باصات الهبة الفرنسيّة تؤكّد المؤكّد: قطاع النقل ليس أولويّة


2023-02-15    |   

باصات الهبة الفرنسيّة تؤكّد المؤكّد: قطاع النقل ليس أولويّة
مرآب المصلحة المتضرر من تفجير 4 آب

لم يكن خبر توقّف باصات الهبة الفرنسيّة مفاجئا. فهو أتى ليؤكّد المؤكّد بأنّ مصير أيّ مبادرة في قطاع النقل هو الفشل ما دام هذا القطاع يُعاني من عشوائيّة ويفتقر إلى الحد الأدنى المطلوب من التنظيم، وليس مدرجاً كأولويّة على الصعيد الرسمي، ولا توجد إرادة سياسيّة حقيقيّة لإدارته بالشكل المطلوب.

ففي الوقت الذي تتجه فيه عدد من الدول إلى مجانيّة النقل العام المشترك انطلاقا من منطق الربح غير المباشر كونه يحلّ أزمات السير ويساعد في دورة الحياة الاقتصادية وانتظام العمل ويُخفّف الفاتورة الصحية والبيئية، لم تسع الحكومات المتعاقبة في لبنان، أقلّه منذ التسعينيات حتى اليوم، إلى تفعيل مرفق النقل بل على العكس ساهمت من خلال سياساتها بالتأسيس للفوضى الحاصلة وغياب أي دور فعلي للدولة بتنظيم المشغلين، كخطوة أساسية لخلق شبكة متكاملة، ولإيجاد تكامل بين القطاعين العام والخاص.

حتى العام 2020 كان النقل العام المشترك يشكّل 5% من النقل البري ليتراجع إلى 0% بعد تفجير الرابع من آب وتضرّر مبنى مصلحة السكك الحديد والنقل المشترك والحافلات التي تمتلكها المصلحة، وذلك في وقت كانت تداعيات الإنهيار الاقتصادي تزداد على المواطنين وتُعيد الحديث عن أهميّة النقل المشترك إذ تحوّلت كلفة بدل النقل والتي فاقت الراتب في بعض الأحيان، إلى سبب رئيسي لتعطّل مرافق الدولة وعجز المواطنين عن الوصول إلى أعمالهم أو حتى إلى مدارسهم وجامعاتهم.

ولعلّ خير دليل حديث على نظرة الدولة إلى القطاع رغبتها بتحويل القرض المقدّر بـ 295 مليون دولار (المتوقف حاليا) والذي كان وافق عليه البنك الدولي لمصلحة النقل العام في لبنان وأُقرهّ مجلس النواب في العام 2019 لتمويل البطاقة التمويليّة التي لم تبصر النور بعد.

وفي ظلّ هذا الواقع وتغييب قطاع النقل المشترك،  أعلن وزير الأشغال العامة والنقل علي حميه في شهر كانون الثاني 2022 موافقة الحكومة الفرنسية على هبة الباصات ( طلب لبنان 1000 باص وحصل على 50 فقط) التي كانت وزارة النقل سعت إليها، على أن تكون، إضافة إلى 45 باصاً تمتلكها مصلحة النقل المشترك والسكك الحديد والتي أُعيد تأهيلها بهبة أيضا، بمثابة خطوة أولى لتفعيل النقل المشترك. خطوة أبدى لها حميّة حماسة كبيرة متحدّثا عن إعداد إطار قانوني جديد للنقل في لبنان، لتتحوّل بعدها إلى مثل إضافي عن فشل إدارة قطاع النقل في لبنان، وغياب أيّ نيّة جديّة بالبدء بإصلاحه ولو من باب “بحصة تسند خابية”. ولتعيد التأكيد على أنّ عقليّة التعاطي مع هذا القطاع لم تتغيّر حتى في زمن الإنهيار بدءا من المماطلة في تسجيل الباصات، مرورا بحرمان موظفي المصلحة من المساعدات الاجتماعيّة وصولا إلى العجز عن تأمين المازوت الضروري لتسيير الحافلات.  

الباحة الخارجية للمصلحة

الفشل كان حتميا

قبل الحديث عن العقبات التي وُضعت عن قصد أو غير قصد أمام تسيير الباصات الفرنسيّة يذكّر المدير العام لمصلحة سكك الحديد والنقل المشترك زياد نصر بالعشوائية المتحكمة بقطاع النقل العام، تحديدا لجهة المركبات العاملة على الخط من دون ضوابط وخارج أي تنظيم من قبل الدولة ( 6000 لوحة عمومية للباصات الخاصة، وأكثر من 33000 لوحة عمومية للسيارات السياحية، حسب ما صرح حمية مؤخرا، بالإضافة إلى آلاف المركبات غير المرخصة لمزاولة مهنة النقل من فانات وغيرها).

ويشير نصر إلى أنّ الدولة، أو الجهة المسؤولة عن القطاع، لا تعرف عدد المركبات ولا مواقيت عملها، ولا على أي خطوط تعمل ولا مدى التزامها بشروط السلامة العامة، ولا حتى التعرفة التي تفرضها: “لا يوجد دور فعلي للدولة بتنظيم المشغلين بقطاع النقل العام” يقول نصر في حديث مع المفكرة القانونيّة، مضيفا أنّه “من دون تنظيم هذا المرفق تحت مرجعية واحدة هي الدولة، يصعب الوصول إلى هدف أو أي خطة نقل، وهي كما متعارف عليه، تقديم خدمة ثابتة ومستقرة عبر بناء شبكة متكاملة تربط عبر النقل البلدات والمناطق اللبنانية كافة بعضها ببعض. ولا يمكن أيضا العمل على التكامل في النقل المشترك بين العام والخاص.  

ويُشير إلى أنّه إذا ما أرادت المؤسّسة اليوم تشغيل أي باصات من دون أن تكون على دراية بخطوط النقل المشترك الخاص ستصطدم بالمشغِلين ما قد يُسبّب تنافس يصل إلى حد أخذ طابع عنفي وهذا ما حصل فعلا خلال تسيير الباصات الفرنسية، فضلا طبعا عن غياب محطّات الانتظار ما يجعل وجود الراكب هو المحطة ويتسّب بأزمة سير وحوادث وأعطال بالباصات،  وخلل بتشغيل الخدمة وانتظامها. 

وفي حين يعتبر نصر أنّ إصلاح كلّ هذا الخلل مناط بأكثر من جهة وإدارة منها وزارة الداخلية والبلديات   ووزارة الأشغال العامة والنقل ووزارة المالية ليأت من بعدها دور المصلحة الجهة المشغلّة، يُشير إلى أنّ أيّ مبادرة سواء الباصات الفرنسية أو غيرها سيكون مصيرها الفشل طالما قطاع النقل في لبنان غير منظّم.

أمام هذه المعطيات يُطرح السؤال لماذا كانت مبادرة وزارة الأشغال والنقل طالما مصيرها الفشل؟، ليُجيب نصر أنّ وزارة النقل ومصلحة سكك الحديد وُضعت وفي ظلّ الإنهيار الاقتصادي أمام خيارين، إمّا أن تنتظر إقرار التشريعات والركائز التنظيمية للقطاع والتي لم تحصل أيّام العز فكيّف أيّام الإنهيار، أو أن تُبادر وتُخفف الأعباء الكبيرة عن كاهل المواطن اللبناني. فاستحصلت على هبة فرنسيّة كانت عبارة عن 50 باصا ووضعت خطّة لتسييرها تبدأ بـ 10 باصات على عدد محدود من الخطوط آخذة بعين الإعتبار محدوديّة قدرات المؤسّسة سواء من ناحية الجهاز البشري أو مخزون المازوت وقدرة الإدارة لتغطية النفقات التشغيليّة، ولكنّ الأمر باء بالفشل لأنّ مختلف الجهات المسؤولة لا تزال تتعاطى عن قصد أو غير قصد مع بدل النقل على أنّه أمر ثانوي وغير أساسي وهذا كان واضحا من خلال كلّ تفاصيل التعاطي مع الهبة الفرنسيّة.

لعلّ أوّل إشارة سلبيّة مباشرة كانت المماطلة. ففي حين وصلت الحافلات إلى مرفأ بيروت في أيار 2022،  وأعلن وزير الأشغال العامة والنقل علي حمية أن الباصات ستكون في عهدة مصلحة سكك الحديد وسيتمّ تسييرها خلال ثلاثة أسابيع فضلا عن  الـ45 حافلة التي تمتلكها المصلحة والتي تضرّرت من تفجير المرفأ وتمّت صيانتها، لم تدخل الباصات (10 منها فقط) الخدمة حتى شهر كانون الأوّل أي بعد 6 أشهر، انتظرت خلالها المصلحة الانتهاء من إجراءات تسجيل الحافلات في هيئة إدارة السير والمركبات  الذي تعرقل بسبب الإضراب في عدد من الإدارات وسوء التنظيم. وفي هذا الإطار يقول نصر إنّ المصلحة بعد 3 أسابيع من تسجيل الحافلات بدأت بتسيير 10 منها على عدد من الخطوط الكبرى ضمن بيروت الكبرى لتعود وتتوقّف كليا بعد 33 يوما. 

الباحة الخارجية للمصلحة

مؤسّسة هرمة 

تفتقر مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك إلى أدنى المقوّمات التي تحتاجها للقيام بالمهام الموكلة إليها والأمر لا يرتبط بالإنهيار الاقتصادي الذي يعيشه لبنان حاليا بل هو نتيجة نظرة المعنيين إلى النقل الذي لم يكن يوما أولويّة. فمنذ إنشاء هذه المؤسسة العام 1961  أوكل إليها النقل في بيروت وضواحيها وفي العام 1988 أوكل إليها النقل على الأراضي اللبنانية كافة، ولكنّها لم تُعط الإمكانيّات الماديّة ولا البشرية منذ ذلك الوقت، حسب ما يقول نصر، مشيرا إلى أنّه لم يتوفّر لها أسطول الحافلات المطلوب ولا الجهاز البشري الكافي. وفي ظلّ غياب الامكانيّات للمؤسّسة، وبالتالي عجزها عن القيام بدورها، أخذ القطاع الخاص المبادرة عشوائيا، ومن دون أن تكون الدولة هي المرجعية المنظمة له بالشكل المطلوب.

يصف نصر المصلحة بالهرمة فمتوسط أعمار العاملين فيها يتجاوز الستين عاما، وبالتالي يخرجون بوتيرة سريعة إلى التقاعد. حاليا، يبلغ عدد موظفيها 150 موظفا بينهم 28 سائقاً ( 24 منهم قادر على القيادة فقط الأربعة الباقون يقومون بمهام أخرى). ولا يوجد بين الموظفين في المصلحة من هو في الفئة الثانية أو الثالثة، هم موظفون في الفئة الخامسة ما يعني أنّ متوسط مدخولهم الشهري مليونان و 400 ألف في أحسن الأحوال، أمّا الأجراء فراتبهم الشهري لا يتجاوز مليون و450 ألف ليرة.

في ظلّ هذا الواقع البشري وضعت المصلحة خطّة لتسيير الباصات الفرنسيّة وفق إمكانيّاتها، حسب ما يُشير نصر، إلّا  أنّ حرمان موظفي المصلحة حتى من الحوافز التي حصل عليها سائر موظفي الإدارات الرسميّة جعلت الموظفين غير قادرين على الإستمرار في عملهم، فكان هذا الحرمان سببا أساسيا لتوقّف الباصات عن العمل.

ويشير نصر إلى أنّه، وخلال العام الماضي، صدرت العديد من المراسيم التي أعطت حوافز للموظفين في الإدارات الحكوميّة لتأمين الحد الأدنى المطلوب لحضور هؤلاء إلى أعمالهم والقيام بمهامهم، منها المراسيم التي أعطت للعاملين بالقطاع العام ما سُمي بالمساعدات الإجتماعية منذ بداية العام 2022، لافتا إلى أنّه حتى اللحظة لم يستفد موظفو المصلحة والعاملون فيها من هذه التقديمات خلافا للأصول، وعلى الرغم من العديد من المراجعات والكتب التي أرسلتها إدارة المصلحة لتأمين الإعتمادات الكافية لإعطاء موظفيها حقوقهم.

ويُضيف نصر أنّ وزارة الأشغال رفعت كتابا إلى مجلس الوزراء الذي أصدر مرسوما يقضي بنقل اعتماد لتغطية النفقات المرتبطة بحقوق الموظفين في المصلحة إلّا أنّ المرسوم تضمن خطأ مطبعيا أوضحته لاحقا رئاسة الحكومة بقرار وأبلغت وزارة الماليّة التي لم تنفّذ المرسوم واعتبرت أن التصحيح يحتاج إلى مرسوم آخر. “يبدو أن هناك أحد المسؤولين في وزارة المالية اعتبر أن المرسوم يصحح بمرسوم لأسباب وغايات لا نعرفها فحرم الموظفين من حقوقهم المستحقة العام الماضي” يقول نصر، ويُضيف: “هذا غبن ولا بد من إخضاع من حرم الموظفين من حقوقهم  للمحاسبة، فهو أيضا تسبّب بتعطيل المرفق، فلو قبض الموظفون مستحقاتهم ربما كان هناك احتمال أكبر باستمرار تسيير الباصات، وبالرغم من ذلك أقنعنا الموظفين وتمنينا عليهم العمل وانطلقنا على وعد للموظفين لم يتحقّق”.

ويُشدّد نصر على أنّ للمصلحة خصوصيّة فهي لا يمكن التعاطي معها كباقي الإدارات من حيث جدولة حضور الموظفين بالتناوب، فعمل المصلحة يحتاج إلى جميع الموظفين لأنّ تسيير 10 باصات يحتاج إلى 24 سائق بالحد الأدنى وموظفي الهنغار ومراقب على خط السير فضلا عن جباة للواردات والمحاسبة، ما يستدعي حضور الإدارة بكليتها يوميا، الأمر الذي كان يقتضي دفع مستحقات الموظفين.

وعند الحديث عن الموظفين، يلفت نصر إلى الظروف الصعبة التي عمل خلالها الموظفون في مرآب المؤسّسة الذي يُعاني من أضرار جسيمة إثر تفجير الرابع من آب، موضحا أنّ المرآب هو، بالإضافة إلى كونه موقفا للباصات، هو مكان عمل العاملين في المصلحة، أي ورشة الانتظار وورشة  الكهرباء والميكانيك وهو موجود ليقي العاملين من الشمس صيفا والمطر شتاء. “الموظفون عملوا باللحم الحي خلال الفترة الماضية وتعذر علينا توفير الاعتمادت لترميم سقف الهنغارحيث ما زال لليوم من دون سقف، رفعنا العديد من الكتب ولحظنا بالعديد من الموازنات من تاريخ تفجير مرفأ بيروت كل عام النفقة أو الاعتماد المطلوب لترميم الهنغار (المرآب)”.

ويُشار إلى أنّ مبنى المصلحة كان تعرّض لأضرار كبيرة بعد تفجير الرابع من آب قدّره فريق التفتيش المركزي بأكثر من 3 مليون دولار.

مرآب المصلحة المتضرر من تفجير 4 آب

المازوت والتكاليف التشغيلية 

في شهر شباط الماضي وفي تصريح له لصحيفة الأخبار قال حميّة إنّ المازوت لتشغيل الباصات “مؤمّن من خلال ميزانية مخصصة لهذا الغرض في مصلحة سكك الحديد والنقل المشترك”، إلّا أنّه تبيّن وبعد تشغيل هذه الباصات أنّ مخزون المازوت لم يكف، “كان لدينا مخزون مازوت بسبب توقّفنا عن تشغيل باصاتنا بعد تفجير الرابع من آب، شغّلتنا هذه الكميّة لـ  33 يوما وبالأخير لم نستطع الإستمرار” يقول نصر مستدركا: “وزير النقل كان مستعدا لخوض معركة للحصول على اعتمادات للمازوت ولكنّ العقبات الأخرى ومنها عدم إعطاء الموظفين حقوقهم عقّدت الأمور”.

تُحدّد موازنة المازوت بـ 400 مليون ليرة حين كان ثمن صفيحة المازوت 9 آلاف ليرة، أمّا اليوم فقد تجاوز سعرها المليون ليرة “يعني بديهيا إذا أرادت المؤسّسة تشغيل 100 باص (45 باصات المؤسّسة و50 الفرنسيّة) فكل باص يحتاج بمعدل يومي إلى خمس صفائح أي 500 صفيحة يوميا ما يعني 500 مليون ليرة في اليوم الواحد ما يعني 15 مليار شهريا في وقت كل موازنة المؤسسة ورواتب موظفيها ونفقاتها التشغيلية هي 13  مليار ليرة”.

بالإضافة إلى العجز عن تأمين المازوت، كانت الصيانة عقبة إضافيّة أمام تشغيل الباصات إذ عجزت المصلحة عن استدراج عقود صيانة  نظرا لتقلب سعر الدولار بين يوم وآخر. وفي هذا الإطار، يقول نصر “حتى لو لجأنا إلى عقد اتفاق بالتراضي، لا يقبل القطاع الخاص بعقد بالليرة اللبنانيّة”. 

العودة إلى القطاع الخاص

تقف الباصات الفرنسيّة حاليا في مرآب المصلحة بانتظار من يشغلّها من القطاع الخاص بعدما سمح مجلس الوزراء لـمصلحة سكك الحديد والنقل المشترك التعاقد مع القطاع الخاص لتشغيلها تحت إشراف ومراقبة المصلحة بناءً على طلب وزارة الأشغال العامة والنقل.

ومن المفترض حسب نصر أن يتمّ الأمر وفقاً لأحكام قانون الشراء العام وبعد اتخاذ الإجراءات اللازمة موضحا أنّهم حاليا بصدد إعداد دفتر الشروط .

انشر المقال

متوفر من خلال:

تحقيقات ، سلطات إدارية ، مؤسسات عامة ، نقل عام ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني