في ملحمة إسقاط قاضية مناضلة


2023-05-08    |   

في ملحمة إسقاط قاضية مناضلة

أصدر المجلس التأديبي للقضاة في تاريخ 4 أيار 2023 قرارا بصرف “غادة عون” من القضاء. لم يتسنّ لي الاطلاع على حرفيّة القرار الذي يبقى سرّيا في هذه المرحلة ولا التثبّت من الأسباب والحجج التي استند إليها، لكن قسوة العقوبة تُثير بحدّ ذاتها اضطرابا ضميريّا يصعب تجاوزه. فأيّ قرار صرف لقاضٍ (وهو أمر نادر الحصول) إنما يحدّد ضمنا مواصفات القاضي النموذجي من منظور المجلس التأديبي والتي بشكل فقدانها أو التخلّي عنها سببا لتجريده من هذه الصفة. بمعنى أن السؤال عند صدور أيّ حكم صرف لقاضٍ يكون: ما هي هذه المواصفات والأهمّ ما هي المخالفات الجسيمة التي ارتكبها والتي يستشفّ من الحكم أنّه فقدها؟   

وما يثير هذا الاضطراب هو أنّ القاضية عون المشهود لها بنزاهتها المالية تميّزت على نحو ليس بإمكان أيّ مراقب جدّي إنكاره في إجراء تحقيقات في قضايا فساد كبرى وتجرّأت على كبار أصحاب النفوذ واستمرّت في نهْجها رغم حملات التنمّر والتدخّل المنظّمة ضدّها والتي سجّلت أرقاما قياسيّة. من هذه الوجهة، تبدّى الحكم بفعل قسْوته وكأنه يستصغر عمدًا مهمّة مكافحة الفساد في النظام القضائي اللبناني ومعها حجم العراقيل أمامها، ليستكبِر بالمقابل أيّ خطأ قد يرتكبه القاضي في مسعاه لتجاوزها من دون منحه أيّ أسباب تخفيفية. وما يزيد من حدّة هذا الاضطراب هي مقارنة قسْوة الحكم ضدّ القاضية عون مع استمرار أكثر القضاة انخراطًا في حماية كبار المشتبه بهم بالفساد في مراكزهم العليا من دون أيّ مساءلة. فهذه المقارنة إنما تؤكّد ما يمكن تصوّره في أيّ نظام قضائيّ يخلو من ضمانات الاستقلالية والنزاهة، وهو أن يستتبع تجرّؤ القاضي على أصحاب النفوذ آثارا سلبية على مساره المهني قد تصل إلى حدّ الصرف فيما يشكّل تماهي القاضي مع هؤلاء ومجاملتهم عاملا أساسيا في ترقيته ورفع شأنه. ولكن إن صحّ أنّ تجرّؤ عون على هؤلاء سبّب لها متاعب كثيرة، فإنّ من البيّن أنّ المآخذ التأديبية عليها والتي ضجّ بها الإعلام تتّصل بالدرجة الأولى في تمسّكها في الدفاع عن صلاحياتها ووظيفتها في مواجهة محاولات عرقلتها أو تعطيلها والذي أخذ في أكثر من مناسبة أبعادا نضاليّة غير اعتيادية. وهي أبعاد كانت تتبلور وتزداد حضورا بقدر ما تكثر التحدّيات والعراقيل أمام قيامها بمهامها. وهذا ما نستشفّه من استعادة سريعة لأبرز المحطّات التي عبّر فيها رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي أو مجلس القضاء الأعلى أو كبار القضاة عن مواقف صارمة تجاه ما أسموه “سلوكيّات” القاضية عون. فكأنّما بإمكان القاضي من منظورهم أن يحاول إحقاق الحقّ ومحاسبة المرتكب، لكن عليه بالمقابل أن يمتنع عن أيّ أعمال نضالية حفاظا على حياديته وعملا ب “موجب التحفظ”، حتى ولو كان من شأن امتناعه ذاك أن يؤدي إلى ضياع العدالة بشكل كامل. 

من هذه الزاوية، وإذ يأتي الحكم بمثابة أمر للقضاة بالتزام التّراجع والانكفاء الذاتيّين self restraint، فإنه يكتسي أبعادا ذات دلالة بفعل تزامنه مع اشتداد شراسة السلطة السياسية في اقتحام المجال القضائي وتصميمها على التقدّم إلى الأمام في اتجاه بسط هيمنة شبه كاملة على القضاء إلى درجة تعطيله. بهذا المعنى، وإن جاز في ظروف عاديّة النقاش بشأن مدى ملاءمة انخراط القاضية في أعمال نضاليّة (وهو أمر خضنا فيه في سياق نقد القواعد الأساسية لأخلاقيات القضاة الصادرة في 2005)، فإن إدانة هذا التوجّه في الظروف الحالية إنما يعادل في عمقه التسليم بشموليّة السياسة وطغيانها التامّ على المجال القضائي. 

ويذكر أن عددا من الهيئات القضائية والسياسية كانت سعتْ من قبل للوصول إلى وقف القاضية عون عن العمل. نذكر منها بشكل خاصّ الأمور الآتية: (1) تهويل مجلس القضاء الأعلى بعزل القاضية عون من دون محاكمة سندا للمادة 95 من قانون تنظيم القضاء العدلي وفق ما نقلته عدد من وسائل الإعلام. وإذ تعطّل ذلك بفعل ممانعة إحدى أعضاء المجلس آنذاك هيلانة اسكندر المضيّ فيه، فإن المجلس لم يجدْ حرجا في إصدار بيان علنيّ بإدانة “سلوكيّات” غادة عون ومطالبة التفتيش القضائي بالتحقيق معها و(2) التحذير الذي وجّهه رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي إلى القيادات القضائية بضرورة وضع حدّ لما أسماه “الشطط القضائي” على خلفية قرارات أخذتها القاضية غادة عون بشأن حاكم مصرف لبنان وعدد من المصارف في آذار 2022 كما في شباط 2023. هذا من دون الحديث عن كتب ميقاتي ووزير الداخلية بسام المولوي للضابطة العدلية بضرورة الامتناع عن تنفيذ مذكّرات غادة عون، أو قرارات النائب العام التمييزي للحدّ من صلاحيّاتها أو عرقلة أعمالها في أكثر من مناسبة، وبخاصّة في قضيّة الادّعاء على نجيب ميقاتي أو ملاحقة شركة مكتّف للصيرفة. 

وقبل المضيّ في توضيح هذه المواقف النضاليّة، لا بدّ من الإشارة إلى الخلل الحاصل في آليّات التأديب القضائي والتي من شأنها للأسف أن تحدّ أكثر فأكثر من إمكانية النضال القضائيّ وأن تشكّل أرضا خصبة لمزيدٍ من تدخّلات السياسة في القضاء. 

1- الخلل في آليّات التأديب القضائي 

أول ما يسجّل في هذا المضمار هو الخلل في آليات التأديب القضائي. يتأتّى ذلك من مجموعة من العوامل التي يجدر التذكير بها. 

أولا، أنّ ملاحقة القضاة تبقى وفق النظام اللبناني وقفا على قرار يصدر عن هيئة التفتيش القضائي بإحالة القاضي المعنيّ إلى المجلس التأديبي. وإذ يُصوّر هذا الأمر على أنّه ضمانة للقضاة طالما أن هيئة التفتيش القضائي مكوّنة بكاملها من قضاة، يبقى أنه يتمّ تعيين هؤلاء كلّهم من قبل السلطة التنفيذية وفق الكوتا الطائفية، وهو الأمر الذي يُخضع في أحيان كثيرة التفتيش لتأثيرات السياسة، سواء في التراخي حيال مخالفات القضاة المُرضى عليهم سياسيا أو في التشدّد إزاء مخالفات من ليسوا كذلك. وهو أمر كان سعى ائتلاف استقلال القضاء إلى تغييره من خلال تعديل كيفية تعيين أعضاء الهيئة، ليتمّ من قبل مجلس قضاء منتخب في غالبيته من القضاة أنفسهم. إلا أن هذا المسعى تجاوزته لجنة الإدارة والعدل في اقتراحها الأخير من خلال إبقاء التعيينات حكرا على السلطة التنفيذية. 

ثانيا، أن المحاكمة التأديبية تجري أمام هيئة ابتدائية مكوّنة من قضاةٍ يعيّنهم رئيس مجلس القضاء الأعلى ويقبل حكمها الاستئناف أمام هيئة مكوّنة من رئيس مجلس القضاء الأعلى أو نائبه و4 قضاة من أعضاء المجلس (وهي الهيئة القضائية العليا للتأديب)، على أن يرأسها رئيس المجلس أو نائبه. وعليه، وعدا عن تحكّم رئيس المجلس (سهيل عبود) في تعيين أعضاء المجلس التأديبي الذي أصدر عقوبة الصرف من الخدمة بحقّ القاضية عون، فإنّ رئاسة الهيئة سيتولّاها هو أو نائبه (عويدات) وكلاهما شارك أكثر من مرّة في اتخاذ مواقف وإجراءات تنمّ عن مواقف مسبقة واضحة بحقها. وهذه المعطيات كلها كافية للقول بأنّ عون خضعت وستخضَع لمحاكمة غير عادلة، يتحكّم بها من له مواقف مسبقة منها أو هو بمثابة خصم لها. أما حقّها بطلب ردّ عبود أو عويدات، فيقدّم أمام مجلس القضاء الأعلى نفسه والذي قد يصطدم بعدم إمكانيّة تعيين أيّ شخص غيرهما في رئاسة الهيئة القضائية العليا قانونا. ويجدر هنا التذكير أن المجلس الدستوري كان اعتبر في قراره الصادر في 27/06/2000 أنّ تجريد القاضي من إمكانية الطعن في القرارات التأديبية أمام مجلس شورى الدولة مقابل منحه إمكانية الطعن أمام الهيئة العليا المنبثقة كما المجلس التأديبي الابتدائي عن مجلس القضاء الأعلى إنما يعني تجريده عمليا من إحدى ضمانات استقلاليته وهي ضمانة المحاكمة على درجتين.       

ثالثا، يقتضي التذكير أن قانون تنظيم القضاء العدلي يفرض سريّة المحاكمة التأديبية، مما يتعارض مع مبدأ علانيّة المحاكمة الذي يشكّل أحد شروط المحاكمة العادلة. وقد تضمّن اقتراح قانون استقلالية القضاء العدلي الذي أعدّه ائتلاف استقلال القضاء نصّا صريحا يضمن إجراء المحاكمة علنا في حال طلب القاضي المعني ذلك. وهو أمر هامّ وبخاصة حين يستشعر القاضي أنّ المحاكمة التأديبية إنما تهدف قبل كل شيء إلى استهداف دوره القضائي كما هي حالة القاضيّة غادة عون.     

أخيرا، يُسجّل أن قانون تنظيم القضاء العدلي لا يتضمّن أيّ تصنيف للمخالفات التأديبية أو العقوبات التي تتناسب مع خطورتها. ومؤدّى هذا الأمر هو أنّ مجالس التأديب تتصرّف وكأنّ بإمكانها أن تحدّد العقوبات  التي تراها مناسبة تخفيفا أو تشديدا من دون استشعار أنها مقيدة بأيّ ضوابط. وهذا الأمر الذي دفعها أحيانا إلى إنزال عقوبات مخفّفة بحقّ قضاة ثبت تلقّيهم هدايا ورشاوى مقابل إنزال عقوبات مشدّدة بحقّ قضاة قد يُعاب عليهم تجاوز موجب التحفظ (أو بالأحرى موجب الصمت). وما يزيد من قابلية هذا الأمر للانتقاد هو أن قرارات المجالس التأديبيّة تبقى غير منشورة مما يحول دون استنباط تصنيف قضائي للمخالفات والعقوبات يعوّض عن غياب التصنيف القانوني. وهذا ما سعى أيضا اقتراح ائتلاف استقلال القضاء إلى تجاوزه من خلال تصنيف المخالفات والعقوبات والتأكيد على مبدأ تناسب العقوبة مع خطورة الأفعال. وهو المبدأ الذي عادت لجنة البندقية لتشدّد على ضرورة تضمينه في اقتراح القانون. إلا أن لجنة الإدارة والعدل نحّت كل هذه الضوابط من صيغة الاقتراح كما عدّلته مبقيةً الأمر عرضة للعقوبات الاعتباطية. 

2- خمس معارك “نضالية” في مسيرة غادة عون  

ليس خفيّا أنّ غادة عون تولّت النيابة العامة في جبل لبنان بموجب التشكيلات القضائية الصادرة في 2017 بفعل دعم رئاسة الجمهورية لتعيينها في هذا المركز. وإذ يهدّد التدخّل السياسي في التعيينات القضائية مبدأ استقلالية القضاء وحياديته أقله الظاهرة، إلا أنه يقتضي التذكير بأنّه معتمد على نطاق واسع ويكاد يشمل جميع المراكز الهامة في القضاء، وبخاصة المراكز في النيابات العامة وقضاء التحقيق ورئاسات المحاكم. كما يقتضي التذكير (وهذا الأهم) أن القاضية عون كانت رمزا للقاضيّة المستقلّة في حقبة الوصاية السورية، واشتهرتْ في عدد من الآراء المخالفة التي دوّنتها تحت القرارات الأكثر قمعا للحريّة، وأهمّها قرار إقفال محطة MTV. وقد شكّلت هذه المواقف الشجاعة من طرفها ديْنا في ذمة القوى السياسية التي كانت تعارض الوصاية السورية وتنادي بالسيادة والاستقلال. كما يجدر التذكير بأن القاضية عون أدّت دورا أساسيّا في العقدين الأخيرين في الدفاع عن حق القضاة بإنشاء جمعية للقضاة منعا لاستفرادهم (وهو الأمر الذي مهّد لاحقا لإنشاء نادٍ للقضاة في 2018 وإن لم تكن عضوا مؤسسا له) وتعرّضت على خلفية ذلك للكثير من الأسئلة من التفتيش القضائي. 

ولكن بمعزل عن كل ذلك، ما هي المعارك التي خاضتْها القاضية عون في السنوات الثلاث الأخيرة والتي شكّلت خلفيّة الهجوم ضدّها والتنمّر عليها، وصولا إلى اتخاذ القرار التأديبي بحقها؟ هذا ما سأحاول الإجابة عليه هنا تحت خمسة عناوين كبرى. 

تطبيق قانون الإثراء غير المشروع للمرة الأولى بعد 66 سنة من إقراره

ادّعت القاضية عون في تاريخ 23/10/2019 على نجيب ميقاتي وشقيقه طه ونجله ماهر ومصرف عودة أي بعد خمسة أيام من انطلاقة انتفاضة 17 تشرين 2019 بجرم صرف النفوذ والإثراء غير المشروع على خلفيّة استحصاله على قروض مصرفية مدعومة بقيمة 30 مليون د.أ. وقد خرجت القاضية عون لتعلن عن ادّعائها على شاشات التلفزة معلنةً أنها أنجزتْ التحقيقات منذ فترة وقرّرت الادّعاء بعدما تعاطفتْ مع الاحتجاجات الشعبية ضد الفساد. وإذ انطلقتْ ضدّها حملات التنمّر على خلفية تسريحتها أو افتراض خلفية سياسيّة للادّعاء، لفتت المفكرة القانونية إلى أهمية هذا الادعاء كونه الأول من نوعه في تاريخ لبنان بعد 66 سنة من إقرار قانون الإثراء غير المشروع في 1953. كما ذكّرت أنه مبني على أدلة قوية مما ينفي احتمال وجود كيدية أو فبركة سياسية ويجعل الادعاء استحقاقا وطنيا بمعزل عن توقيته. أما قول عون بأنها تعاطفت مع الاحتجاجات الشعبيّة والذي تندّر عليه كثيرون، فيجد تفسيره المنطقيّ بأنها تشجّعت بفعل الاحتجاجات وشعرت أن ثمّة ظرفا سياسيا من شأنه أن يغيّر موازين القوى ويتيح  للقضاة تجاوز انكفائِهم الذاتي في اتجاه فتح ملفّات الفساد بوجه زعامات أو شخصيات جدّ نافذة. ولم يتأخّر ردّ الهرمية القضائية على ادعاء القاضية عون وقد تمثّل في إصدار عويدات أوامره للضابطة العدلية بالامتناع عن تلقّي أيّ أوامر أو توجيهات منها، بعدما اعتبر أنّه مشوب بأخطاء جسيمة أهمها حصوله من دون موافقته المسبقة. وقد بيّنت المفكّرة آنذاك عدم قانونية هذه الأوامر الرامية إلى تعطيل التحقيق في جريمة إثراء غير مشروع رغم قوة الأدلة على حصولها، وقد عاد عويدات فعليا عنها بعد ذلك.  

وبعد أكثر من سنتين، أصدر قاضي التحقيق الأول في بيروت شربل أبو سمرا قرارا بحفظ الدعوى المقامة ضد ميقاتي ورفاقه ليس لعدم وجود جرم إثراء غير مشروع، بل فقط بحجة شكليّة قوامها مرور الزمن، وهي حجة فنّدتها المفكرة إثباتا لعدم صحتها.   

فساد النافعة 

المعركة الثانية التي فتحتْها القاضية عون وانفجرتْ في وجهها هي قضية رئيسة النافعة هدى سلوم، حيث أصدرتْ في كانون الأول 2019 قرارا بتوقيفها والادّعاء عليها على خلفيّة صرف النفوذ والإثراء غير المشروع أيضا، وهو الأمر الذي كلّفها اقتحام مكتبها من قبل نسيبها ووكيلها النائب السابق هادي حبيش. ولم يجدْ حبيش حرجا في استخدام أبشع العبارات بحقّها وصولا إلى اتهامها بخدمة أجندات سياسية وتحوّل مكتبها إلى “كرخانة” وفق تعبيره. وإذ استمرّت عون في ملاحقة سلوم رغم كل ذلك، فإنّ النيابة العامة في جبل لبنان بشخص المحامية العامة نازك الخطيب عادت لتفتح ملف النافعة برمّته في أواخر 2022 وصولا إلى توسيع الادّعاء بجرميْ صرف النفوذ والإثراء غير المشروع ليشمل عددا كبيرا من مدرائها وموظفيها. وقد أشارت المفكرة القانونية إلى تحوّل هذا الملف إلى مناسبة لتطوير آليات مكافحة الفساد في دائرة عامة، رغم المحاولات المستمرة لتعطيلها من خلال انتهاج ما أسمته ممارسات استِعداء القضاء

التحقيقات مع شركة مكتّف للصيرفة 

قد لا تكون هذه المحطّة أهمّ المحطّات النضاليّة للقاضية عون. ولكنّها بالتأكيد أشهرها وهي المحطّة التي لجأت فيها عون إلى استخدام وسائل غير اعتيادية ردّا على التدابير المُستخدمة لعرقلة عملها. للتّذكير، فإن شركة مكتف شركة صيرفة متخصّصة بنقل الأوراق النقديّة للدولار إلى الخارج. وقد جاءتْ ملاحقتُها على خلفيّة معلومات أنه تمّ استخدامها لتحويل أموال إلى الخارج خلال الفترة الحرجة قبيل 17 تشرين ومن بعدها، مع شبهات حصول تواطؤ مع مصرف سوسيتيه جنرال (ورئيس مجلس إدارتِه أنطوان الصحناوي) وحاكم مصرف لبنان رياض سلامة. وقد اكتستْ هذه القضيّة أهميّة خاصّة على خلفيّة أن معاملات شركات الصرافة وقيودها لا تخضع للسرّية المصرفية. إذ أنّ من شأن ذلك أن يخوّل النيابة العامّة جلاء بعض الحقائق بشأن تحويل الأموال إلى الخارج في الفترة الحرجة وهوية المستفيدين فعليا منه، وتاليّا تجاوز السرّية المصرفيّة والتي كانت تمنعها من الحصول على أيّ معلومة بهذا الشأن. إلا أنه ورغم ذلك، لم تجرِ المهمة القضائية بسهولة. فلئن اضطرّت القاضية عون إلى الانتقال إلى مركز الشركة بنتيجة عدم استجابة هذه الأخيرة لطلبات الخبراء المعينين منها، فإنها عادت واتخذت قرارا بخلع بابها بعد إغلاقه في وجهها. هذا مع العلم أنها اضطرّت على استكمال مهمتها في مركز الشركة من دون أي مؤازرة أمنية بعدما أبلغها النائب العام التمييزي بواسطة وكيل شركة مكتف قراره بكفّ يدها وهي في خضمّ المداهمة. وقد برّرت القاضية عون عدم الالتزام بقرار عويدات بأنه غير قانوني (وهو أمر أكّدت عليه أيضا المفكرة القانونية والعديد من الخبراء القانونيين)، طالبةً من الشعب أن يدعمها في إتمام مهمّتها التي تصبّ في خدمة الصالح العامّ. وفي حين انقضّت عليها الاتهامات من أوساط السلطة السياسية والدينية بالتمرّد والاستعراض والشعبوية والمسّ بتقاليد القضاء وخدمة أجندات سياسية، لفتت المفكّرة أنّ المشكلة ليست في إصرارها على إجراء التحقيق بل في منعها منه، وأنها ليستْ في خلع الباب بل في إغلاقه في وجه النيابة العامة والعدالة وأن عون إنما وجدت نفسها مضطرّة على اعتماد وسائل غير اعتيادية لتجاوز رفض تزويدها بالمعلومات اللازمة لإنجاز مهمتها. وعليه، من منظور المفكرة، شكّلت وسائل تعطيل عون فنونا لفرض نظام الإفلات من العقاب، في حين رمتْ عون من خلال “تمرّدها” على قرار عويدات واحتكامِها للرأي العامّ (وهي وسائل نضاليّة وغير مألوفة حكما) إلى خرق جدار هذا النظام. 

وللأسف، لم يأتِ تعطيل مهمة عون من داخل القضاء من النائب العام التمييزي وحده، بل ألقى مجلس القضاء الأعلى بثقله في الاتجاه نفسه. ومن أخطر ما ذهب إليه في هذا الخصوص (1) التهويل بإعلان عدم الأهلية أي العزل من دون محاكمة وهو أمر سقط بفعل اعتراض بعض أعضاء المجلس كما سبق بيانه، و(2) إصدار بيان شديد اللهجة في تاريخ 20 نيسان 2021 بحقّ عون حمّلها فيه مسؤوليّة البلبلة الحاصلة في قضية شركة مكتف مع طمس سائر أبعادها لجهة أهمية النفاذ إلى قيودها لجلاء حقيقة الحوالات إلى الخارج. وبخلاف وزارة العدل التي كانت طلبت من هيئة التفتيش القضائي وضع يدها على القضية بأكملها والنظر بمسؤوليات عويدات كما عون، انتهى بيان المجلس الأعلى إلى مطالبة هذه الهيئة التحرّك والتحقيق مع عون وحدها لجهة خرقها موجب التحفّظ وعدم التزامها بتنفيذ تعهّداتها المتكرّرة أمام المجلس وتمنّعها عن الحضور إلى النيابة العامّة التمييزية فضلاً عن خرق قرار عويدات (رغم تسليم المجلس بوجود شكوك حول قانونيّته). وإذ لجأت غادة عون دفاعا عن صلاحياتها إلى وسيلة أخرى غير اعتيادية من خلال الطعن في قانونية قرار عويدات أمام مجلس شورى الدولة مع المطالبة بوقف تنفيذه، فإن هذا المجلس اكتفى بإصدار قرار يعكس في عمقه عجز أعضائه عن البتّ بالطعن، ومفاده دعوة مجلس القضاء الأعلى إلى تَبيان رأيه فيه، علما أن هذا الأخير لم يبدِ رأيه ذاك حتى اليوم. 

وعليه، وبفعل إصرار عون على إنجاز مهمتها رغم كل العقبات، انتهت في آب 2021 إلى الادّعاء على شركة مكتّف ورفاقها في هذه الدعوى بجرم التهرّب الضريبيّ وتبييض الأموال وتحويل مبالغ مالية قدرتها ب 4.3 مليارات د.أ لم يعرف مصدرها وإخفاء معلومات، وهو ادّعاء ما يزال عالقا أمام قضاء التحقيق في جبل لبنان. 

الفيول المغشوش 

وضعت القاضية عون يدها في المنتصف الأول من سنة 2020 على ملفّ الفيول المغشوش وتحديدا إحدى حمولات استيراد الفيول من شركة سوناطراك بعدما تسرّب للإعلام قيام النائب العام المالي بحفظ الشكوى المقدّمة بهذا الشأن. وبخلاف ما فعله إبراهيم، باشرت عون تحقيقات أدّت عمليا إلى كشف أعمال فساد على مستويات عدة من الإدارات العامة (مجلس الوزراء، المدراء العامين في وزارة الطاقة والمياه، المختبرات العائدة لمنشآت النفط)، وكل ذلك وسط ممانعة سياسيّة لا تقلّ خطورة من الممانعة التي واجهتها عون في ملف شركة مكتّف. لا بل تمّ تهديد لبنان بالظلام الدامس كوسيلة ابتزاز لمنع التحقيق في هذه القضية. 

ولعلّ أخطر هذه الهجمات حصلتْ من الوزير السابق سليمان فرنجية الذي لم يخفِ في المؤتمر الصحافي الذي عقده في تاريخ 11/5/2020 أنّ إثنين من المدعى عليهم تيدي رحمة (رئيس مجموعة الشركات التي تولت استيراد الفيول) وسركيس حليس (المدير العام لمنشآت النفط) هما في حمايته وأنهما لن يمثلا أمام القضاء إلا بعد رفع يد القاضية عون التي وصف أداءها بالكيدية عن القضية. ولم يكفِ عون تعرّضها لاتّهامات من القوى المخاصمة للتيّار الوطني الحرّ على خلفية قربها منه، بل تعرّضت أيضاً لسهام رئيس هذا التيّار جبران باسيل خلال مؤتمر صحافي عقده بدوره في تاريخ 17/5/2020. فبعدما عمد باسيل إلى تبرئة المديرة العامّة للنفط أورور فغالي المقرّبة منه والتأكيد على نظافة كفها بخلاف ما ذهبت إليه عون التي أصدرت قرارا بتوقيفها، لم يجد حرجا في القول بأنّ هذه الأخيرة تلاحقها فقط بهدف إثبات أنّها مستقلّة في أدائها وتجنّب اتهامها بالانحياز للتيار. وهذا ما نستشفّه من قوله: “في العدالة لا يمشي منطق التوازنات، ما في 6 و6 مكرّر: فالمرتكب مرتكب والبريء بريء، قال شو منوقّف من الجهتين لنبيّن إنّه نحن مستقلّين كقضاة”. وبعد ذلك، استمرّت عون رغم هذه الهجمات ضدّها في تحقيقاتها لتنتهي إلى تضمينها أدلة قوية بشأن كل من رحمة وحليس وفغالي. وقد شكّل إصرارها على ملاحقة فغالي والكشف عن تلقيها هبات وأيضا عن استغلالها لسلطتها لإخفاء أعمال فساد (تورط باخرة في تلويث المياه الإقليمية) وإفشال عمل التفتيش المركزي في مراقبة حمولات البواخر نقطة اعتراض بليغ ضدّ الاتهام الموجه إليها بالانتقائية والعمل وفق أجندات أو حسابات سياسية. وبذلك، تمّ إنجاز تحقيق في إحدى أكبر الصفقات العمومية والتي استمرّت بموجب عقد مجحف للدولة طوال 15 سنة، صرف فيها ما يزيد على 10 مليار د.أ يرجّح أن يكون قسم كبير منها ذهب هدرا بفعل استيراد فيول مغشوش. 

لم تكتفِ عون في مواجهة التحدّيات السياسية في معرض قيامها بتحقيقاتها، بل واجهتْ أيضا فيما بعد المحاولات الحاصلة أمام قاضي التحقيق نقولا منصور والهيئة الاتهامية في جبل لبنان، وبخاصة لجهة عدم الادّعاء على شركة سوناطراك ومدى مسؤولية تيدي رحمة ومدى توفر عناصر جرم تبييض الأموال. إلا أن الهيئة الاتهامية انتهتْ إلى تخفيف المسؤوليات على كل هذه الصعد، رافضة الادعاء على سوناطراك ومستبعدةً جرم تبييض الأموال بالكامل. 

واللافت أيضا أنّ عون احتكمتْ في هذه القضية أيضا للرأي العامّ والإعلام منبّهة في حديث متلفز في تاريخ 18/11/2020 إلى أن هيئة التحقيق الخاصّة لدى مصرف لبنان رفضتْ طلبها برفعَ السرّيّة المصرفية عن المعنيين بالقضية لأنها لا تريد الكشف عن الفساد، علما  أنّ أحد أعضاء هذه الهيئة هو القاضي علي إبراهيم نفسه الذي كان حفظ ملفّ سوناطراك. وقد أدّى حجب المعلومات في هذا الخصوص إلى منع عون من تكوين صورة واضحة عن شبكات العلاقات المالية بين مختلِف المشتبه بهم. كما أدّى إلى تسهيل استبعاد جرم تبييض الأموال من قبل الهيئة الاتّهامية ومحكمة التمييز. 

وما فشلت عون عن تحقيقه داخليا وجد مؤخّرا صداه في العقوبات التي فرضتها الخزينة الأميركية ضدّ تيدي رحمة وشقيقه والشركات المملوكة منهما على خلفية شبهات تبييض أموال، بالاستناد إلى تحقيقات قضية سوناطراك التي ما تزال عالقة أمام محكمة جنايات جبل لبنان. 

رياض سلامة وشقيقه والمصارف 

خصّصت عون جزءا أساسيّا من عملها خلال السنوات الماضية لملاحقة حاكم مصرف لبنان والمصارف. وليس هنا المكان المناسب لاستعادة جميع محطّات هذه الملاحقة، إنّما سنكتفي بالإضاءة على أكثرها دلالة، وهي المحطات التي يعتقد أنه كان لها تأثير على ملاحقة عون أمام المجلس التأديبي. 

المحطة الأولى حصلت في آذار 2022، تبعا للقرارات التي أصدرتْها عون بتوقيف شقيق حاكم مصرف لبنان رجا سلامة على خلفية اشتراكه في جرم اختلاس أموال عامة وتبييض أموال، ووضع إشارة منع سفر بحقّ عددٍ من مدراء المصارف على خلفيّة ملابسات حصولها على قرض بقيمة 8.3 مليارات د.أ بعد 17 تشرين، وهي مبالغ اقتطعت مما تبقى من احتياطي مصرف لبنان وحوّلت آنذاك إلى الخارج. تبعا لصدور هذه القرارات، أعرب ميقاتي عن قلقٍ عميق إزاء ما أسماه الفوضى القضائيّة، ليدعو رؤساء مجلس القضاء الأعلى والتفتيش القضائي والنيابة العامة التمييزية إلى جلسة للحكومة للتباحث في تدابير وضع حدّ لهذه الفوضى. رفض هؤلاء تلبية الدعوة معتبرين إياها مهينة للقضاء، الأمر الذي انتهى إلى إعلان  تشكيل لجنة برئاسة وزير العدل هنري خوري. لم يكتفِ ميقاتي بهذا القدر بل عمد علاوة على ذلك إلى تهديد عويدات بعزله في حال لم يبادر إلى وضع حدّ للفوضى. 

المحطة الثانية، تمثلت في تفعيل التحقيقات بشأن قرض ال 8.3 مليار د.أ تبعا لصدور قانون رفع السرية المصرفيّة والذي خوّل الهيئات القضائية المختصّة طلب معلومات مصرفيّة في سياق التحقيق في جرائم مالية. وقد عمدت عون في هذا الإطار إلى توجيه مذكرات إلى مختلف المصارف المعنية مطالبة إياها بجلاء ملابسات هذا القرض والأشخاص المستفيدين من التحويلات إلى الخارج. وإذ استجابتْ بعض المصارف لطلباتها، فإنّ بعضها الآخر وفي مقدمتها مصرفيْ عودة وسوسيتيه جنرال، رفضت تزويدها بالمعلومات المطلوبة، الأمر الذي دفعها إلى فتح محاضر بحقّها على أساس قانون رفع السرية المصرفية والذي فرض على الامتناع عن تسليم المعلومات المذكورة عقوبات مشددة هي نفسها العقوبات المطبقة على جرائم تبييض الأموال. وما أن فتحتْ عون هذه المحاضر، حتى أعلنتْ جمعية المصارف إضرابا مفتوحا في موازاة انطلاق حملة من التنمّر والتحقير بحقّها على خلفية أنّ اتهام المصارف بتبييض الأموال سيؤدّي إلى قطع العلاقات معها وتاليّا إلى وقف عمليات الاستيراد والاقتصاد اللبناني برمّته. بالمقابل، تمّ تغييب أبعاد الخطوات المتّخذة من عون وأهميّتها، وقوامها أنه أول تطبيق عملي لقانون رفع السرية المصرفية وأنه يهدف إلى جلاء الحقيقة بشأن ملابسات تحويل أموال إلى الخارج تعادل قيمتها مجمل الاحتياطي المتبقي لدى مصرف لبنان. تبعا لذلك، عمدت بعض المصارف إلى تقديم دعاوى ردّ ضدّ عون ومُخاصمة للدولة على خلفيّة أعمالها، وذلك بهدف كفّ يدها عن اتّخاذ أيّ إجراء تجاهها. هذا مع العلم أن دعوى مخاصمة الدولة تخوّل مقدّمها كفّ يدها إلى أجل غير مسمّى تماما كما حصل في قضية المرفأ، تبعا لعجز المحكمة الناظرة بها (الهيئة العامة لمحكمة التمييز) عن الانعقاد بفعل تقاعد غالبيّة أعضائها من دون إصدار تشكيلات قضائيّة بتعيين بدائل عنهم، عملا بالمادة 751 من قانون أصول المحاكمات المدنية. وكان ائتلاف استقلال القضاء توقّف مرارا عند هذه الدّعاوى وتعسّف المدّعى عليهم في القضايا الكبرى في تقديمها معتبرا أن من شأنها أن تعطّل العمل القضائي برمته وأن تؤدي إلى تعميم نظام الإفلات من العقاب. وهو الأمر الذي دفعه إلى تقديم اقتراحيْ قانون بالتعاون مع تسعة نواب من نواب “التغيير”. 

وفي حين سعتْ القاضية عون إلى الاستمرار في عملها متذرّعة بعدم تبلّغها هذه الدعاوى، اتّخذ ميقاتي إجراء تجاوز من حيث تدخله في القضاء وبشاعته وخطورته وطابعه الانقلابيّ ما كان فعله في 2022. هذا الإجراء تمثل في توجيه كتاب يطلب فيه من وزير الداخلية بسام المولوي (الذي سارع إلى ذلك) التدخّل فورا للإيعاز للقوى الأمنية بعدم تنفيذ مذكّرات النائبة العامّة غادة عون طالما أنها مكفوفة اليد عملا بالمادة 751 المذكورة أعلاه. ولم يجدْ ميقاتي حرجا في سياق تدخله الواضح في القضاء في تفسير هذه المادة بأنّها تطبّق فور تقديم دعوى المخاصمة من دون حاجة إلى تبليغها للقاضي المعني فضلا عن إدانة القاضية عون بأنها تتهرّب من التبليغ. وبذلك، تحوّلت هذه المادة الواردة ضمن أصول المحاكمات إلى سلاح سياسيّ يستخدمه رئيس الحكومة لتعطيل القضاء وتعميم الإفلات من العقاب، كما تحوّل الإفلات من العقاب بذلك من واقع أو ممارسة إلى سياسة حكومية. ولم يتأخّر مجلس القضاء الأعلى وعويدات عن ملاقاة جهد ميقاتي والمولوي لكفّ يد القاضية عون عن التحقيق في هذه القضية، من دون إيلاء أي اهتمام للكارثة المتمثلة في تمكين أي مدعى عليه من تعطيل أي تحقيقات ضده إلى أمد غير مسمى بفعل تعطيل الهيئة العامة لمحكمة التمييز.      

3-ماذا بعد؟ 

ممّا تقدم، يقتضي تسجيل الخلاصات الآتية والتي يتوجب التوقف عندها لتحديد الخطوات المستقبلية. 

أولا، أنّ القاضية عون سجّلت في سياق عملها مساعي جدّية لمقاومة نظام الإفلات من العقاب. وبعدما سجّلت سبقًا في تطبيق قانون الإثراء غير المشروع وقانون رفع السرية المصرفية (والتي تختبئ تحت ستارها جرائم فساد 3 عقود)، فإن عملها وعمل المحامين العامين في دائرتها أدّى عمليا إلى كشف ممارسات الفساد المعمم في العديد من صفقات الدولة وإداراتها العامة، آخرها في النافعة والسجل العقاري في جبل لبنان. وإذ يأخذ عليها البعض اعتماد انتقائية سياسيّة في أدائها من خلال ملاحقة خصوم التيار الوطني الحرّ، فإن هذه المآخذ تسقط أمام جدية الأدلة التي انتهت إليها تحقيقاتها مما ينفي تماما أيّ كيدية، هذا فضلا عن أنه من الثابت أنها لم تتوقف في سياق تحقيقاتها عن ملاحقة أشخاص محسوبين على التيار مثل أورور فغالي، وهو الأمر الذي سارع جبران باسيل إلى تسجيل اعتراضه عليه. وهي ربما لم تنجح في فتح كل الملفات التي قد نرغب في فتحها أو في إنجاز تحقيقات في الملفات المفتوحة وفق ما قد نطمح إليه أو حتى في اتخاذ مواقف واضحة من قضايا الحريات، لكن من المؤكد أنها بذلت ما لم تبذله أيّ من النيابات العامة الأخرى في مجال ملاحقة الجرائم المالية خلال السنوات بل العقود الأخيرة. وليس أدلّ على ذلك إقدامها في ملفات جدّ هامّة كان النائب العام المالي قرّر حفظها من قبل من دون إجراء أي تحقيق. 

ثانيا، أن القاضية عون تعرّضت في سياق عملها إلى حملات منظّمة من التحقير والتنمّر لا تضاهيها إلا الحملات التي تعرّض لها طارق بيطار على خلفية التحقيق في جريمة تفجير المرفأ. هذا فضلا عن أنها كما بيطار تعرضت لتدخّل جسيم في عملها من قبل النائب العام التمييزي ولكن أيضا من قبل مسؤولين حكوميين، عمدوا غالبا إلى عزلها وتجريدها من أيّ مؤازرة أمنية. هذا فضلا عن تعرّضها للتهويل بإعلان عدم أهليتها من قبل مجلس القضاء الأعلى وصولا إلى إحالتها إلى المجلس التأديبي والحكم بصرفها من الخدمة. وأكثر ما يجدر التوقّف عنده هنا هو أنّ هذه الحملات والتدخّلات كانت تمارس ضدّها وضدّ القضاة الذين يتجرؤون على فتح الملفات وعلى خلفية فتحها، في حين يجري حفظ الملفّات وتضييع حقوق المجتمع من قبل النيابة العامة المالية وقضاء التحقيق وبخاصة في بيروت تحت جنح الصمت أو الانتقادات الخافتة. فكأنما النظام الإعلامي والقضائي مهيّأ للهجوم على من يتجرأ على نظام الإفلات من العقاب وهو النظام السائد وليس على من يتماهى وينسجم معه،

ثالثا، أن القاضية عون اصطدمتْ كما الكثير من القضاة بنهج “استعداء القضاة” من قبل المدّعى عليهم، وهو النهج الذي تمثل في مواجهة أيّ إجراء قضائي بموجة من دعاوى الردّ ومُخاصمة الدولة على خلفية أعمال القاضي الذي اتخذه سندا للمادة 751 من قانون أصول المحاكمات المدنية، وهو نهج بات يمكّن أي مدعى عليه من وقف أيّ إجراء ضدّه إلى أجل غير مسمّى بعد تعطيل الهيئة العامة لمحكمة التمييز كما سبق بيانه. وعليه، وجدتْ عون نفسها كما العديد من القضاة ملزمين حفظا لصلاحياتهم ولما تبقى من حق التقاضي بالاجتهاد للتفلّت من هذه المادة والعبث الذي يتولد عنها، وهو الاجتهاد الذي ذهب إليه طارق بيطار في قراره الصادر في 23 كانون الثاني 2023 والذي أسميناه اجتهاد الضرورة في مواجهة نظام الإفلات من العقاب.  

وعلى ضوء هذه المعطيات، يصبح السؤال الأكثر إلحاحا: ما هي المعايير التي يجدر أخذها بعين الاعتبار عند محاسبة أي قاضٍ أو قاضية، علما أن من شأن هذه المعايير أن ترسم نموذج القاضي الذي نريد كما سبق بيانه؟ 

هل تهدف معايير المحاسبة إلى ترسيخ الهرمية القضائية ونفوذ مجلس القضاء الأعلى والنائب العام التمييزي وقوة أوامرهما بمعزل عن مدى قانونيتها، في اتجاه مكافحة أيّ ممانعة لما يقرره كبار القضاة أو تمرّد ضدهم؟ فنكون إذ ذاك في إطار صناعة القاضي الطيّع والمُنسجم مع أوامر رؤسائه وتاليا القاضي غير المستقلّ، في موازاة ترسيخ التنظيم الهرمي أي التنظيم الممسوك من فوق داخل القضاء. 

أم هل تهدف معايير المحاسبة إلى ترسيخ مبادئ سلوكيّات التحفظ والصمت والامتناع عن أيّ عمل نضالي أو استهجان أو احتكام للرأي العامّ بمعزل عن ظروف العمل القضائي أو الظروف الاجتماعية؟ فنكون إذ ذاك في إطار صناعة القاضي الصامت والعاجز عن مواجهة ما قد يمنعه عن أداء وظيفته. 

أم على العكس من ذلك، يجدر أن تتّصل معايير المحاسبة أولا بمدى التزام القاضي بتأدية وظيفته بصورة فعليّة، وهو المعيار الأكثر انسجاما مع مقتضيات المصلحة العامة ومع الغاية الأصلية للوظيفة القضائية ومعانيها؟ فنكون إذ ذاك في إطار صناعة القاضي الحريص على أداء وظيفته والسّاعي إلى تجاوز العوائق التي تحول دون إتمامها مع ما يفترض ذلك من تجديد في مقاربة الأخلاقيات القضائية والوسائل المعتمدة منه. وهي المقاربة التي كانت المفكرة أسهبت في تظهيرها في معرض نقدها للقواعد الأساسية لأخلاقيات القضاة الصادر في 2005 أو في معرض وضع تصورها التجديدي للأخلاقيّات القضائية في المنطقة العربية. 

وبالطبع، أن يؤخذ بهذا المعيار الأخير يعني تغييرا جذريّا في فهم الأخلاقيات القضائية وتاليا في عمل التفتيش القضائيّ والمجالس التأديبية، وهو تغيير لا يؤثر فقط على نتيجة الحكم بصرف القاضية عون من الخدمة ولكن يفرض قبل كل شيء النظر في مسؤوليات القضاة الذين تدخّلوا لثنيها أو لجمها عن إجراء التحقيقات أو الذين غضّوا الطرف عن شبهات بالغة الخطورة ما كان من الممكن جلاء حقيقتها لولاها. لكن بالطبع، هذا التغيير لن يحصل من دون بذل جهود كبيرة داخل القضاء وخارجه وحراك هادف وحازم. بانتظار ذلك، من الظلم أن تدفع غادة عون ثمن حربها ضدّ نظام الإفلات من العقاب.

لقراءة المقال باللغة الانكليزيّة، إضغطوا هنا

انشر المقال

متوفر من خلال:

قرارات قضائية ، استقلال القضاء ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، المهن القانونية ، المرصد القضائي



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية