تصاعد الملاحقات ضد المحامين: لسان الدفاع يواجه قصف السلطة


2023-03-01    |   

تصاعد الملاحقات ضد المحامين: لسان الدفاع يواجه قصف السلطة

نُشر بتاريخ 1 مارس 2023

تمّ تحيينه بتاريخ 15 أفريل 2023

خلال الأشهر الثلاثة التي مضت منذ نشر هذا المقال، تأكّدت القراءة التي ساقها الكاتب حول استهداف لسان الدفاع، حيث لم تتواصل فقط الإحالات ضدّ المحامين المنخرطين في العمل السياسي أو الحقوقي، كنجيب الشابي وبشرى بلحاج حميدة ولمياء الفرحاني وعبد الرؤوف العيادي في قضايا “تآمر”، وإنّما استهدفت أيضا أعضاء هيئة الدفاع عن المعتقلين السياسيّين، العياشي الهمامي في القضيّة ذاتها، وعبد العزيز الصيد وإسلام حمزة من أجل تصريحات أدلوا بها في إطار دفاعهم عن منوبيهم (المحرّر).

[1] الزمان: صبيحة يوم الجمعة 24 فيفري 2023. المكان: قاعة المحامين بالقطب القضائي لمكافحة الإرهاب، في انتظار قرار النيابة فيما يُعرف بقضية “التآمر على أمن الدولة”. حضر المحاميان غازي الشواشي ورضا بالحاج للدفاع عن المتّهمين، ليتفاجآ أن قرار فتح البحث التحقيقي يشملُهما. وعليه، تحوّلا من موقع المحامي النائب صباحًا إلى المشتبه به المودع بالسجن مساءً، حتى بات من باب الطرفة، هذه الأيام، أنه كلما اعترض محام زميله في قضية سياسية أن يسأله: “هل تنوب أو مُحال؟” طرفة أنتجها تصاعد حملة الإحالات على التحقيق ضد المحامين، سواء المتحزّبين أو المستقلّين، تحديدًا ممّن يتصدّرون مشهد مواجهة السلطة ، التي تهاجم معارضيها بتوظيف الأداة القضائية في ظلّ غياب أبسط مقوّمات المحاكمة العادلة.

إحالات بالجملة.. استهداف محامين أو المحاماة؟

شملتْ حملة الإيقافات الأخيرة إيقاف أربعة محامين: الأساتذة غازي الشواشي ورضا بالحاج ولزهر العكرمي فيما يُعرف بقضية التآمر على أمن الدولة، والأستاذ نور الدين البحيري من أجل نصّ تدوينة. وقد صدرت بحقّهم جميعًا بطاقات إيداع من قلم التحقيق وصفتها هيئة الدفاع أنها كانت منتظرة بحكم سطوة يدِ السلطة التنفيذية على “الوظيفة” القضائية. ومردّ ذلك هو تصريح رئيس الدولة قيس سعيّد بتاريخ 22 فيفري 2023، بأنّ “من سيتجرأ على تبرئتهم فهو شريك لهم”، الذي جاء بمثابة إعلان واضح عن التوجيه الرئاسي في الملفات القضائية المثارة، والأهم عن مدى تسيّس المحاكمات الجارية.

لم تشمل الإيقافات الأربعة المعنيين بها على خلفية صفتهم المهنية بالأساس، بل على خلفية صفتهم السياسية باعتبارهم جميعًا من الفاعلين في الحقل العام كقيادات متحزّبة حاضرًا أو ماضيًا، ممّن تعارض السلطة الحالية بصوت عالٍ، بل ومنخرطة في إعداد مبادرات للخروج من الأزمة. هذا التبيين، في المقابل، لا يتعارض مع معاينة الاستهداف المركّز ضد المحامين من أجل أفعال مرتبطة بممارسة مهنتهم. من ذلك قرار النيابة العمومية ببنزرت بإحالة 14 محاميًا دُفعة واحدة على التحقيق على خلفية احتجاجهم بمركز الحرس الوطني بمنزل جميل في بنزرت، في جانفي 2022، لمعرفة مكان زميلهم ومنوّبهم نور الدين البحيري الذي صدر بحقه وقتها قرار بالإقامة الجبرية تم رفعه لاحقًا. جاء قرار الإحالة بعد أكثر من سنة من الواقعة، وبالتزامن مع حملة الإيقافات السياسيّة، ليوجّه قاضي التحقيق المتعهّد إعلامًا للفرع الجهوي للمحامين بتونس تضمّن توزيعًا لجلسات استنطاق المحامين، من بينهم العميد السابق عبد الرزاق الكيلاني.

تؤكد      هذه الإحالة الجماعية      رضوخ النيابة العمومية لطلبات السلطة السياسية في اتجاه محاصرة لسان الدفاع في القضايا السياسية، رغم حصانة المحامين من أي تتبعات قضائية تتعلق بأعمالهم. بل أنّ      قسم “شؤون المحامين” بوزارة العدل ربّما لم يشهد حيوية كالتي يشهدها في الفترة الأخيرة بخصوص الإحالات طبق الإجراءات الخاصّة للتتبّع المتمثلة في قيام الوكالة العامة بمحكمة الاستئناف بتونس بإعلام الفرع الجهوي المختصّ.

الملاحظ، في هذا الجانب، أن جلّ الإحالات ضدّ المحامين لم تكنْ بمبادرة تلقائية من النيابة العمومية كما تقتضيه طبيعة الحال، بل بطلب مباشر من وزيرة العدل ليلى جفال طبق مقتضيات الفصل 23 من مجلة الإجراءات الجزائية، الذي يبدو أنّ الوزيرة لم تعدْ حتى بحاجة للتأسيس عليه لإحكام سطوتها على النيابة العمومية. ففي هذا الإطار، وفي قضية ما يُعرف بـ”التآمر على أمن الدولة”، والتي بيّنت أوراقها أنها أقرب لقضية “تآمر الدولة على المعارضة”، تمّ تعهيد النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بتونس بطلب من وزيرة العدل. وقبل إيقافه في هذه القضية، كان غازي الشواشي قد أعلن، بتاريخ 20 فيفري 2023، أن وزيرة العدل أذنت بفتح بحث تحقيقي ضده مجددًا، بعد تحقيق سابق، من أجل تصريح إعلامي له حول فبركة بعض الملفات تحت إشراف وزارة العدل، طالبة تتبعه طبق المرسوم عدد 54 الذي يتأكد، يومًا بعد يوم، أنه سيف تسلّطه السلطة ضد المعارضين من سياسيين وصحفيين وحقوقيين وغيرهم بغاية إسكاتهم. وحقيقة أنّ الاستهداف المركّز يستهدف المحاماة في طبيعتها. وهذا ما برز بالأخصّ      في التتبع الذي أُثير بطلب آخر من جفال      ضدّ العياشي الهمامي رئيس هيئة الدفاع عن استقلال القضاء والقضاة المعفيين على خلفية تصريح إعلامي دفاعًا عن القضاة الذين تحصلوا على قرارات بتوقيف تنفيذ إعفائهم لا زالت الوزارة ترفض تنفيذها.

ما كشفته الإيقافات الأخيرة، في الأثناء، وفيما يعدّ مؤشرًا تصعيديًا وخطيرًا، هو السلوك الأمني العنيف بما أدى لتعرّض نور الدين البحيري لكسر حادّ في كتفه. ورغم ذلك، رفض قاضي التحقيق خلال جلسة الاستنطاق، عرضه على الفحص الطبي. وقد تواصل تدهور الوضع الصحي للبحيري ما استلزم قيامه بعملية جراحية، قبل أن يدخل لاحقًا في إضراب جوع احتجاجًا على عدم الإذن بفتح بحث في شكايته ضد الأمنيين الذين عنّفوه. شمل التنكيل أيضًا لزهر العكرمي الذي أكدت هيئة الدفاع تعرّضه لسوء المعاملة مع ابقائه في الاحتفاظ ببوشوشة طيلة 15 يومًا من دون استنطاق، في حين كان يفترض استنطاقه، منذ إيقافه، من قلم التحقيق وذلك لعدم إمكانية سماعه من باحث البداية بحكم صفته كمحام. الشواشي وبالحاج بدورهما تبيّنت محاولة للتنكيل بهما، إذ تمّت إحالتهما على التحقيق في قضية “التآمر” بحالة سراح، وكان المنتظر استدعاؤهما من قاضي التحقيق طبق الصيغ القانونية، بيد أن فريق الدفاع، تفاجأ ليلة استنطاق الموقوفين، بمداهمة منزلهما وإيقافهما، مما يثير شكوكًا جديّة حول أسبقية وجود إذن القاضي قبل المداهمة والإيقاف. وقد برّر قاضي التحقيق ذلك بأن الشواشي وبالحاج هما في حالة تلبّس، بما يختلف عن صور التلبّس المعلومة قانونًا.

كما يظهر استهداف المحاماة في السياق السلطوي الحالي من خلال مثال آخر معبّر. فقد أحالتْ النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بتونس محامية على التحقيق، إثر تقرير أمني تضمّن احتجاجًا ضدّها على خلفية طلبها من منوبها ممارسة حقّ الصمت لدى باحث البداية. تعكس هذه الإحالة طبيعة الفترة الحالية: تغوّل أمني وانصياع قضائي عبر سرعة استجابة النيابة لفتح بحث تحقيقي، لتنعقد جلسة تحقيق في آخر     شهر فيفري، بحضور عدد هام من المحامين من بينهم الكاتب العام للهيئة الوطنية للمحامين. هذه القضية ذات البعد المهني البحت، والتي تتعلّق بصميم أعمال المحامي، تؤكد أن المحاماة هي مستهدفة في ذاتها.

هيئة المحامين.. حاضرة قليلًا غائبة كثيرًا

حملة الإيقافات الأخيرة لحقتها موجة بيانات متتابعة تنبّه من توظيف السلطة للقضاء لاستهداف المعارضين وتحذّر من هشاشة ضمانات المحاكمة العادلة. وقد أصدرتها منظمات وهيئات وطنية مثل الاتحاد العام التونسي للشغل (15 فيفري)، والرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان (16 فيفري)، التي نظمت مع النقابة الوطنية للصحفيين التونسيين ندوة صحفية لتسليط الضوء حول الانتهاكات الأخيرة ضد حرية التعبير والصحافة. كما أصدرتْ جمعية القضاة بدورها بيانًا في 18 فيفري، تضمّن دعوة للقضاة للتمسّك باستقلاليّتهم وعدم التغطية على التجاوزات الأمنية.

 غابت، في الأثناء، الهيئة الوطنية للمحامين على مدى شهر كامل، إذ اكتفى العميد حاتم المزيو بزيارة مقرّ نقابة الصحفيين بعد إحالة النقيب على التحقيق، ثم صرّح، على هامش دورة تكوينية للمحامين، أن “الوضع حساس وصعب” من دون إصدار موقف كتابي إلى غاية إصدار مجلس الهيئة بيانًا بتاريخ 10 مارس 2023. تضمّن البيان رفض “الإجراءات التي من شأنها أن تنال من الحريات العامة والخاصة” مع الإشارة إلى معاينة “مخالفات واضحة للإجراءات القانونية” في تتبّع المحامين المحالين، مع إعلان تكوين لجنة دفاع عنهم لمتابعة مدى احترام حقوقهم وصحة الإجراءات المتبعة. يؤكّد تأخّر نشر البيان، الذي احتاجت صياغته والمصادقة عليه أسبوعًا كاملا بعد اجتماع مجلس الهيئة بتاريخ 3 مارس، ضعف الحيويّة لإصداره. وقد تجنّب البيان تحميل المسؤولية مباشرة للسلطة التنفيذية عن الخروقات الجسيمة. وتفادى      التنبيه من المضي في      الاعتقالات السياسية وخطرها على المكاسب الديمقراطية.

من المفارقات، في هذا الجانب، أنه يوم استنطاق المتهمين في قضية “تآمر الدولة على المعارضة”، كانت هيئة المحامين تنظّم جلسة افتتاح محاضرات ختم التمرين، داعية وزيرة العدل ليلى الجفال، وهي دعوة أثارت احتجاج عديد المحامين باعتبار أن الوزيرة هي العنصر المدبّر لإحالة عدد منهم على التحقيق بسبب ممارستهم لحرية التعبير أو بمناسبة مباشرة مهنتهم، بما كان يقتضي مقاطعتها وليس إشراكها في مناسبة احتفائية. في الأثناء، لم تستجب الوزيرة للدعوة واكتفت بإرسال ممثل عنها، فيما يبدو تفاديًا لحركة احتجاجية كانت منتظرة تجاهها بقصر العدالة. وهو ما يؤكد أيضا عدم جدوى دعوتها من الهيئة منذ البداية. لا بل أن العميد المزيو ذهب في تصريح إعلامي إلى حدّ نفي وقوف الوزيرة وراء القضية المثارة ضد المعارضين، وهو ما يتعارض مع أوراق الملف، مما دفع عضو هيئة الدفاع الأستاذ أمين بوكر لنشر وثيقة تُثبت أن المنطلق الإجرائي للقضية، كان تعهيد وزيرة العدل للنيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بتونس.

يستوجب تأخّر الموقف الرسمي لهيئة المحامين أسوة بالهيئات الوطنية من حملة الإيقافات الأخيرة وتصاعد هجمة السلطة على المعارضة، وقفة حول دلالته. إذ من المشروع أن نتساءل، إذا ما كان ذلك يعكس اختلافًا في الموقف داخل مجلس الهيئة، أو تقديرًا يرى أن التطورات لم تكن تقتضي إصدار بيان، أو سعيا لتفادي أيّ موقف يوتّر العلاقة مع الرئيس قيس سعيّد قبيل إعلان المبادرة السياسية الجاري إعدادها والتي كان من المنتظر تقديمها بداية شهر مارس. وتشير الكواليس، في هذا الجانب، إلى أن موقف الهيئة داخل فريق إعداد المبادرة يتفادى التصعيد مع السلطة، وهو الأكثر جذبا إلى الوراء من بين المنظمات الأربع.

ختامًا، لا يزال صوت هيئة المحامين وعميدها خافتًا وغير فاعل للتصدّي للمشروع السلطوي لسعيّد، رغم أن حصيلة عام ونصف منذ انقلاب 25 جويلية أكدت أن المحاماة هي خاسر أساسي على الرغم من تواطؤ العميد السابق ابراهيم بودربالة مع السلطة المنبثقة عنه، بما يستوجب من الهيئة والعميد أخذ العبرة، إن لم يكن للنضال لاسترجاع ما فات، فعلى الأقلّ لإيقاف نزيف ضياع المكتسبات الحقوقية أو المهنية.

نشر هذا المقال في العدد 26 من مجلة المفكرة القانونية-تونس.

لقراءة العدد كاملا اضغط هنا

انشر المقال

متوفر من خلال:

تونس ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، مجلة تونس ، المهن القانونية ، تحقيقات ، نقابات ، قرارات قضائية ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية