وزيرة العدل تعيّن قضاة في تونس: السلطة التنفيذية تمعن في وضع يدها على القضاء


2023-07-17    |   

وزيرة العدل تعيّن قضاة في تونس: السلطة التنفيذية تمعن في وضع يدها على القضاء

قبيل انتهاء السنة القضائية 2022-2023 الاستثنائية بمضيّها من دون إصدار الحركة القضائية لأول مرة، أصدرت وزيرة العدل ليلى جفال في كامل السريّة ومن دون إعلام رسمي، مذكرات عمل بتعيين قضاة بعدد من المراكز القضائية الشاغرة بسبب مذبحة إعفاء القضاة في جوان 2022. هكذا، بعد رفضها تنفيذ قرارات توقيف التنفيذ الصادرة من المحكمة الإدارية لفائدة 49 قاض معفى في شهر أوت 2022، تُمعن السلطة في خرق القانون بتعيينات مباشرة تأسيسًا لقضاء الموالاة، من دون أي حرج.

وشملت التعيينات “الفوقية”، الصادرة بتعلّة “سدّ الشغور” نهاية ماي 2023، الخطط القضائية السامية الثلاثة، بحسب ما كشفته “التسريبات” التي أطلقها موالون للسلطة. فقد شملت تسمية مراد مخلوف رئيسًا أولًا لمحكمة الاستئناف بتونس، ومنذر الأدب وكيلًا عامًا بالمحكمة ذاتها وآمال العتروس متفقدة عامّة. فيما تم تعيين كل من زهير بن عبد الله وشكري التركي وخولة قويدر وسنية الجريدي وكلاء للجمهورية تباعا في المحاكم الابتدائية في تونس ونابل وأريانة ومنوبة وفوزي الوسلاتي عميدًا لقضاة التحقيق بمحكمة العاصمة، مع تسمية نهلة الجلولي رئيسة أولى لمحكمة الاستئناف بنابل ومحسن الورغمي وكيلًا عامًا بنفس المحكمة.

ويُسجّل بذلك انتهاك جديد ليس فقط لمقومات استقلالية القضاء تحديدًا فيما يتعلق بتعيين السلطة للقضاة، بما يعبّد الطريق لتكريس التبعية، ولكن أيضًا للمرسوم عدد 11 لسنة 2022 الذي أصدره رئيس الدولة قيس سعيّد خصوصًا فيما يتعلّق بنظام التسميات ترشيحًا وإصدارًا. لتعكس هذه التسميات الجديدة، في إحدى دلالاتها، حقيقة العلاقة المتوترة بين وزيرة العدل من جهة والمجلس الأعلى المؤقت للقضاء وتحديدًا المجلس المؤقت للقضاء العدلي من جهة أخرى.

حجب المعلومة في موازاة تسرُّبها

امتنعت وزارة العدل عن نشر المعلومة بخصوص التسميات الجديدة، بما يعزّز حقيقة هشاشة الثقة تجاهها، خصوصًا في ظلّ مناخ عكس طيلة السنتين الأخيرتيْن الدور المباشر للوزيرة ليلى جفال في إعادة هندسة مواقع القضاة إبعادًا وتعيينًا فضلاً عن تدخلها في الأعمال القضائية ذاتها. ولذلك جرى تقديم التسميّات كتسريبات تمّ “تداولها في الوسط القضائي وفي عدد من وسائل الإعلام” كما أشارت جمعية القضاة التونسيين، في لائحة مجلسها الوطني بتاريخ 27 ماي 2023، في معرض تنبيهها من مخاطرها.

أمّا الحجّة القائلة بأن التسميات غير معنية بنطاق الحق في المعلومة باعتبار صدورها في شكل مذكرات عمل التي جرت العادة، عمومًا، على عدم نشر مضامينها، فهي تتعارض ومقوّمات هذا الحق ومنها الشفافية وذلك من زاويتين. أولًا لأنّ هذه التسميات تتعلق بسدّ شغورات بالجملة في مواقع لقضاة معفيين تحصّلوا على قرارات بتوقيف التنفيذ ظلت حبرا على الورق، بما يجعلها من قبيل المعلومة التي تهمّ المصلحة العامة خاصة وأن الوزارة حرصت على إصدار بلاغات لتبرير عدم احترام قرارات توقيف التنفيذ. وثانيًا باعتبار أنّ تسميات القضاة، في المجمل، تقتضي طابع العلنية لضمان إعلام المتقاضين والمهنيين في الوسط القضائي سواء لممارسة الرقابة المجتمعية، خصوصا وأنّ جميع التعيينات شملت مواقع قضائية متقدّمة (وكالة الجمهورية والوكالة العامة إلخ)، أو لمراقبة احترام مبادئ تكافؤ الفرص والكفاءة والاستقلالية والخبرة، فضلا عن مراقبة احترام شروط التسمية طبق الأمر المتعلق بضبط الوظائف التي يمارسها القضاة العدليين لسنة 1973، بما يفتح المجال للطعن فيها.

كما أنّ المبدأ هو حقّ الجمهور في المعلومة الذي لا يقع تقييده إلاّ وفق ضوابط دستورية (الفصل 55 من دستور الرئيس)، حتّى في حالة تزاحمه، فيما يتعلق بالشأن القضائي، بالحقّ في الخصوصية أو قرينة البراءة مثلًا، وهو ما لا يتوفّر في صورة الحال. إذ أنّ الإعلام بالتسميات في شكل بلاغ صحفي من وزارة العدل يمثّل الحدّ الأدنى لتطبيق الحقّ في المعلومة، من دون المجابهة بأي مساس بأي حق آخر. مثل هذا الإعلام يأخذ أهمية متصاعدة في الخطط القضائية السامية، خصوصا بالنظر لتجربة المجلس الأعلى للقضاء المنحلّ الذي كان يعلن للعموم ترشيحاته في هذه الخطط قبل المصادقة عليها من رئاسة الجمهورية.

في الأثناء، مع امتناع الوزارة عن نشر التسميات رسميًا، تكفّل موالون للسلطة بتسريبها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، بما يكشف حقيقة كواليس تداول المعلومات في الوسط القضائي، ويعرّي أدوار الموالين الذين احترفوا تسريب معطيات أو قرارات قضائية وذلك قبل إصدارها أو إعلانها رسميًا، كيفما تبيّن سابقًا في عديد القضايا السياسية.

غصب لاختصاص مجلس القضاء المؤقت

لا يوجد نصّ تشريعي نافذ يبيح لوزيرة العدل ممارسة صلاحية تسمية وتعيين قضاة بالجملة في مواقع قضائية متعددة بما يشمل ثلاث خطط قضائية سامية، وكلّ ذلك في وقت متزامن بما يجعله أشبه بحركة قضائية جزئية. إذ لا تتم التسمية إلاّ في إطار حركة قضائية سنوية أو أخرى جزئية تُمارس وفق ضوابط المرسوم عدد 11 لسنة 2022. ويختصّ المجلس الأعلى المؤقت للقضاء بالإعلان عن قائمة الشغورات في مختلف الخطط الوظيفية الخاصّة بكل رتبة قضائية، إضافة إلى تلقي مطالب النقل والترشح لها ودرس طلبات التعيين والنقل وكلّ ذلك بالاعتماد على المعايير الدولية لاستقلالية القضاء، بقطع النظر عن عدم احترام طريقة إرساء المجلس المؤقت وتركيبته لها. ويؤسس تخصيص المجلس بالإعلان عن قائمة الشغورات أولًا ومن ثمّ الإحالة للمعايير الدولية ثانيًا، لقطع الطريق على أيّ إمكانية لتمكين السلطة التنفيذية من صلاحية تعيين القضاة في مراكز متعددة صبرة واحدة وبما يشمل الخطط السامية.

ويضبط الفصل 120 من دستور الرئيس أنّ “تسمية القضاة تكون بأمرٍ من رئيس الجمهورية بمقتضى ترشيح من مجلس القضاء الأعلى المعني”، وهي عبارة مطلقة تشترط أن تبدأ أيّ تسمية بترشيح المجلس من جهة وتنتهي بإصدار أمر رئاسي من جهة أخرى. وكان المجلس الأعلى المؤقت للقضاء قد أعدّ مشروع حركة قضائية في وقت سابق لم يصادق عليها رئيس الدولة، لتمثّل تعيينات الوزارة بذلك غصبًا لاختصاص المجلس والتفافًا على عدم إصدار الحركة القضائية. إذ يغيب أي دور لوزير العدل، في مسار التسمية والتعيين، باستثناء إمكانية تقديم تقرير معلّل لرئيس الجمهورية لمعارضة ترشيحات المجلس المؤقت.

أمّا التأسيس على قانون نظام القضاة لسنة 1967، فلا يصحّح عيب الشرعيّة، لأنّه يعدّ منسوخًا، على الأقل فيما يتعلق بالمسار المهني والتأديبي للقضاء، بمقتضى القانون عدد 13 لسنة 2013 المتعلق بإحداث هيئة وقتية للإشراف على القضاء العدلي[1] والمنسوخ بالتبعية بمقتضى قانون المجلس الأعلى للقضاء لعام 2016 والمنسوخ بدوره بمقتضى المرسوم عدد 11 لسنة 2023 النافذ الآن. ثم أنّ الفصل 14 من قانون 1967 الذي يمنح وزير العدل خلال السنة القضائية نقلة قاض لمصلحة العمل على أن يعرض الأمر على المجلس الأعلى للقضاء في أوّل اجتماع له لا يؤسس للتعيينات، باعتبار أن صورة الحال تتعلق بتعيينات جماعية في خطط قضائية متعددة في وقت متزامن بما يتعارض مع موجبات الفصل المذكور، بغض النظر عن الدفع بعدم قابليته للتطبيق بوصفه منسوخًا.

كما لا يمكن للوزارة أن تتعلّل بمصلحة العمل، بالنظر إلى أنّ الشغورات الحاصلة هي ناتجة عن خطأ عمدي للوزارة نفسها بعدم تنفيذها لقرارات توقيف تنفيذ إعفاء 49 قاض وليست ناتجة عن أسباب خارجة عنها كما تقتضي فلسفة تمكين وزير العدل في قانون 1967 من النقلة لمصلحة العمل. إضافة لذلك، من شأن التسميات الجماعية لسدّ الشغورات في مواقع القضاة المعفيّين أن تؤدّي بالتبعية إلى شغورات في مواقع القضاة المعيّنين، بما يؤدي لحلقة شغورات لا يمكن سدّها إلا ضمن حركة قضائية شاملة تعيد توزيع القضاة في جميع المراكز والخطط. وعلاوة على ما سبق، فإنّ الفصل 14 من قانون 1967 يفترض عرض المسألة على المجلس الأعلى للقضاء وهو ما لم يتم في إقصاء مطلق لدوره.

يُذكر أنه بخصوص الخطط السامية على وجه التحديد، كان المجلس الأعلى المؤقت للقضاء قد قدّم مقترحات للتسمية وفق ضوابط الفصل 19 من المرسوم عدد 11، بعد سابق إصداره في أكتوبر 2022 قرارات لفتح باب الترشحات للخطط الثلاث. لتمثّل تسميات الوزيرة بذلك التفافًا على ترشيحات المجلس الأعلى المؤقت للقضاء، وهو هيكل امتنع عن الدفاع عن صلاحياته حتى في شكل بلاغات رسمية كما كان المجلس الأعلى للقضاء قبل حلّه في فيفري 2022، وهو ما يعزز الشكوك بشأن مدى قدرته على ضمان استقلالية القضاء، بغضّ النظر عن أنّ سياقات إنشائه وطبيعة تركيبته، منذ البداية، جاءت بمثابة حلقة من حلقات تقويض استقلالية القضاء هيكليًا ووظيفيًا.

وتكتسي الخطط السامية خصوصيّة جعلتها تنفرد بمسار إجرائي خصوصي عبر تعدّد الترشيحات من المجلس القضائي لرئيس الدولة الذي له، طبق مرسوم 2011، طلب استبدال الترشيحات مع صلاحيته في التعيين من خارج القائمة، مع انحصار دور وزير العدل أسوة برئيس الحكومة في تقديم تقرير معلّل يؤسس لطلب الرئيس في طلب الاستبدال. وعليه، ليس لوزيرة العدل الصفة أو الصلاحية للتعيين في هذه الخطط السامية.

ولا غرو، في الأثناء، أنّ تسميات الوزيرة جرت بالتنسيق مع رئيس الدولة، كيفما يؤكده بلاغ لرئاسة الجمهورية بتاريخ 23 ماي 2023 تحدث عن لقائهما بخصوص “سدّ الشغورات في عدد من المحاكم وفي وزارة العدل”. في المقابل، يشي التزام المجلس الأعلى المؤقت للقضاء الصمت المطبق على التسميات على استقالة تامة عن الدفاع عن صلاحياته الحصرية في الترشيحات والركون إلى “الأمر الواقع” في مواجهة الوزيرة “المتغوّلة” والرئيس “الحاكم بأمره”.

معركة “الصفة” أمام المحكمة الإدارية

تلقّت المحكمة الإدارية دعوى لإلغاء مذكرات وزيرة العدل من منظمة “أنا يقظ” مع مطالب في توقيف تنفيذ المذكرات المطعون فيها. واستباقا للنقاش المحتمل حول تحقق الصفة للقيام بذلك، فإنّ نشاط المنظمة في مجال مكافحة الفساد وتدعيم الشفافية والمساءلة يؤسس لحقّها في الطعن، باعتبار أن مرسوم الجمعيات لعام 2011 أكد على حقها في “تقييم مؤسسات الدولة” (الفصل 5) فضلا عن حقها في التقاضي (الفصل 13). وقد كرسّت المحكمة الإدارية ذلك في قرار لجمعية “عتيد” ضد الهيئة العليا المستقلة للانتخابات، حيث اعتبرت أنّ حقّ الطعن تكريس لحقّ الجمعيات في ممارسة الرقابة على المقررات الإدارية. وبخصوص شرط المصلحة، فإن ثبوت المصلحة الجماعية من القيام يؤسس لتحقق الشرط المذكور فضلا عن أنّ طبيعة أهداف الجمعية تسند تحققها، باعتبار أنّ القضاة المنتفعين بالتسميات المخالفة للشرعية يتمتعون بأجور وامتيازات من المال العام.

وعدا عن الرقابة القضائية عبر المجتمع المدني، يُطرح السؤال بخصوص إمكانية الطعن من قبل القضاة المعفيين الذين استصدروا لفائدتهم قرارات في توقيف التنفيذ من المحكمة الإدارية فضّلت الوزارة عدم تنفيذها وتسمية قضاة جدد في مراكزهم. ذلك أنّ الخطط القضائية ليست شاغرة إلا بسبب رفض الوزارة احترام قرارات رئيس المحكمة الإدارية في مادة توقيف التنفيذ، وبالتالي، وبغض النظر عن الخروقات الإجرائية الجسيمة للتسميات في حد ذاتها، فهي تعدّ إمعانًا في عدم تنفيذ أحكام القضاء. بذلك تصبح المحكمة الإدارية، في حالة النظر في دعاوى إلغاء من القضاة المعفيين أنفسهم أو في مطالب إيقاف التنفيذ، بصدد ممارسة رقابتها بنفسها على تنفيذ قراراتها في مادة إيقاف التنفيذ.

وقد سبق لرئيس المحكمة الإدارية أن أصدر بتاريخ 9 ديسمبر 2013 قراريْن بإيقاف تنفيذ أمريْن أصدرهما وزير العدل وقتها نذير بن عمو، تعلّقا بتسمية رئيس المحكمة العقارية والمتفقد العام بوزارة العدل، العضويْن بصفتهما في تركيبة الهيئة الوقتية للقضاء العدلي[2]. وكان الوزير أسند هاتين التسميتين آنذاك على قانون 1967 الذي استبعدته المحكمة الإدارية باعتبار أن المبادئ الدستورية في التنظيم المؤقت للسلط العمومية تكرّس استقلالية القضاء وتستبعد التعيينات المباشرة للقضاة من قبل السلطة التنفيذية، وأيضًا باعتبار الصلاحية الشاملة للهيئة الوقتية للقضاء العدلي في تسمية القضاة وتعيينهم في جميع الرتب والوظائف القضائية. وما يهمّ في هذين القرارين، دون مقارنة مطلقة بمذكرات العمل الصادرة سياقًا وإطارًا، هو تأسيس المحكمة الإدارية لاستبعاد أحكام قانون 1967، بإقصاء دور السلطة التنفيذية في التعيينات. ويفترض في هذا الموقف أن يشمل التعيينات المغطاة بأنها من قبيل التكليفات لسدّ الشغور، خصوصًا إذا تعلّقت بالخطط السامية.

المكافأة والموالاة

تكشف تسميات ليلى جفال المغلّفة بتعلّة “سدّ الشغورات” عن إمعان في وضع يد السلطة التنفيذية علانية على القضاء “الوظيفة”، وبالخصوص في مواقع النيابة العمومية من جهة والتفقدية العامة بوزارة العدل من جهة أخرى، بما يعني إحكام السيطرة على المواقع المفاتيح لإدارة الشأن القضائي. فبين مكافأة القضاة الذين أثبتوا انخراطهم في “مسار” السلطة التنفيذية من جهة، وتصديرهم في هذه المواقع لضمان الموالاة من جهة أخرى، يتأكد اتجاه السلطة في تأسيس قضاء التبعية خاصة بعد حملة التصفية في مجزرة الإعفاءات، وإعمال دور التفقدية لمحاصرة القضاة المتمسكين باستقلاليتهم وبالنضال النقابي، وآخرها بعد الافتكاك المقنّع لاختصاص المجلس المؤقت.

في هذا الجانب، يعكس تعيين وكيل الجمهورية الجديد بالمحكمة الابتدائية زهير بن عبد الله مثالًا عن الشكوك حول حقيقة ثنائية المكافأة والموالاة. فوكيل الجمهورية الذي تشمل ولايته القطب القضائي لمكافحة الإرهاب والقطب القضائي للفساد المالي والاقتصادي، كان يتولّى، بنفس المحكمة، خطة قاضي التحقيق الأول بالمكتب عدد 33 الذي باشر قضايا سياسية بينها القضية المثارة ضد قيادات في حركة النهضة بينها رئيسها راشد الغنوشي ليُصدر بحقه بطاقة إيداع بالسجن في شهر أفريل 2023. وقبلها أصدر بطاقة إيداع بالسجن ضد القيادي في حركة النهضة نور الدين البحيري، في فيفري 2023. وقد جرّحت هيئة الدفاع في القاضي المتعهّد، كما قدّمت شكاية ضده على خلفية رفضه تمكين البحيري من العلاج قبل الاستنطاق إثر الاعتداء المادي الذي تعرّض له من أعوان الشرطة ساعة القبض عليه، وهو ما كلّفه إجراء عملية جراحية في وقت لاحق. وتباعًا تقرّر سحب القضية من مكتبه لإحالتها إلى قاضي تحقيق آخر بعد قبول مطلب التجريح. كما سبق وتم تعهيد بن عبد الله بقضية التآمر المعروفة بـ”قضية الـ25″ المحال فيها أمنيون وسياسيون وإعلاميون ورجال أعمال، قبل قراره، في ديسمبر 2022، التخلّي عنها للقضاء العسكري.

ويؤشّر تعيين القاضي المذكور وكيلًا للجمهورية، بعد سابق تعهيده المتواتر كقاضي تحقيق في القضايا ذات الصبغة السياسية، وإصداره بطاقات إيداع ضد المُحالين في هذه القضايا التي تأسّس بعضها على مجرّد تصريحات (في حالتيْ الغنوشي والبحيري)، على سعي نحو ضبط موقع النيابة العمومية في تونس العاصمة بحسب بوصلة السلطة. وإذا أضفنا التسميات في وكالة الجمهورية بثلاث محاكم أخرى (أريانة ومنوبة ونابل) مع “النيابة الكبرى” في استئناف العاصمة ونابل، يتأكد خيار السيطرة على جهاز النيابة العمومية الذي اُستهدف بمذبحة الإعفاءات في جوان 2022 بـ19 قاض معفى أي ثلث القضاة المعفيين.

ولطالما عبّر رئيس الدولة قيس سعيّد عن عدم رضاه على أداء النيابة في مواضع متعددة، وقد أبان علنًا عن رغبته في تمدّد سلطته إليها بتسمية نفسه “رئيسًا للنيابة العمومية” يوم 25 جويلية 2021. فيما عملت وزيرة العدل على الالتفاف على النيابة ومزاحمتها عبر طلبها المتكرر لإثارة الدعوى العمومية في عديد القضايا ضد فاعلين سياسيين ومدنيين استنادًا على الفصل 23 من مجلة الإجراءات الجزائية، قبل “إجهازها” على قضاة النيابة “غير الموالين”، ومن بينهم وكيل الجمهورية بالعاصمة، في مذبحة الإعفاءات.

في جانب متصل، تكشف تسمية الوزيرة للمتفقّد العام بوزارة العدل على خيار وضع اليد على مركز جوهري في الهندسة القضائية الإدارية سواء ما يتعلق بالجانب المهني أو التأديبي للقضاة، بالنظر لدور التفقدية في النظر في الشكايات المقدمة ضدهم والإحالة على المجلس الأعلى المؤقت للقضاء.

وبغضّ النظر عن القضاة المعيّنين ومدى توفر الاستقلالية الذاتية والنزاهة والكفاءة في أشخاصهم، فإنّ تسميتهم من طرف وزيرة العدل بوصفها ممثلة السلطة التنفيذية تتعارض، بشكل صريح، مع ضمانات استقلالية القضاء التي تقتضي، في جانب الاستقلالية الهيكلية، مبدأ عدم تعيين السلطة التنفيذية للقضاة ولو بغطاء “سدّ الشغور”، وغير ذلك يعبّد الطريق لتعيين “قضاة التعليمات” الذين لا يمكنهم ممارسة أعمالهم بالاستقلالية اللازمة عن جهة التعيين.

وتتعزّز، بالنهاية، الشكوك بخصوص خلفيّة هذه التسميات المقدّمة بأنّها من قبيل “سدّ الشغور” بأنها صدرت نهاية ماي 2023 أي بعد عام كامل من واقع فرض الشغور بسبب مذبحة الإعفاءات (أمر 1 جوان 2022)، وقبيْل شهر ونصف فقط من انتهاء السنة القضائية، وفي خضمّ انطلاق المجلس الأعلى المؤقت للقضاء في إعداد الحركة القضائية للسنة الجديدة. وبذلك، يُطرح السؤال إذا ما كان المجلس المؤقت، في إعداده للحركة القضائية لعام 2023-2024، سيلتزم بتثبيت تعيينات الوزيرة من عدمه، أي أنه إمّا سيُضفي الشرعية على المعيّنين طبق قواعد المرسوم عدد 11، أو سيُعيد توزيع الأوراق من جديد. وهو إن كان يعني مخاطرة بمناكفة جديدة مع الوزيرة ومن خلفها بصفة غير مباشرة رئيس الدولة، فذلك يعني التمسك، وبالحدّ الأدنى، باختصاصاته وصلاحياته وتقليص مدى اليد “المتطاولة” للسلطة التنفيذية على القضاء.


[1] ينصّ الفصل 20 من القانون الأساسي عدد 13 لسنــة 2013 مؤرخ في 2 ماي 2013 يتعلق بإحداث هيئة وقتية للإشراف على القضاء العدلي “تلغى جميع الأحكام المخالفة لهذا القانون الأساسي وتبقى أحكام القانون عدد 29 لسنة 1967 المؤرخ في 14 جويلية 1967 المتعلق بنظام القضاء والمجلس الأعلى للقضاء والقانون الأساسي للقضاة بشروط عدم تعارضها مع القانون الأساسي الجديد.

[2] القضيتان عدد 416464 و416465 المرفوعتين بقصد توقيف تنفيذ الأمر عدد 4452 لسنة 2013 المتعلق بتسمية السيدة فاطمة الزهراء بن محمود رئيسة للمحكمة العقارية والأمر عدد 4451 المتعلق بتسمية طه الأمين البرقاوي متفقدا عاما بوزارة العدل الصادرين بتاريخ 7 نوفمبر 2013 وذلك ابتداء من 17 أكتوبر 2013 (الرائد الرسمي عدد 89 بتاريخ 8 نوفمبر 2013).

انشر المقال

متوفر من خلال:

قضاء ، محاكم إدارية ، قرارات قضائية ، الحق في الوصول إلى المعلومات ، مقالات ، تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية