تسوية في قضية “سماسرة العدلية”: هكذا تمّت التضحية بالآداب المهنية


2023-09-19    |   

تسوية في قضية “سماسرة العدلية”: هكذا تمّت التضحية بالآداب المهنية

بعد ثماني سنوات على فضح قضيّة “سماسرة العدل”، نما إلى “المفكرة القانونية” أنّها وصلت إلى إسقاط الكاتب العدل أسامة غطيمي الحق الشخصي عن المحامييْن المدعى عليهما فيها. وتعود فصول القضية إلى العام 2015 حين عرض المحاميان ماغي وزنه ووسيم شعر على غطيمي حفظ ملف له بالإتجار بالبشر لدى قاضي التحقيق السابق بلال وزنه، وهو عمّ ماغي وزنه، مقابل 150 ألف دولار أميركي. وبعدما رفض غطيمي العرض وكشفه في الإعلام، اتّخذ مجلس نقابة المحامين في بيروت قرارًا بمنع ملاحقة المحامييْن بجرائم صرف النفوذ وتحقير القضاء على الرغم من قوّة الشبهات الموثّقة ضدّهما معلّلًا ذلك بأنّ فعلهما يتّصل بممارسة مهنة المحاماة. إلّا أنّ محكمة الاستئناف المدنية الناظرة في القضايا النقابية فسختْ قرار مجلس النقابة بعد خمس سنوات وأجازت ملاحقتهما. واللافت أنّ مجلس النقابة اتخذ هذا الموقف فيما تحرّكت الملاحقة التأديبية ضدّ القاضي بلال وزنه وانتهت إلى إصدار قرار تأديبي بصرفه من الخدمة، لحقته استقالة من طرفه، مما أظهر تفاوتًا بين جسمي القضاء والمحاماة في محاسبة إخلالات جسيمة في المهنتين.    

وبشكل يُنافي التوقّعات، وصلت هذه القضية في تاريخ 3 تمّوز 2023 إلى توقيع إسقاط للحقوق الشخصية من جهة غطيمي تجاه المحامييْن في مكتب رئيس مجلس الكتّاب العدل ناجي الخازن وبحضور مفوّض قصر العدل لدى نقابة المحامين في بيروت المحامي عماد مارتينوس. وقد اتّصلت “المفكرة” بالمحامي مارتينوس للاستيضاح حول الموضوع لكنه رفض الإجابة على الأسئلة معتبرًا أنّ الموضوع شأنٌ يخصّ نقابة المحامين وأنّه ملتزم بالقوانين التي تمنعه من التصريح. وفيما يفهم أنْ يسقط شخص حقوقه عن شخص آخر، إلّا أنّ اللافت أن يحصل هذا الإسقاط برعاية نقابية ورسميّة، حيث تم تسليم الأوراق في 11 تموز 2023، في لقاء عُقد في مكتب وزير العدل هنري خوري وبحضور كافة الأطراف كما ونقيب المحامين في بيروت ناضر كسبار وفقًا لمصادر “المفكرة”. ومن هنا، فإنّ مجرّد حصول لقاء على هذا المستوى يثير الكثير من القلق بشأن دوافع الاهتمام بتسوية كهذه وخلفيّاتها من قبل نقيب محامين مؤتمن على آداب المهنة وعلى عدالة المنافسة بين المحامين بوسائل مشروعة، ووزير عدل مؤتمن على حسن سير المرفق العام وتحصينه إزاء مجمل أشكال السمسرة. 

يلحظ أنّه على الرغم من إسقاط غطيمي حقوقه الشخصية، تبقى دعوى الحق العام في هذه القضية قيد النظر اليوم أمام قاضي التحقيق الأوّل في بيروت شربل أبو سمرا، الذي يخرج إلى التقاعد في 11 تشرين الثاني المقبل ويخشى تاليًا أن تنسى هذه الدعوى بالغة الأهمية في خزانات العدلية بعد إسقاط الحق الشخصي وفي ظلّ تعثّر المرفق العامّ. 

أخطر قضايا الفساد في القضاء

وطوال هذه السنوات، كانت “المفكرة” رصدت تطوّرات هذه القضية نظرًا إلى خطورتها وأهمّيتها من زوايا ثلاث:

أوّلًا، أنّ هذه القضية شاهد على أحد أبرز أشكال الفساد القضائي، القائم على السمسرة القضائية، وتحديدًا على قيام محامين ببيع صكوك براءة لقاء أموال طائلة، بما يتعارض مع وظائفهم، وبما يمسّ بالثقة بالقضاء وبالمنظومة القضائية برمتها.

ثانيًا، أنّها شاهد على أحد أبرز أشكال المنافسة غير المشروعة بين المحامين، بحيث يستغل بعض المحامين نفوذهم داخل القضاء لاجتذاب زبائن يأملون بنتيجة مؤكدة، ولو خلافًا للقانون، وكلّ ذلك على حساب المحامين الآخرين ولا سيما هؤلاء المتمسكين بآداب مهنتهم. 

ثالثًا، أنّها تؤشر إلى إخلال في عمل نقابة المحامين في بيروت وخصوصًا في ما يتّصل بضمان التزام المحامين بآداب مهنتهم. فبدل أن تبادر إلى محاسبة هؤلاء حفاظًا على مهنتي المحاماة والقضاء، تراها تغدق عليهم بحصانة وُجدت لغير الغاية التي استخدمت فيها في هذه القضية.

استعادة لأبرز محطّات القضية

بدأت هذه القضية في العام 2015 حين ادّعت عاملة منزلية فلبينية على غطيمي متّهمة إياه بالاتجار بالبشر بمساعدة من جمعية “كفى”. ووصل الملف آنذاك إلى دائرة قاضي التحقيق في بيروت بلال وزنه. وذات يوم، زار المحاميان ماغي وزنه ووسيم شعر غطيمي وعرضا على غطيمي إمكانيّة حلّ هذا الملف مقابل مبلغ 150 ألف دولار، الأمر الذي رفضه غطيمي. ويُشار إلى أنّ المحاميين عرضا على غطيمي حفظ ملفه علمًا أنّهما غير موكليْن عن أيّ من الخصوم في القضية. إلّا أنّ الصلة الوحيدة بينهما وبين الملف هو أنّ المحامية ماغي وزنه هي ابنة شقيق القاضي وزنه (الذي كان ينظر في الملف)، والمحامي وسيم شعر هو زوجها. وكانت خلال الاجتماع المذكور قد لوّحت بقدرتها على حفظ الملف لدى عمّها القاضي. 

وفي كانون الأوّل 2015، قام غطيمي بالتعاون مع صحافييْن في قناة “الجديد” بنشر فيديو يوثق بالصوت والصورة عمليّة السمسرة هذه ضمن تقرير مؤلف من ثلاثة أجزاء أعدّه الصحافي رامي الأمين تحت عنوان “العالم السفلي للعدالة في لبنان”. وتبعًا لنشر الفيديو، ادعى حينها القاضي وزنه أمام النيابة العامة التمييزية بحق المحاميين، كما تقدّم كاتب العدل غطيمي من جهته بشكوى ضدّهما بتهم عدّة منها التماس الرشوة وصرف النفوذ وإساءة استعمال السلطة وانتحال الصفة فتمّ ضمّ الدعوييْن في ملف واحد لدى النيابة العامّة الاستئنافية في بيروت.  

تبعًا لبث التحقيق على قناة “الجديد”، طلب النائب العامّ الاستئنافي في بيروت زياد أبو حيدر (وهو أحد القضاة الّذين وردت أسماؤهم في التسجيلات على لسان ماغي وزنه) من مجلس نقابة المحامين في بيروت إعطاء الإذن بملاحقة المحاميين جزائيًا بجرم صرف النفوذ وتحقير القضاء، إلّا أنّ المجلس رفض في شباط 2016 إعطاء الإذن متذرّعًا بأنّ أفعال المحاميين حصلت “في معرض ممارسة مهنة المحاماة” وأنّ تصرّفهما هو اعتيادي للمحامين. واعتبر المجلس  آنذاك في ردّه على النيابة العامّة أنّ المبلغ الذي عرضاه على غطيمي وهو 150 ألف دولار مبرّر كون ما يقومان به هو في معرض عملهما كمحاميين. 

ولاحقًا في الشهر نفسه استأنفت النيابة العامة الاستئنافية في بيروت كما غطيمي، قرار مجلس نقابة المحامين أمام محكمة الاستئناف المدنية الناظرة في القضايا النقابية برئاسة القاضي أيمن عويدات. وبعد خمس سنوات من عقد الجلسات وطلبات الردّ والتأجيل والتأخير، ومحاولات متعددة من قبل المشتبه بهما وزنه وشعر للمماطلة، أصدرت المحكمة قرارًا في أيّار 2021 قضى بفسخ قرار مجلس النقابة بتوافق أكثرية أعضائها، والسماح تالياً بملاحقة المحاميين. 

وتبعًا لقرار محكمة الاستئناف، ادّعى المحامي العام الاستئنافي في بيروت نديم زوين ضدّ الزوجيْن على خلفية التماسهما أجرًا غير واجب بحجة الحصول على عطف قاضٍ سندًا للمادتين 357 و358 من قانون العقوبات، وذلك بعد ما يقارب ستّ سنوات من حصول الواقعة. وهي القضية التي جرى فيها إسقاط الحق الشخصي من جهة غطيمي، والتي لا تزال قيد النظر لدى قاضي التحقيق الأول في بيروت شربل أبو سمرا حيث حُصر الآن الملف بالحق العام.

بالإضافة إلى ذلك، أحالت نيابة بيروت الأوراق والتسجيلات إلى النيابة العامة التمييزية لاتخاذ الإجراءات اللازمة بحق القاضي وزنه الذي أنهيت خدماته بموجب المرسوم الصادر في 2 تموز 2021 بناء على طلبه تبعًا لصدور حكم تأديبي بإنهاء خدماته في نيسان 2020. وكان القاضي وزنه قد  استأنف الحكم التأديبي أمام الهيئة القضائية العليا للتأديب، لكنّه قدّم استقالته وقبلت قبل صدور الحكم النهائي مما ضمن له الحصول على تعويضاته كاملة. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

قضاء ، المرصد القضائي ، فئات مهمشة ، لجوء وهجرة واتجار بالبشر ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني