صرخة في مراكز الإيواء والدولة تخذل الجنوبيين على درب نزوحهم


2023-12-18    |   

صرخة في مراكز الإيواء والدولة تخذل الجنوبيين على درب نزوحهم
آلية تابعة لبلدية الشهابية تتزود بالفرش المخصصة للنازحين من مستودعات وحدة إدارة الكوارث في صور

دخل التصعيد العسكري على جبهة الجنوب يومه الـ 72، ليترافق مع موجة نزوح أبعدت عشرات آلاف الجنوبيين عن منازلهم وأراضيهم وأرزاقهم وأعمالهم ومدارسهم. “تاه” بعضهم، كما يسمي الجنوبيون النزوح، إلى شقق يملكونها أو استأجروها في مناطق ما زالت مصنّفة آمنة، فيما فتح أقارب وأصدقاء بيوتهم لآخرين.

ومنذ بداية العدوان، تسجّل 36703 جنوبيّين كنازحين هم  20 ألف لدى غرفة كوارث اتحاد بلديّات صور، و16703 لدى نظيرتها في محافظة النبطية، فيما قلّة (لا يتعدون ألف نازح) سكنوا في مراكز إيواء. حيث انتقل 800 نازح إلى 5 مدارس تحوّل جزء منها إلى مراكز إيواء في مدينة صور، و143 فردًا لجأوا إلى سبعة مراكز إيواء في حاصبيا وكوكبا ومرج الزهور في محافظة النبطية.

ويشمل رقم 36703 جزءًا من الأعداد الحقيقية للنازحين وليس كلهم، خصوصًا أنّ الأرقام تنحصر بمن اختاروا التوجّه إلى غرف إدارة الكوارث في صور والنبطية، سواء بشكل مباشر أو عبر البلديات، بسبب حاجتهم إلى المساعدات. والأخيرة (أي المساعدات) لا تشمل النازحين في هذه الأقضية ممّن لم يسجّلوا في الغرف المعنية، كما لا تشمل النازحين الذين اختاروا التوجّه إلى محافظات وأقضية أخرى، لاسيما في الضاحية الجنوبية وبيروت وجبل لبنان وشماله، حيث لا إحصاءات رسمية ولا مبادرات حكومية تجاههم.

وبذلك يضعنا تقدير عدد سكان القرى في المناطق التي غادرها أهلها، أمام 50 إلى 70 ألف نازح جنوبي، بحسب مصادر اتحاد البلديات في صور. وإذا ما أضيفت إلى هؤلاء أعداد الأسر التي كانت تسكن بالأصل بين قراها وبين بيروت وضاحيتها الجنوبية، وتلك التي تسكن بين الاغتراب والجنوب، واختارت اليوم مغادرة الجنوب بسبب الأحداث، فإنّ الأعداد ستكون أكبر بكل تأكيد.

وفي صور كما في النبطية، تتولّى غرفتا الكوارث التسجيل وتنظيم الإيواء والمساعدات بقدر المتوفر. وتصاعدت هذه الأرقام تدريجيًا منذ 8 تشرين الأوّل، تاريخ الطلقة الأولى في العدوان الحالي، حيث أدى توسّع نطاق الغارات الإسرائيلية المركّزة إلى أكثر من 6 كيلومترات داخل العمق الجنوبي، إلى وضع عشرات القرى ضمن دائرة الخطر، وبالتالي دائرة انطلاق النزوح. وأبعد هذه القرى ياطر وكفرا وزبقين، التي لم تكن على خريطة الاستهداف قبلًا.

وقد طال النزوح، ومنذ الأسبوع الأوّل (كما أشرنا في تحقيق سابق عن هذا الموضوع) بشكل كبير قرى الحدود مباشرة، من الناقورة إلى عيتا الشعب فعيترون ثم صعودًا نحو كفركلا وكفرشوبا وشبعا في أقصى الشرق، (قرى الخط الأول)، وما لبث معظم أهالي قرى الخط الثاني، الخلفية، من حامول وطير حرفا في القطاع الغربي إلى كونين وشقرا في الأوسط، ووصولًا إلى الهبارية شرقا، أن غادروا منازلهم أيضًا. وشمل النزوح الكثيف كذلك الكثير من قرى الخط الثالث على حافة المنطقة التي كانت مصنفة آمنة نوعًا ما، لاسيما بعد الهدنة، مع اشتداد وتيرة القصف وحجم الدمار الذي بات يشمل قلب القرى.

والجنوبيون بأغلبيّتهم إذ هجّرتهم النيران الإسرائيلية التي تستهدفهم من دون تمييز، تركتهم مؤسّسات دولتهم رسميًا لمصيرهم برغم خطة الاستجابة للعدوان الإسرائيلي التي طنطن فيها المسؤولون كلّ من وزارته أو خلال زياراته الميدانية إلى المناطق الآمنة في الجنوب. تُرك النازحون سواء في مراكز الإيواء أو في بيوت استأجروها، ليس فقط من دون أثاث بل أيضًا، من دون أي دعم لشراء الوقود للتدفئة أو على الأقلّ سجادة تردّ تدنّي الحرارة في هذه الأيام.  وتُركوا من دون تغطية صحية لتبيع النساء مصاغها إذا ألم عارض صحي بأحد أفراد الأسرة، فيما ينتظر من لا مصاغ عنده المحسنين، أو يبقى على أبواب المستشفيات من دون علاج وحتى أدوية. وتُركوا لـ”خير” المنظمات الدولية أو المحلية، أو بانتظار متبرّعين. كما تُرك الرضّع ينتظرون الحليب الذي إن أتى بالقطارة فهو لا يناسب الجميع، وطبعًا لا يكفي. وتُرك التلامذة من أبنائهم من دون تعليم منتظم حيث اكتفت وزارة التربية بالسماح لهم بالالتحاق بمدارس مناطق النزوح من دون تأمين مقوّمات هذا الالتحاق لمن خرجوا من دون حتى ألبستهم الشتوية التي بقيت في قراهم. وتُرك الآباء والأمهات، يصمدون، ولكن بماذا؟ وقد تعطّلت أعمالهم ووقعت كرومهم في الأسر، وتحت القصف والفسفور، وتلفت مواسمهم.

أسر خارج مراكز الإيواء: المدّخرات على آخرها

على أريكة طرّزت غطاءها الأبيض بنفسها، تجلس الحاجة فاطمة كوراني: “شو بدّي إحكي؟” تقول مبتسمة، لتتابع: “نزحنا من ياطر من شهر ونصف، أنا بدي إرجع بس الحج أبو حسين بخاف عليي”. تلمع عيناها عند ذكر الحاج (زوجها) لتوضح: “قَلي مش مسامحة تطلعي، إذا صرلك شي أنا مين بدير باله عليي وعلى مين بدي دير بالي؟” لتستدرك: “صرلنا 47 سنة مزوّجين. عُمر..”. تحاول الحاجة الستينية إعطاءنا لمحة عن أهمية بقائها إلى جانب زوجها، وسبب اختيارها اللحاق به، لو بعيدًا عن قريتها، تقول: “أفهش (لا يستطيع) من دوني، أنا بلبسه وبعطّره وبغذيه”. تضع الحاجة أم حسين بكلماتها قصة حبها مع زوجها، كسبب للنزوح، إضافة إلى الخوف من الهجمات الإسرائيلية التي تطال المدنيين: “بكذب عليك إذا بقلك ما فزعتش (لم أخف)”، مستذكرة ليلة 7 تشرين الثاني، حيث شهدت ياطر أوائل الغارات التي استهدفت بيوتها المدنية: “قلبي كل الليل يدق”.

ونزحت الحاجة فاطمة إلى منزل يملكه ابنها في صور، وقد ضربت الحرب ميزانيتها، فزاد مصروفها الشهري 3 أضعاف على ما تقدّر، وحُرمت في المقابل من المداخيل التي كانت تدرّها عليها أرضها فتؤمن معيشتها منها. ومع توقف المدخول، يستنزف النزوح “تحويشة العمر”، وكلّ ما كانت جمعته من الزراعة على مدى سنوات لكن “المهم ما نحتاج حدا”. توضح الحاجة الستينية: “بالضيعة، مناكل من أرضنا، ومن مونتنا، هون كلّه بدنا نشتريه”. فهي لم تتمكّن من قطف معظم زيتونها بسبب تهديد الطائرات الحربية الإسرائيلية للكروم: “كل اللي قدرنا نقطفه عملّي 3 تنكات زيت بس، الحمدلله.. ومعظم الكروم ما استرجيناش نوجّه صوبها”. وتقول أم حسين إنّها تخجل من ذكر خسائرها المادية أمام ثقل الخسائر البشرية التي قضت بنيران العدوان: “كلّه مش محرز قدّام الشباب والصبايا اللي عم يستشهدوا بعمر الورد”.

الحاجة فاطمة كوراني في منزل نزوحها في صور

يوم الثلاثاء الماضي، ألمّ عارض صحّي بأبي حسين، ومع غياب أي رعاية صحّية للنازحين، رغم الظروف الاستثنائية التي يمرون بها، كان على الحاجة فاطمة دفع 900 دولار للمستشفى لتطبيب زوجها “غلّة موسم الزيتون كلّها وفوقهم حبّة مسك من اللي مصمّدتهم”. تقول إنها حاولت التواصل مع جهات مختلفة لتخفيف فاتورة المستشفى لأنها “مش منطقية” لكن لم يتجاوب معها أحد. وتؤكد الحاجة: “نحن ما سجّلنا للمساعدات وما بعمرنا أخدنا إعاشة، منخلّيها للّي بحاجتها أكثر.. وهالحرب لا نحن توجّهنا لعند حدا ولا حدا توجّه صوبنا”.

تقدّم شهادة الحاجة فاطمة كوراني صورة عن أحوال النازحين الجنوبيين الذين لا تشملهم الإحصاءات ولا المساعدات، فيبقون غائبين عن عين الرصد، يتدبّرون أمورهم بما تيسّر لهم. أسر أخرى، دفعتها الحاجة إلى المساعدات، رغم شحّها وقلتها، إلى التسجيل، ومنهم رانيا التي التقيناها في منزل نزوحها في عين بعال: “حصلنا على أدوية تنظيف وبطانيات اشتدّت الحاجة إليها مع البرد، خصوصًا أننا تركنا بطّانياتنا الثقيلة ورءانا في بليدا، ولم نتوقع أن يستمر نزوحنا إلى كانون الأول”. ومؤخرًا، وصلت أسرة رانيا المؤلفة من 5 أفراد كرتونة إعاشة يتيمة فيها أرز وعدس وجبنة وبعض المعلبات، تقول رانيا إنّ الأسرة رحّبت بها: “لأن بحصة بتسند خابية”. كانت رانيا تعمل بالزراعة فيما يعمل زوجها الطبيب في عيادة له في عيتا الشعب، وقد توقفت مداخيلهما مع العدوان، وشارفت الأموال القليلة التي خرجوا بها من قريتهم على النفاد: “مستأجرين هون بـ 250 دولار، ومش أكيدين نفوت شهر جديد، لأنّ اللي معنا ما بكفينا”، تسكت رانيا ثوان وكأنّها تبحث عن جواب سريع للسؤال عن خطط الأسرة إذا ما طال العدوان، ثمّ تردّ “أو نستدين أو نعود رغم الخطر”.

ولم توزّع غرف الإغاثة مساعدات خارج مراكز اللجوء سوى في الأسبوع الأخير من الشهر الماضي، شملت ما يُقدّر بأكثر من نصف المسجّلين، وكانت عبارة عن حصص تموينيّة موّلها مجلس الجنوب. وقد ساهمت (الإعانة) في دفع البعض إلى التسجيل بعد أن كانوا غير آبهين بهذا الإجراء بسبب شحّ التقديمات.

وإلى جانب هذه الإغاثة الغذائية المقدّرة قيمة الحصة منها بـ 45 دولارًا، يستمر تقديم فرش وبطانيات وأدوات تنظيف، لمرة واحدة، للأسر النازحة المسجّلة خارج مراكز الإيواء، وهي عملية تتولّاها البلديات في صور والنبطية، بعد التثبت من هوية النازحين. وكان هؤلاء يحصلون على فرشة وبطانية واحدة لكل شخصين، لكن توافر المزيد من الفرش والبطانيات لدى الغرفة في صور مكّنها من مطابقة عدد الفرش والبطانيات مع عدد الأفراد مؤخرًا، وهو ما تعمل عليه غرفة الكوارث في النبطية حاليًا.

ولكن ماذا تفعل الفرشات والبطانيات أمام برد كانون، فأسرة نسرين وعلي وطفلهما ذو الشهرين، التي نزحت بداية هذا الشهر من طيرحرفا إلى بيت غير مفروش فتحه لها أصدقاء مغتربون في النبطية، لا تدفّئها 5 فرشات وبطانيات قُدمت لهم. وهذا ما دفع الأسرة إلى شراء المزيد من البطانيات لوضعها مقام السجاد على الأرض. رغم هذا، يقسو البرد على الزوجين ورضيعهما، وتتخوّف نسرين من موسم الأعياد وبرده، إلّا أنّها لا تجرؤ على التوجّه إلى قريتها لأخذ ما تركته من ثياب سميكة وبطانيات وسجاد، ومدفئة ظلّت في طيرحرفا بعيدة عنهم، بُعد الدفء عن أجسادهم. ونسرين وعلي هما من بين 400 أسرة تفترش البلاط في بيوت غير مفروشة في النبطية. تقول نسرين إنّها حضّرت بعض الحطب لإشعاله إذا ما اشتد الصقيع، ولكنّ الكمية قليلة ما يضطرّها إلى الاقتصاد كثيرًا بها طالما أنّ البرد لا يزال محمولًا.

تزويد الخزانات بالمياه في مهنية صور

مراكز الإيواء في مؤسسات رسمية لكن الدولة غائبة

أما في مراكز الإيواء، فتتدهور الظروف، وتشتد وطأة برد كانون على النازحين، ورغم تولّي غرف الكوارث مهام تأمين حاجات النازحين فيها، إلّا أنّ طول مدة النزوح، وظروف السكن في المدارس غير المجهّزة، جنبًا إلى جنب مع غياب الدولة والاحتكام إلى تقديمات المنظمات غير الحكومية، يجعل الأحوال صعبة.

والنازحون إلى المراكز هم قلّة رفضوا إعفاء الدولة من مسؤولياتها، فتوجهوا إلى مراكزها، وفوّضوها أمرهم، فوكّلت بدورها المنظمات غير الحكومية من محلية ودولية بهم. ويشكو بلال قشمر، من وحدة إدارة الكوارث في صور، الحال: “كل ما يصلنا هو بدعم مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية”، ويقول قشمر “لم نر شيئًا يذكر من الحكومة ومؤسساتها، فيما جال النواب والوزراء على المراكز مرات ومرات للصورة”. واقع تؤكده محافظة النبطية هويدا الترك: “تغيب وزارة الشؤون الاجتماعية وحتى الهيئة العليا للإغاثة، التي يفترض أن تحضر في ظروف الحرب والكوارث بالذات، حيث لم تحوّل لها ميزانية، وما أعطي إلى مجلس الجنوب ضئيل ومتواضع قياسًا بالحاجات، تُرجم بحصص غذائية وُزعت مؤخرًا”. “في المقابل لا تتعامل المنظمات غير الحكومية التي تدعم بتوجيه من مكتب الأمم المتحدة، المحلي منها والدولي، مع أنّنا في حالة حرب، فبقيت على ميزانيّاتها السنوية ما ينعكس على مستوى الخدمات التي تقدمها”، تضيف الترك.

في محافظة النبطية، يقول عبد الهادي، النازح من الخيام إلى كوكبا غير البعيدة، حيث فتح نادي البلدة أبوابه كمركز إيواء مؤقت، إنّ ما يعزي قلبه هو قُربه من قريته، إلّا أنّ النيران الإسرائيلية حرمته منها “فنحن هنا لا نملك شيئًا ودارنا وعزّنا على بعد كيلومترات قليلة”. وتلخّص أم هادي موسى، النازحة من البستان إلى مهنيّة صور الرسمية الواقع هنا بجملة واحدة: “نحن أغنياء بضيعنا، فقراء إذا ما تهجّرنا، ثروتنا مواسمنا ومواشينا اللي تركناها وراءنا”.

صرخة النازحين تعلو هنا

إلى ثانوية حسن فران المختلطة الثانية في صور، نزحت إيناس طحينة مع زوجها وأولادها الثلاثة (4 سنوات وسنتين و9 أشهر) في الأسبوع الأول من العدوان، لتسكن في صف مدرسي، أثاثه كراسي حديدية و4 فرشات وبطانيات، وبعض الحقائب التي وضبتها على عجل حينما غادرت عيتا الشعب في 13 تشرين الأول. “ليس لدينا ما يكفي من ثياب شتوية، وبدون سجاد أو وسائل تدفئة، تحوّلت هذه الغرف إلى ما يشبه الثلاجات”. تؤكّد إيناس أنّها لا تسمح بوصول البرد إلى أجساد أولادها الطرية: “بلبّسهم كذا غيار أمّنتهم من هون ومن هون”، وفي حديث إيناس غضب نابع من أمومتها: ” أولادي تعبوا، معوّدين بالبيت على الدفا والهفهفة (النظافة) وكلّ وسائل الراحة”. تحكي إيناس عن الأثر البالغ للظروف الجديدة على أولادها ونظام حياتهم: “كانوا يناموا الساعة 9 هون مش عم يناموا.. عم يفيقوا كذا مرة بالليل”، وبفعل ظروف النزوح، تقول إنّه بدأت تظهر على الأطفال الثلاثة عوارض صحيّة كالسعال والحساسية، متخوّفة من أثر الاكتظاظ وتناقل الجراثيم على صحّتهم: “الحمدلله أمّنت لهم أدوية، بس مش منيح يضلّ الولد ياخذ دوا التهابات على فترة طويلة”.

وتشكو إيناس من جودة الطعام المقدّم والذي لا تتقبّله معدة أطفالها، فتلجأ إلى المعلّبات وبعض الأغذية سريعة التحضير التي تشتريها على نفقتها. شكوى تكرّرت خلال جولاتنا الميدانية على مراكز الإيواء. ويتم تأمين الطعام في هذه المراكز من قبل منظمات غير حكومية تقدّمها إلى غرفة الكوارث، وهي عبارة عن 3 وجبات يوميًا. نسأل مصطفى السيد، نازح آخر يقيم في مهنية صور الرسمية، عن الطعام، فيقول إن وجبة الترويقة عادة ما تكون جيدة، إلّا أنّ وجبتي الغداء والعشاء “تصلنا بايتة، والمجدرة تصل قاسية كالحجارة مثلًا”، ليخلص إلى أنّه لو يُقدّم المال للنازحين لكان أفضل من إنفاق الأموال على وجبات تتدنى جودتها، ويجد النازحون أنفسهم غير قادرين على أكلها”. هذا عدا عن أنّه لا يتمّ الالتفات إلى أعمار المستفيدين من الطعام، ولا إلى حاجاتهم الغذائية، وما قد يأكله الشاب أو الصبية، وما لا يأكله الطفل أو العجوز. وهو وضع قد يحتمل ليوم أو يومين، لكن بعد شهرين، تصبح الصرخة عالية.

بدورها ترفض صباح، النازحة في مهنية صور، التأقلم مع وضع النزوح والعوز: “كنت أخبز بعيتا، أنا المعيلة بالبيت وكافية حالي وأولادي وأحفادي، اليوم لا أملك في جيبي شيئًا، وقد مللت تشابه الأيام وحالة القحط.. وأشتاق لعيتا”. وتردّد صباح، مع من التقيناهم، أنّ “الحياة مش بس أكل وشرب”، وهم إذ يؤكّدون أنّ متطوّعي غرفة الكوارث يقدمون لهم كلّ ما يتوفّر من دعم ومساعدات، يسألون “وين الدولة؟” ويشدّدون على أنّ “النازحين لهم حقوق، نحن نطالب باحترامنا وحفظ كرامتنا” كما تقول أم علي داغر في المهنية نفسها.وفي مقدمة هذه الحقوق، الصحة والتعليم، إلى جانب الغذاء.

يروي مصطفى السيّد تجربته مع مسشتفى في صور، حيث نقل والدته قبل أيام بسبب عارض ألم بها، لتطلب منه المستشفى 450 دولارًا بدل تطبيبها لليلة واحدة: “طلعناها بالقوّة، كي لا تتراكم الفاتورة إذا ما ظلّت ليال إضافية ودبرنا المبلغ بالتدبير.. رفضوا إخراجها بداية فقلت لهم أنا نازح وعملي معطّل من شهرين، من أين أدفع؟” ولم تستجب وزارة الصحة لمطالبات عدة، سمعها الوزير لدى زيارته مراكز صور، وسمعها أيضًا من محافظة النبطية، لتأمين حد أدنى من التغطية الصحية للنازحين الذين تعطّلت أعمالهم. وبحسب روايات النازحين، فإنّ تدبير الأمور يكون من خيّرين في كلّ مرة يمرض فيها نازح ويحتاج الدخول إلى مستشفى، وهو ما تؤكده محافِظة النبطية التي تصف الجهود هنا بالفردية: “نحاول تأمين المبالغ للمستشفيات من الأفراد أو الجمعيات والمنظمات، جهود تطوّعية وفردية”.

وأم علي داغر يشغل بالها تعليم الأطفال: “شهران بلا مدارس”. وهذا هاجس سمعناه في مراكز صور والنبطية للإيواء، حيث فشلت كل الخطط الموضوعة، سواء للتعليم عن بعد، في غياب الإنترنت، أو لدمج الأطفال في مدارس بمناطق النزوح، بسبب عدم امتلاك هؤلاء الأطفال قرطاسية أو مريول أو حتى ملابس لائقة ليذهبوا بها إلى المدارس، على ما يشرح مصطفى السيّد الذي تولّى مهمة التوصيل من مراكز الإيواء في صور إلى مدارس المنطقة في حافلته الصغيرة (فان)، قبل أن تتضاءل أعداد الأطفال من جهة، وتستنزف قدرته على تأمين الوقود من جهة أخرى.

توافق أم علي على كلّ هذه الأسباب، لتضيف سببًا آخر كانت قد تجاهلته الخطط على ما تقول: “أحفادي بعضهم يحمل الهوية اللبنانية، وبعضهم المصرية (من أب مصري) فكيف نرسلهم إلى دوامين مختلفين، صباحي للبنانيين وبعد الظهر للأجانب، ونحن نكافح لتأمين القدرة على إيصالهم إلى دوام واحد، مع نفاذ أموالنا وغلاء الوقود”. ترى أم علي أنّ من يضع الخطط يجب أن يضعها على أساس حاجات النازحين “لا ما يراه هو من مكتبه”.

وكما الهوّة بين الخطط والواقع، يبرز خلل بين الحاجات والتقديمات، يمكن تلمّسه فور الدخول إلى مستودعات غرفة الكوارث. فمثلًا تتكدّس حفاضات البالغين (أو حفاضات كبار السن) في صور، فيما تُقنّن حفاضات الأطفال، وفق نازحين. كذلك تنهمر الوجبات الجاهزة التي لا يهضمها الأطفال، وليست مخصّصة للرضّع بطبيعة الحال، فيما يُقنّن حليب الأطفال، ويتم تغييره باستمرار باختلاف الأنواع التي تختارها المنظمات المختلفة. يقول مصطفى، في مهنيّة صور، إنّ “الحليب والحفاظات المقدمة لنا تنفذ خلال 4 أيام، وهي توزّع علينا كل 10 أيام، فور وصولها إلى المخازن”، فيما تقول نازحة من ثانوية حسن فران: “لم يصلنا حفاضات وحليب أطفال منذ شهر ونصف”. وتروي سيدة ثالثة أنّ اضطرابات هضمية تصيب أطفالها في كل مرة يتغيّر نوع الحليب، وقبل أن يعتادوا عليه، يتغيّر مرة أخرى.

خلال جولتنا الميدانية، شهدت المراكز انقطاعًا طويلًا للكهرباء، كان قد بدأ قبل ليلة، بسبب تأخّر مجلس الجنوب عن تسليم حصة وقود كان قد تعهّد بتقديمها، بحسب المسؤولين. وخلال الفترة الماضية، حصلت غرفة الكوارث على وقود لتشغيل المولّدات قدّمها الصليب الأحمر اللبناني ومنظمات غير حكومية وبلدية صور وجهاد البناء. ورغم أنّ هذا الانقطاع حصل للمرة الأولى، إلّا أنّه يكشف هشاشة الوضع في ظل عدم إتاحة موارد إضافية يمكن تخزينها من قبل الجهات الداعمة. وكان أثره بالغًا، فانقطعت المياه بعد أن فرغت الخزانات، وعانى النازحون في استعمال المراحيض والاستحمام، بحسب ما أجمعت عليه شهاداتهم.

والمدارس بطبيعتها غير مجهّزة لإيواء عشرات الأسر لفترات طويلة، فلا مطابخ، ولا غسالات، ولا أماكن لنشر الغسيل، ونرى حمّامين مخصّصين لـ 180 شخص مثلًا. “مراكز الإيواء يجب أن تحفظ الكرامة الإنسانية”، يقول نازح، ليضيف “هيدي المراكز لا تزال تحتاج الكثير”. غياب الدولة هنا لا تعوّضه المنظمات، فلا يعتبر تسليم مفوضية شؤون اللاجئين مراكز الإيواء شوادر معدّة لإقامة خيام “تجهيزًا لمراكز الإيواء”، ولا يقبل الأهالي أن يعيشوا في خيم حيث أعدادهم قليلة أصلًا، فيما معظم الأراضي اللبنانية خارج الجنوب خارج العدوان ويفترض بدولتهم أن تؤمّن حاجاتهم. هذه الشوادر تمّت الاستفادة منها مؤخرًا بتقسيم الغرف إلى قسمين لإيواء المزيد من العائلات. فأصبحت الأسر تتشارك صفًا دراسيًا لا يفصل بينها حائط بل مجرّد شادر طُبع عليه شعار أممي.

فرش وبطانيات في مستودع وحدة إدارة الكوارث في صور

غياب الدولة هو سبب مفاقمة مرّ النزوح

صرخة النازحين في المدارس، يؤيّدها بلال قشمر من غرفة الكوارث: “نحن نقوم بكل ما في وسعنا، ولكن ظروف عيش النازحين في المدارس هي حتمًا غير لائقة”، وهي الجملة التي يذكّرنا أنه كان قد بدأ حديثه فيها في زيارة سابقة لنا ضمن العمل على هذا الملف. يؤكد قشمر أنّ سبب هذه الأحوال هو غياب دعم الدولة والمؤسسات الرسمية بشكل شبه كامل “هناك فكرة إنشاء مطابخ ليطهو فيها النازحون طعامهم، ونسعى إلى تأمين التدفئة، وربما الموكيت أو السجاد للوقاية من البرد، ونحاول توفير غسالات”. ويتابع “نحن جاهزون لتيسير كل ما من شأنه تحسين ظروف الإيواء، إذا ما توفّر الدعم والتقديمات، ومن أي جهة كانت، نحن حاضرون”.

من منزل نزوحها في صور، تقول الحاجة فاطمة كوراني: “اشتقت للضيعة، للوساع (سعة البيوت واتساع الأفق في القرى) وللأرضايات (حقولها الزراعية) وللقمة طيبة آكلها (من مزروعاتها البلدية)”، الحاجة التي استشهد ولدها ذو الأعوام السبعة خلال الاحتلال، ولا زالت تحمل آلام إصابتها في كتفها منذ عدوان 1996 (أطلق عليه الإحتلال اسم عناقيد الغضب)، هي ما زالت تروي قصة تدمير بيتها فوق رأسها بغارة إسرائيلية، حينما التجأت إلى ملجأ تحته في الحرب عينها، قبل أن يتم إنقاذها مع عائلتها. تعرف جيدًا هذه السيدة الجنوبية خطر الحرب، فتقول: “الله يزيح هالعدو عنّا حتى عشلي يومين بأمان قبل ما حط راسي وموت”. كلامها يلتقي مع شهادة فاطمة عيسى، النازحة من راميا إلى مهنية صور: “فش أحلى من الضيعة، بس بيتنا ع الحدود مباشرة مع فلسطين وبوجه مواقع الإحتلال، النزوح والحرب هو اللي لازم نتوقعه”. تقول فاطمة: “عندي 8 بيوت براميا وهون أنا نازحة بمدرسة”، وتضحك من سوداوية المفارقة. بدورها أم علي داغر تقول المعنى عينه  في كلماتها: “طول ما إسرائيل حدني (قربنا) عنا نزهة”، والنزهة هنا، هي التسمية اللطيفة التي تطلقها أم علي على جلجلة نزوحها الذي يتكرر مع كل عدوان.

انشر المقال

متوفر من خلال:

تحقيقات ، الحق في الحياة ، لبنان ، مقالات ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، فلسطين



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني