإبراء من مخالفات بهذا الحجم مستحيلا؟

انشر المقال

متوفر خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، المرصد القضائي ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سياسات عامة ، قضاء ، لبنان ، محاكم مدنية



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *