أسئلة حول القرار التأديبي بصرف قاضٍ لبناني: أي ضمان للمتقاضي بالمثول أمام قاضٍ نزيه ومحايد؟


2019-05-03    |   

أسئلة حول القرار التأديبي بصرف قاضٍ لبناني: أي ضمان للمتقاضي بالمثول أمام قاضٍ نزيه ومحايد؟

ورد في المادة 53 من مشروع موازنة عام 2019 الذي يناقشه مجلس الوزراء بعد طول تأخير ما حرفيته: “اعتبارا من نفاذ هذا القانون يحسم من مخصصات السلطات العامة وملحقاتها (رئيس الجمهورية، رئيس مجلس الوزراء، الوزراء، رئيس مجلس النواب والنواب والمستفيدين من أحكام القانون رقم 25/74 وتعديلاته) نسبة 50% وذلك لمدة ثلاث سنوات من تاريخ صدور هذا القانون”.

إذا كان حسم مخصصات الوزراء والنواب لا يطرح مشكلة بل هو خاضع بالكامل لتقدير السلطة التشريعية لكن تعديل مخصصات رئيس الجمهورية خلال ولايته يشكل مخالفة صريحة للمادة 63 من الدستور التي تنص التالي: “مخصصات رئيس الجمهورية تحدد بموجب قانون ولا تجوز زيادتها ولا إنقاصها مدة ولايته”.

وهكذا يكون الدستور قد منع المس بمخصصات رئيس الجمهورية خلال ولايته. ومرد ذلك إلى طبيعة النظام البرلماني الذي يقوم على مبدأ لا مسؤولية رئيس الدولة السياسية. فنتيجة لهذا المبدأ كان لا بد من حماية رئيس الجمهورية عبر منع المشرع من تعديل مخصصاته كون ذلك قد يعتبر بمثابة عقوبة في حال تم تخفيضها أو مناورة للحصول على مكاسب سياسية في حال تم رفعها.

وقد احترم مجلس النواب هذا الموجب الدستوري منذ إقرار انتخاب أول رئيس للجمهورية اللبنانية سنة 1926. فقد ورد مثلا في تقرير مقرر لجنة المالية تاريخ 3 كانون الأول 1943 حول مشروع القانون القاضي بتحديد مخصصات رئيس الجمهورية التالي: “أن الحكومة قررت زيادة مخصصات فخامة رئيس الجمهورية عملاً بالمادة الدستورية رقم 63 التي تنص على تحديد هذه المخصصات في بدء ولاية الرئيس شرط أن لا تتغير هذه المخصصات طيلة مدة ولايته”.

وعند بدء ولاية الرئيس كميل شمعون مثلا نصت المادة الأولى من القانون الصادر في 12 تشرين الأول 1953 على التالي:  تحدد مخصصات رئيس الجمهورية المنصوص عليها في المادة 63 من الدستور طيلة مدة ولايته بمبلغ ثمانية وسبعين ألف ليرة سنويا” ( 48000 ليرة مخصصات و30000 ليرة نفقات تمثيل). وقد ورد بالفعل في الأسباب الموجبة التالي: “نصت المادة 63 من الدستور على أن مخصصات رئيس الجمهورية تحدد بقانون ولا يجوز زيادتها ولا إنقاصها طيلة مدة ولايته. وقد جرت العادة أن تحدد هذه المخصصات في كل سنة بقانون الموازنة”.

ولعل أكثر النصوص وضوحا هو القانون رقم 17 تاريخ 16 حزيران 1978 والذي عدل مخصصات رئيس الجمهورية خلال ولاية الرئيس الياس سركيس عبر زيادتها بنسبة 75% “على أن لا تسري هذه الزيادات الا اعتبارا من بداية ولاية رئيس الجمهورية التي تلي الولاية الحالية”.

كذلك الأمر نفسه حصل سنة 1987 عندما حددت المادة الأولى من القانون رقم 21 تاريخ 6 أيار 1987 مخصصات رئيس الجمهورية ب 100000 ليرة شهريا (75000 ليرة مخصصات و25000 ليرة نفقات تمثيل) بينما أكدت المادة السابعة أن هذا القانون “يعمل به اعتبارا من 1/7/1986 مع مراعاة أحكام المادة 63 من الدستور”. وقد أثار هذا الموضوع سنة 1987 نقاشا في مجلس النواب خلال دراسة رفع الحد الأدنى للأجور كون المادة 17 من مشروع القانون كما عدلته لجنة الادارة والعدل نصت على زيادة بنسبة 100% لمخصصات التمثيل العائدة لرئيس الجمهورية. فقد انقسم النواب حول شمول المخصصات لنفقات التمثيل أو أن هذه الأخيرة تشكل نفقات منفصلة يجوز تعديلها خلال ولاية رئيس الجمهورية. وقد استقر رأي غالبية النواب على اعتبار نفقات التمثيل منفصلة عن المخصصات وبالتالي يجوز تعديلها وفقا للتفسير الذي أعطاه النائب حسن رفاعي حين اعتبر التالي: ” فعندما نقول مخصصات، أي ما مخصص له، أي ما اكتسبه هو دون سواه ودون أن ينفق منه على سواه. بينما عندما نقول: تعويض التمثيل، أو نفقات التمثيل، فالتمثيل ونفقات التمثيل، لا يخص فيها رئيس الجمهورية قطعا. يجب أن تنفق في سبيلها وليس لمخصصاته، هو لا يضعها، هو لا يجنبها، وعليه أن يصرفها. وإذا أردنا التفسير المعاكس، نكون نسيء الظن برؤساء الجمهوريات الذين يكسبون من نفقات التمثيل” (محضر جلسة 19 كانون الثاني 1978). ولا شك أن هذا التفسير هو اجتهاد لا يتمتع بالحجية القانونية الملزمة لكنه أصبح ممارسة سار عليها مجلس النواب.

في مطلق الأحوال، نلاحظ أن المادة 53 من مشروع الموازنة عبر قولها أن هذا الحسم هو لمدة ثلاثة سنوات من تاريخ صدور هذا القانون تكون قد عدلت حكما مخصصات رئيس الجمهورية الحالي خلال ولايته ما يشكل مخالفة دستورية لا بد من استدراكها قبل إقرار الموازنة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم