اعتقال فتاة تطوان يعيد الجدل حول الحريات الفردية بالمغرب


2021-02-08    |   

اعتقال فتاة تطوان يعيد الجدل حول الحريات الفردية بالمغرب

عاد موضوع الحريات الفردية إلى الواجهة بقوة في المغرب، على إثر اعتقال سيدة بمدينة تطوان ظهرت في مقطع فيديو في وضعية حميمية مع شخص آخر داخل فضاء خاص. وفيما يشكل نشر الفيديو من دون موافقة السيدة اعتداء عليها على أساس قانون محاربة العنف ضد النساء، فإن المحكمة انتهت إلى إدانتها بالإخلال بالآداب العامة فضلا عن إدانتها بممارسة الجنس خارج الرابط الزوجي، على أساس الفصل 490 من القانون الجنائي والتي يؤمل من إصلاح هذا القانون إلغاؤها.

ملخص القضية

تعود فصول القضية[1] الى بداية العام الجاري حينما توصلت شرطة تطوان –شمال المغرب-بمعلومات مفادها وجود شريط فيديو “إباحي” يتم تداوله على نطاق واسع عبر تطبيق “واتساب”، تظهر فيه فتاة تمارس الجنس مع شخص لا تظهر ملامح وجهه.

ومن خلال التحريات التي قامت بها شرطة المدينة، تم التوصل لهوية الفتاة، وتم إيقافها.

وبعد الاستماع إليها في محضر قانوني من طرف الشرطة القضائية، اعترفت الفتاة بأنها هي نفسها المعنية بالشريط “الإباحي”. وقد فوجئت بنشره دون علمها ولا موافقتها، وأنها كانت على علاقة جنسية مع صديق لها وهو مهاجر بالديار الهولندية، وقد قام هذ الأخير بتصوير الشريط دون موافقتها حينما كانا في وضعية حميمية، وحينما اكتشفت الأمر طلبت منه مسح التسجيل من ذاكرة هاتفه النقال، ووعدها بذلك.

وأضافت الفتاة أنه “على إثر تداول شريط الفيديو على نطاق واسع، تواصلت مع صديقها المقيم خارج المغرب واستفسر منه عن سبب إقدامه على نشر الفيديو، لكونه الوحيد الذي يتوفر عليه”، وأنها أصبحت “غير قادرة على مغادرة المنزل”، بسبب المضايقات التي تتعرض لها، هي وأسرتها، وقد أجابها صديقها بأنه يجهل الطريقة التي تم بها تسريب الفيديو، وحاول تهدئتها من خلال رسائله عبر تطبيق الواتساب.

بناء على هذه المعطيات انتقلت الشرطة إلى البناية التي تمّ فيها تصوير الفيديو، وتأكدت من أنها في ملكية شخص يتواجد بالخارج بالديار الهولندية، وفق ما جاء في تصريحات الفتاة، وقررت النيابة العامة متابعتها في حالة اعتقال وإحالتها للمحكمة، من أجل جنح الفساد[2]، والإخلال العلني بالحياء[3] .

مرافعات المحاكمة

أثناء المحاكمة، استمعت الهيئة للمتهمة عبر تقنية الاتصال عن بعد، بسبب الطوارئ الصحية، وأكدت خلال تصريحاتها “العفوية” بأنها ضحية لتسريب فيديو يظهرها في وضعية حميمية داخل فضاء خاص التقط لها دون موافقتها، وأفادت أن الواقعة تعود إلى سنوات خلت، وأنها نسيت أمر الفيديو الذي التقطه لها صديقها، قبل سنوات، وكانت تعتقد أنه قد قام بحذفه، إلا أن تفاجأت بتسريبه عبر الهواتف المحمولة، مؤكدة أنها تضررت نفسيا واجتماعيا، وكل ما ترغب فيه هو تربية أبنائها.

وأثار دفاع المتهمة انعدام العناصر التكوينية لجنحة الإخلال العلني بالحياء، طالما أن شريط الفيديو صور داخل فضاء خاص دون موافقة المتهمة، التي أكدت بطواعية كونها طلبت من شريكها حذفه من ذاكرة هاتفه. وأشار الدفاع إلى أن الشخص الذي نشر الفيديو استغل المتهمة وحقق من ورائها أرباحا طائلة، كما نازع دفاع المتهمة في قرار الاعتقال الذي يأتي على خلاف ما دأبت عليه النيابات العمومية بمحاكم المغرب في إحالة المتهمين في قضايا الفساد على المحاكم في حالة سراح، نظرا للتساهل الاجتماعي مع العلاقات الرضائية خارج اطار مؤسسة الزواج، ملتمسا براءة المتهمة من جنحة الاخلال العلني بالحياء لانعدام عنصر العمد وانتفاء القصد الجنائي، وتمتيعها بظروف التخفيف فيما يتعلق بجنحة الفساد.

ورافعت النيابة العامة التي أوضحت أن المتهمة اعترفت بشكل تلقائي أمام الشرطة بالمنسوب اليها، وأنه نظرا لظروفها الاجتماعية المتمثلة في كونها أم لطفلين، فانها تلتمس تخفيض العقوبة.

موقف المحكمة

أدانت المحكمة المتهمة من أجل جنحتي “الفساد” و”الاخلال العلني بالحياء”، وقررت تمتيعها بظروف التخفيف ومعاقبتها بشهر حبسا نافذا.

وفي حيثيات الحكم، اعتبرت المحكمة أن قيام المتهمة ب”فعل جنسي” وهي على علم تام بأن ذلك المشهد كان محل توثيق بالصور من طرف خليلها، يعتبر ارتكابا منها للركن المادي في جريمة الاخلال العلني بالحياء، والمتمثل في الفعل الصادر عنها، والذي من شأنه أن يخدش الحياء العام أو يثير الغريزة، كما يعتبر ركنا معنويا في الجريمة ما دامت أنها كانت لها النية الاجرامية في ارتكاب الفعل بمحض ارادتها.

وأضافت المحكمة أن “إقدام المتهمة على ممارسة الجنس ولو داخل مكان مغلق، وعلمها بإمكانية نشر وتداول ذلك المشهد عبر مواقع التواصل الاجتماعي يجعل الركن الأهم في الجريمة والذي هو العلنية قائما في حقها، ما دام أنها كانت تعلم بأنه من السهل أن تطلع إليه أنظار العموم، طالما أنها طلبت من المعني بالأمر حذف ذلك المشهد من ذاكرة هاتفه النقال، حتى لا تتم مشاهدته من طرف الغير”.

تعليق على الحكم “هناء” ضحية تشهير وليست مذنبة

خلفت قضية “تطوان” جدلا واسعا داخل المجتمع المدني بالمغرب أحيا من جديد النقاش حول مآل مشروع تعديل القانوني الجنائي الذي ما يزال عالقا أمام البرلمان.

و قال عبد الله عيد نزار، عضو منتدى الحداثة والديمقراطية، إن واقعة “سيدة تطوان”، من الناحية القانونية، “لا تتعلق بعلاقة جنسية خارج إطار الزواج، بقدر ما تتعلق بقضية نشر صور لشخص في فضاء خاص بدون موافقته”، وهو الفعل الذي يجرمه قانون محاربة العنف ضد النساء، معتبرا أن المتهمة “هي في الأصل ضحية وليست مذنبة”، والمطلوب هو إعمال تدابير الحماية، وليس تحريك آلية الزجر في حقها.

في نفس السياق عبرت فيدرالية رابطة حقوق النساء، عن “غضب” و”استياء” شديدين من سيادة الفكر الذكوري وإعمال منطق الزجر في حق “فتاة تطوان”، عوض إعمال تدابير الحماية، رغم أن الأمر يتعلق بضحية لفعل التشهير. وأكدت الجمعية أنه “كان حريا بالسلطات المكلفة بإنفاذ القانون أن تعمل على ملاحقة من قام بتسجيل الفيديو وتسريبه لابتزاز الضحية والإساءة لها”.

وعبرت جمعية بيت الحكمة عن تضامنها اللامشروط مع “فتاة تطوان” معتبرة أنها هي الضحية، لتعرضها لاقتحام حياتها الخاصة، وأنها أصبحت اليوم “ضحية حكم قضائي وحكم اجتماعي، إضافة لتلقيها العقاب بدل الفاعل الحقيقي”، مسجّلة أسفها للضرر النفسي والاجتماعي اللاحق بها وبأفراد أسرتها وطفليها”، معتبرة ما قضت به المحكمة رغم تمتيعها بظروف التخفيف، هو حكم “لا يتماشى مع المكتسبات الدستورية”.

اعتصام رقمي وحملة لرفع التجريم عن الحريات الفردية

بتاريخ 03/02/2020 غادرت فتاة تطوان السجن بعدما أنهت تنفيذ العقوبة المحكوم بها، وخلال نفس اليوم دعت حركة “خارجة على القانون” إلى المشاركة في اعتصام رقمي تحت شعار هاشتاك #STOP490 .

وتهدف الخطوة إلى دعم هناء في “إستئنافها للحكم الابتدائي حتى إسقاط إدانتها بموجب الفصل 490 الذي يعاقب العلاقات الجنسية بين النساء والرجال خارج روابط الزواج.

ودعت الحركة النساء، والرجال، والمشاهير، والمؤثرين إلى نشر “الهاشتاغ” المذكور على خلفية حمراء؛ وذلك من أجل “المطالبة بالإلغاء الصريح، والنهائي للفصل 490 من القانون الجنائي، ومن أجل وضع حد للتمييز الجنسي الممنهج داخل المؤسسات العمومية، وللعقلية الذكورية المعششة في بلادنا”.

ولفتت كريمة ندير، رئيسة الحركة، إلى أن “الحركة قررت الوقوف بجانب فتاة تطوان، التي تعيش وضعا نفسيا متدهورا، بسبب التشهير وإدانتها من طرف المجتمع والقانون، حتى لا تعتقد أنها لوحدها”.

 

مواضيع ذات صلة:

حملة “خارجة عن القانون” في المغرب: أو حملة ضد باطنية القانون في مجال الحريات الفردية
السجن لهاجر الريسوني بتهمة الإجهاض: جدل الحريات الفردية وأسئلة حول قانونية الخبرة الطبية

عودة نقاش الحريات الفردية في المغرب بعد تسريب صور لوزير إسلامي: فضيحة أم دليل على تغير الذهنية داخل حزب العدالة والتنمية؟

تصريح لوزير العدل حول العلاقات الجنسية تثير الجدل من جديد بالمغرب

مدونون بالمغرب يطلقون حملة: “القانون الجنائي لن يمر”
الحريات الفردية في سنة 2018 هل بدأ الحوار الجدّي حول حقوق الفرد وحرياته؟

أي مقترح لـ”مجلة” الحقوق والحريات الفردية في تونس؟
صدور مؤلف عن الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية: المناشير السالبة للحريات : “قانون” خفي يحكم دولة القانون
صدور مؤلّف “المحقّرون في القانون التونسي” عن الجمعية التونسية للدفاع عن الحريات الفردية
الحريات الفردية ومتطلبات الأمن العام
هل الجنوب أمام موجة تضييق على الحريّات الفردية: اعتداء على شبّان وشابات في نزهة

 

  1. – حكم المحكمة الابتدائية بتطوان عدد 61، في الملف التلبسي عدد 34/2105/2021، صادر بتاريخ 14/01/2021، غير منشور .
  2. – ينص الفصل 490 من القانون الجنائي، على أنه: كل علاقة جنسية بين رجل وامرأة لا تربط بينهما علاقة الزوجية تكون جريمة الفساد ويعاقب عليها بالحبس من شهر واحد إلى سنة.
  3. – ينص الفصل 483 من القانون الجنائي، على أنه: “من ارتكب إخلالا علنيا بالحياء، وذلك بالعرى المتعمد أو بالبذاءة في الإشارات أو الأفعال، يعاقب بالحبس من شهر واحد إلى سنتين وبغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم.

    ويعتبر الإخلال علنيا متى كان الفعل الذي كونه قد ارتكب بمحضر شخص أو أكثر شاهدوا ذلك عفوا أو بمحضر قاصر دون الثامنة عشرة من عمره، أو في مكان قد تتطلع إليه أنظار العموم.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، الحق في الخصوصية ، المغرب ، جندر ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، قرارات قضائية ، محاكم جزائية ، محاكمة عادلة ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *