مقالع الموت وكسّاراته: جاء يوم التدقيق والحساب؟


2023-09-22    |   

مقالع الموت وكسّاراته: جاء يوم التدقيق والحساب؟
رسم رائد شرف

عقودٌ طويلةٌ مرّت قبل أن تفتح الدولة اللبنانية ثقبًا في جدار ملفّ مستحقّات قطاع المقالع والكسارات للخزينة العامّة. لم يتخلّل هذه العقود مجازر صحية وبيئية وتلويث للمياه الجوفية والينابيع وتهجير لأهالي المناطق المحيطة فحسب، إنّما رشح عنها فاتورة عامّةٌ ضخمة لم يسدّدها أصحاب المقالع حتى اليوم. بلغت هذه الفاتورة 2.394 مليار دولار أميركي بالحدّ الأدنى، وهي تمثل قيمة التعويضات المستحقة للدولة عن الكميات المستخرجة من قطاع المقالع والكسارات ومحافر الرمل بين عامي 2007 و2018، بحسب دراسة صادرة عن وزارة البيئة وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي. 

المثير للسخرية والأسى في آن واحد، أنّ هذه “الدراسة” جاءتْ في خضمّ الأزمة المالية والاقتصادية الخانقة حيث تجتهد الحكومة في استجْداء مصادر خارجية لتمويل الخزينة، فتلجأ تارةً إلى صندوق النقد الدولي للحصول على بضعة مليارات، وطورًا إلى بعض الدول لتغطية بعض النفقات. وها هي مؤخرًا تناقش مشروعيْ موازنتي العامين 2023 و2024 اللذيْن يتضمّنان زيادة كبيرة في الأعباء العامّة على المواطنين، بينما تمتنع عن أيّ تحسين في أساس رواتب الموظفين والمتقاعدين في القطاع العام، وتعويضاتهم.

ومع إعلان وزارة البيئة عزمها السّير في عملية تحصيل هذه المبالغ، تشخص الأنظار نحو الآلية المتبعة لتحقيق ذلك، وما دونها من إشكاليّات أو عوائق قد تواجهها، بالإضافة إلى مستقبل هذا القطاع وديناميّات العلاقة بينه وبين الدولة. فهذا الملف يُعتبر من أكبر ملفّات الفساد إذ يتضمّن عددًا كبيرًا من الارتكابات التي لا تقتصر على الزاوية الضيقة للتهرّب الضريبي أو الامتناع عن دفع الرسوم أو العمل بلا ترخيص، بل تتعدّاها إلى نطاق أوسع من الجرائم البيئية والمالية. وليس أقلّ هذه الجرائم الإثراء غير المشروع وصولًا إلى تبييض الأموال، ناهيك عن المسؤوليات الإدارية والسياسية التي يُرتّبها، وهي مسؤوليات لم تذكرها الدراسة وإن وفّرت معطيات عدة تسهم في إثباتها.

وقبل المضي في تفصيل أهم ما جاء في تقرير الدراسة والمنهجية المعتمدة لمتابعة توصيّاته، يشار إلى التشابه والتزامن بين هذا التقرير الذي هو بمثابة “تدقيق جنائي” لقطاع المقالع وتقرير التدقيق الجنائي على حسابات مصرف لبنان. 

عودة إلى الوراء: عن الفساد على امتداد الجغرافيا الوطنية

يصحّ القول عن قطاع المقالع والكسارات إنّه قطاع خارج برمّته عن القانون إذ بقيت التشريعات التي وُضعت لتنظيمه حبرًا على ورق، وإنّه قطاع يمتدّ فساده على امتداد الأراضي اللبنانية، إذ لم تسلم أيّ منطقة من أنيابه القاتلة. يُعزى ذلك إلى النفوذ الكبير الذي يتمتّع به أصحاب المقالع والكسّارات وشبكة العلاقات والمصالح التي تجمع بينهم وبين أصحاب القرار في السلطة السياسية، إضافةً إلى سوء الإدارة – المشوب بسوء النية – من قبل الدولة اللبنانية.

أكثر من عشرين سنةً مرّت على صدور قانون حماية البيئة (444/2002) الذي وضع الإطار القانوني العام لتنفيذ سياسة حماية البيئة الوطنية، ثم المرسوم الذي تلاه لتنظيم المقالع والكسارات (8803/2002) الذي أنشأ المجلس الوطني للمقالع والكسّارات ووضع آليةً جديدة لمنح تراخيص استثمارها وحصرها أساسًا في منطقة سلسلة جبال لبنان الشرقية. إلّا أنّ أعمال الحفر والقلع والتكسير استمرّت على كامل الجغرافيا الوطنية، وغالبيّتها العظمى بدون ترخيص أو بترخيص من مرجع غير مختص ومن دون امتثال للشروط القانونية. وقد سعتْ الحكومات المتعاقبة إلى إضفاء شرعيّة على هذا القطاع من خلال اتخاذ قرارات بمنح أصحاب المقالع مهلًا إداريّةً، متجاوزة المراسيم الناظمة له، وهي قرارات تمّ إبطال عدد منها من قبل مجلس شورى الدولة في أكثر من قرار صدر عنه مؤخرًا.

كان المنعطف الأبرز في هذا الملفّ خلال السنوات الماضية صدور قانون موازنة 2019 الذي كُلّف الجيش بموجب المادة 61 منه بإجراء مسح ميداني شامل للمقالع والكسارات على كافة الأراضي اللبنانية، وقطع مرور الزمن على المخالفات التي ارتكبها أصحابها. ونصّت المادة على ملاحقة كلّ من استثمر من دون ترخيص قانوني أو خالف الترخيص الممنوح له حتى سداد كافة الضرائب والرسوم والبدلات المتوجّبة عن كافة سنوات الاستثمار ابتداءً من العام 2004 وإنجاز كافة الموجبات الملقاة على عاتقه لرفع الضرر البيئي الذي سببه. وبعد ذلك، صدر المرسوم 6569/2020 الذي حدّد إطار العمل الذي يرعى تطبيق هذه المادة وآلياته. وبالفعل قدّم الجيش ستّ دفعات مؤلّفة من 661 ملفًّا لـ 1235 مقلعًا لكي يتم على أساسها احتساب مستحقات الخزينة من القطاع.

تجدر الإشارة إلى أنه سبق لـ “المفكرة القانونية” أن عرضت تاريخ التحاصص في هذا القطاع، ودأبت على متابعة الحراك المستمرّ لأهالي المناطق المتضرّرة من وجود المقالع، مسلّطةً الضوء على الأضرار البيئية التي تعرّضت لها المياه والأراضي والهواء، والأضرار الصّحيّة للمواطنين، لا سيما في منطقة الكورة في العدد 58 الذي حمل عنوان “الكورة في فم التنين من رخص بالقتل؟”، وصولاً إلى متابعة المراجعات التي تقدّمت بها جمعيات بيئية بالتعاون مع “المفكرة” أمام مجلس شورى الدولة والتي كانت خواتيمها إبطال قرارات المهل الإدارية كما سبق بيانه.

15.15 مليون متر مربع هو حجم المساحة التي تستثمرها المقالع والكسارات بحسب الدراسة، و196.9 مليون متر مكعّب هو حجم المستخرجات، كما تبيّن من المسح أنّ هناك 126 مقلعًا متعدّيًا على أملاك الدولة أي ما نسبته 10.2% من مجموع المقالع، وأنّ هناك 201 مقلعًا متعدّيًا على الأملاك الخاصة أي 16.3% من مجموع المقالع، كما أنّ 149 مقلعًا يقوم في أراضِ غير ممسوحة أو غير مسجلة أي 12% من مجموع المقالع. واللافت أنّ واضعي التقرير اكتفوا بالقول إنّ هذه الأراضي مجهولة الملكية من دون أن يبذلوا جهدًا لتحديد هوية المالكين وفيما إذا كانت ملكًا للدولة أم لأفراد. وإذ أشارت الدراسة إلى أنّ الجيش هو الذي تولّى مهمة مسح الأراضي وتحديد هويات مالكيها، انتهى إلى التوصية بوجوب بذل جهود فورية من أجل جلاء الحقائق في قضايا ملكية الأراضي المستثمرة خصوصًا في كسروان (ميروبا وحراجل) وتفنيد المعلومات المضلّلة “من أجل تسوية هذه القضايا ووقف التدهور الحاد للمناظر الطبيعية”.  

 وبحسب البيانات التي نشرتها الدراسة، شكّلت محافظة جبل لبنان الموقع الأكثر استهدافًا من قبل مستثمري المقالع بحيث بلغت المساحات المستثمرة (أو لنقل المدمّرة) فيها 4.27 مليون م² والعدد الأكبر منها في جرود كسروان، تلتها بعلبك- الهرمل (3.28 مليون م²) وجاءت بعدها الشمال (2.28 مليون م²) والعدد الأكبر منها في قضاء البترون في منطقة شكّا حيث تشير الدراسة إلى المقالع التي تستثمرها شركتا هولسيم والترابة الوطنية هناك. كما تحوز عكّار النسبة الأكبر من المقالع المتعدّية من أصل عدد المقالع في المحافظة بنسبة (47%) وتليها شمال لبنان (37%)، والبقاع (35%) وبعلبك – الهرمل (29%)، في حين بلغت مساحة التعديات الإجمالية 378.192 مترًا مربعًا، أي 2.5% من إجمالي مساحة المقالع (وذلك من دون احتساب الأراضي مجهولة الملكية).

 وعدّدت الدراسة مجمل المخالفات القانونية التي ارتكبها مستثمرو المقالع، من العمل بدون ترخيص والتخلّف عن دفع الرسوم والضرائب المستحقة وغراماتها وفوائدها. كما ذكّرت بمواد عدّة من قانون البيئة في سياق دعوتها لتطبيقها: من هذه المواد، المادة 51 التي تنصّ على أنّ أيّ انتهاك للبيئة يلحق ضررًا بالأشخاص أو بالبيئة يُسأل فاعله بالتعويض المتوجّب. ومنها أيضًا المادة 52 التي تنصّ على أنّ المسؤولين عن أيّ ضرر يطال البيئة بسبب أعمال مُنجزة من دون تصريح أو بصورة مُخالفة للأحكام القانونية والنظامية النافذة، لا سيّما تلك المتعلّقة بدراسات الفحص البيئي المبدئي أو تقييم الأثر البيئي، ملزمون باتخاذ كل التدابير التي تؤدي إلى إزالة الضرر، على نفقتهم الخاصة. ومنها أيضًا المادتان 58 و60 اللتان تعاقبان تباعًا مباشرة المشغّل بتنفيذ مشروع من دون دراسة الأثر البيئي أو من دون مراجعة بيئية أوّلية وأي مخالفة لأحكام قانون حماية البيئة ونصوصه التطبيقية المتعلقة بالمؤسسات المصنفة. ضِف على ذلك النصوص العقابية الأخرى الواردة في المرسوم 8803/2002 التي تنطبق على استثمار مقلع من دون ترخيص صحيح أو خلافًا لشروط الترخيص وفي قانون العقوبات التي تناولت بشكل خاص التعدّي على عقارات الغير (مواد 733 و737 و738).

هل قلتم أموالًا منهوبة؟ ها هي ذا

تغطّي البيانات الفترة الممتدة بين العامين 2007 و2018 بما أنّ معظم البيانات التي قدّمها الجيش تبدأ في العام 2007. وبالتالي فقد اعتمد سعر صرف 1507.5 ليرة لبنانية للدولار الواحد لاحتساب التعويضات. وقد احتسبت المستحقات على أساس المقلع لا الشخص المستثمر، وقسّمت إلى ثلاث فئات: التعويضات المالية وغير المالية (الألم والمعاناة) والتعويضات الجزائية. 

تشمل التعويضات المالية الغرامات والرسوم الضمنية المتأخرة والتكاليف التنظيمية والضريبية بالإضافة إلى كلفتيْ التدهور البيئي وإعادة التأهيل. وهذه التعويضات هي الوحيدة المخمّنة في هذه الدراسة، أي أنّ مبلغ 2.394 مليار دولار يُمثّل التعويضات المالية فحسب، وهذا المبلغ متحفّظٌ جدًّا بحسب الدراسة نفسها، نظرًا لكون الأحجام المستخرجة التي بُنيت عليها الدراسة تعود إلى الأعوام من 2007 حتى 2018 كون معظم البيانات والمعلومات التي قدّمها الجيش تبدأ من سنة 2007 (مع العلم أنّ المادة 61 من موازنة 2019 تنص على احتساب المستحقات ابتداءً من العام 2004)، ولأنّ دائرة التأثير المعتمدة في احتساب الضرر من تلوّث الهواء هي ألف متر فقط، والتلوّث البصري 500 متر فقط، فيما تشير المراجع العلمية إلى إمكانية احتساب دائرة تأثير أكبر في بعض الحالات، ولكون التعويض عن الألم والمعاناة والتعويض الجزائي غير محتسب.

وتظهر المنهجية المعتمدة في احتساب التعويضات المالية حجم التهرّب من الضرائب والرسوم الذي ارتكبه مستثمرو المقالع، وهي ضرائب ورسوم متنوّعة جدًا، أبرزها ضريبة الدخل على الشركات والضريبة على القيمة المضافة، ناهيك عن كلفة التلوّث الهوائي والبصري والمائي، وكلفة إعادة تأهيل المناظر الطبيعية الصلبة والغطاء الأخضر، ومعالجة خطر الانهيارات الأرضية.

وقد تبرز إشكالية حول تحصيل الرسوم والضرائب التي بلغت قيمتها الإجمالية 943 مليون دولار، على سعر صرف 1507.5 ليرة للدولار، خصوصًا أنّها محددة بالليرة اللبنانية بينما بلغ سعر صرف الدولار حوالي 90.000 ليرة لبنانية اليوم، ما يعرّضها لفقدان حوالي 60 ضعفًا من قيمتها. غير أنّ هذه الإشكالية لا تبدو واردة في تحصيل باقي المستحقات على هذا الأساس وهي كلف التدهور البيئي وإعادة تأهيل المواقع المتضررة التي تحتسب على أساس قيمتها الفعلية. وهنا يقتضي التفكير في وسائل تسمح بتفادي هذه الإشكالات، من خلال استخدام أدوات قانونية، كالادّعاء بجرم تبييض الأموال (القانون 44/2015) الناتج عن التهرّب الضريبي أو الفساد بما في ذلك الرشوة وصرف النفوذ والاختلاس واستثمار الوظيفة وإساءة استعمال السلطة والإثراء غير المشروع الذي يتيح تغريم المرتكب بمثلَي المبلغ موضوع عملية التبييض.

أمّا في ما يتعلّق بالتعويضات غير المالية (التعويض عن الألم والمعاناة) فإنّها لم تُدرج ضمن الدراسة كونها تحدّد بنتيجة دعاوى شخصية يقدّمها المتضرّرون سواءً كانوا أشخاصًا طبيعيين مثل سكّان المناطق المجاورة للمناطق، أو شخصًا معنويًّا كالبلديات واتحادات البلديات والجمعيات. ويمكن أن تأتي هذه الدعاوى بنتيجة إيجابية لمصلحة المتضرّرين في حال التمكّن من إثبات الصلة السببية بين الضرر الذي أصابهم ومخالفات مستثمري المقالع، ومنها وجود ضرر بيئي فاقع أو انهيار أسعار الأراضي أو أيضًا تشقق المنازل بنتيجة أعمال غير مشروعة… إلخ. هذا علمًا أنّ إثبات العلاقة السببية ليس دائمًا ممكنًا وبخاصّة في حالة الإصابة بأمراض رئوية أو ما شابه. ومن المفيد استعادة ما تناولته “المفكرة” حول هذه المسألة في مقالٍ سابق نشرته بعنوان “أفكار إيجابية: أي مسالك قضائية للبلدات المحيطة بمعامل الإسمنت في الكورة؟”.

بالإضافة إلى ذلك، أشارت الدراسة إلى مفهوم التعويضات الجزائية (punitive damages) كمستحقّات قانونية على القطاع، إلّا أنّها لم تحتسبه ضمنها، فهو نوع من التعويضات المعمول بها في بعض الأنظمة القضائية ويتمّ منحها عادة استنادًا إلى أصول و/أو أرباح المدعى عليه حين يدان بارتكابه أعمال غش أو تزوير أو احتيال. وتشير الدراسة إلى أنّ هذا المبدأ غير معمول به في النظام القانوني اللبناني، وبأنّه من الصعب تحقيقه في ظلّ السرّية المصرفية وتهريب الأصول إلى أشخاص ثالثين. ولكنّها دلّت في الوقت عينه إلى أحد القرارات الصادرة عن محكمة التمييز الفرنسية تقضي فيه بجواز الحكم بهذا النوع من التعويضات كونه غير مخالف للنظام العام.

ما يؤخذ على هذه المقاربة أنّها تتناول هذا الملف من منطلق الجنح الجزائية المنصوص عليها في قانون العقوبات ومرسوم تنظيم المقالع والكسارات وقانون حماية البيئة فحسب، في حين ينبغي معالجته من زاوية جرمية أوسع. فالأعمال المرتكبة من قبل مستثمري المقالع تنطبق عليها جرائم أكثر خطورة تندرج ضمن إطار تبييض الأموال والإثراء غير المشروع. وإذا كان المطلوب إعطاء نموذج عمّا درج على تسميته أموالًا منهوبة، فليس من نموذج أكثر سطوعًا من الأموال المنهوبة في ملفّ المقالع والكسارات. وبالتالي بالإمكان القضاء بغرامات جزائية تصل إلى ضعفيْ المبلغ موضوع عملية التبييض وفقًا لقانون مكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب (44/2015) وإلى ثلاثة أضعاف قيمة الـمنفعة الـمادية الـمتوقعة أو الـمحققة وفقًا لقانون مكافحة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة الوطنية لـمكافحة الفساد (175/2020). كما ينبغي النظر إلى أبعد من مسألة التعويضات الجزائية، تحديدًا إلى استعادة الأموال المتأتية عن جرائم الفساد وفقًا لقانون  استعادة الاموال المتأتية عن جرائم الفساد (214/2021). كما بالإمكان استخدام الأدوات القانونية التي تحول دون الوقوف أمام عقبات مثل السرّية المصرفية وتهريب الأصول، وذلك بالاستناد إلى قانون تعديل قانون سرّية المصارف (306/2022) وقانون التصريح عن الذمّة المالية والمصالح ومعاقبة الإثراء غير المشروع (189/2020) (أشارت إليه الدراسة باعتباره طريقًا يمكن أن يُسلك لتحصيل الديون الممتازة للدولة في الداخل والخارج) وقانون مكافحة الفساد في القطاع العام وإنشاء الهيئة الوطنية لـمكافحة الفساد (175/2020).

خارطة الطريق لاستعادة الأموال

تطرّقت الدراسة إلى مسألتين أساسيّتين، هما كيفية تحصيل المبالغ المقدرة، والخيارات المتاحة لتوزيعها. وإذ طرحت وزارة البيئة على هيئة التشريع والاستشارات مجموعة من الأسئلة انطلاقًا من الأسئلة المطروحة من واضعي الدراسة في هذا الشأن، رأتْ الهيئة في استشارتها الصادرة في تاريخ 20/3/2023 رقم 175/2023 أنّه يفضّل أن تقوم كلّ جهة معنيّة بتحصيل المبالغ المخصّصة لها وفق الأصول الخاصّة بها من دون إمكانية توحيد جهة التحصيل. بمعنى أن تحصّل وزارة المالية الرسوم والضرائب وفق أصول تحصيل الضرائب المباشرة والرسوم المماثلة لها (القانون 147/1959 والمرسوم 22832/1959)، في حين تستوفي وزارة الدفاع كلفة أعمال المسح. أمّا المستحقّات البيئية المتمثلة بكلفتيْ التدهور والتأهيل، فتدفع وفق الأصول المحددة في قانون البيئة (444/2002) والمرسوم 6569/2020 الذي أجاز إصدار أوامر قبض من وزارة البيئة، كما بالإمكان استيفاء كلفة التأهيل والتدهور من قيمة الضمانة المالية التي يحدّدها المجلس الوطني للمقالع.

كما اعتبرت الهيئة أنّه لا يمكن اللجوء إلى الاستعانة بجهات غير حكومية لتنفيذ عملية التحصيل من تبليغ وجباية. إلّا أنّه لا حائل قانوني من التعاون معها للمساعدة لوجستيًّا وتقنيًّا وإداريًّا ومن قبول هباتها وفق الأصول المنصوص عليها في قانون المحاسبة العمومية.  

أما بالنسبة للوسيلة القانونية للتحصيل، فبخصوص المستحقّات التنظيمية والنقديّة، ذكرّت الهيئة بالأصول المنصوص عليها في المادة 45 من قانون المحاسبة العمومية (14969/1963) لتصفية وتحصيل ديون الدولة ووارداتها، حيث تتمّ العملية بموجب أوامر تحصيل يصدرها رئيس الإدارة المختصّة في وزارة المالية، وبالأصول المنصوص عليها في المواد 5 و11 و12 من قانون أصول تحصيل الضرائب المباشرة (147/1959) والتي ترعى مسألة التخلّف عن تسديد الرسوم وأصول توجيه الإنذار وكيفية الحجز على الأموال المنقولة وغير المنقولة وبيعها في المزاد في حال التمنّع. 

وعن المستحقات الجزائية، اعتبرت أنّه يجب سلوك طريق القضاء الجزائي للحكم بغرامات. وعن الحساب الذي يجب أن تودع الأموال فيه، اقترحت الهيئة بأن تحصّل الرسوم والغرامات الناتجة عن الاستثمار والمذكورة في المرسوم 6569/2020 لمصلحة البلدية التي تتواجد فيها الكسارة أو لمصلحة صندوق الخزينة خارج النطاق البلدي وفقًا لأحكام المادة 23 من المرسوم 8803/2002. 

أما التعويض الناتج عن الضرر والتدهور البيئي وكلفة التأهيل والغرامات الجزائية والإدارية فرأت الهيئة بأنّه يمكن فتح حساب مشترك بالدولار الأميركي لدى مصرف لبنان باسم الدولة اللبنانية وإيداع هذه المبالغ فيه على أن يخصّص للإنفاق على المشاريع البيئية. وذكّرت بأنّه حالما يتمّ إنشاء الصندوق الوطني للبيئة وجب تحويل الأموال إليه، على أن تخصّص حصيلته للإنفاق على المشاريع البيئية. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ مشروع قانون موازنة العام 2023 تضمن في المادة 54 منه إقرار تحصيل المبالغ المستحقة بالدولار الأميركي في حساب خاص بالدولار الأميركي لدى مصرف لبنان.

 وأشارت الهيئة إلى إمكانية إجراء مصالحات مع أصحاب العقارات التي استُثمر فيها المقلع لاستملاكها وفق مفهوم الاستملاك المستعجل المنصوص عليه في المادة 58 مكرّرة من قانون الاستملاك (58/1991) بغية تحويلها إلى مواقع ذات منفعة عامّة كالمطامر، بالإضافة إلى إمكانية إجراء وزير البيئة تسوية على الغرامات شرط ألّا تتجاوز قيمتها نصف قيمة الغرامة بناء على المادة 66 من قانون حماية البيئة (444/2002). كما شجّعت على نشر المعلومات والدراسات حول الموضوع وعملًا بمبدأ المشاركة (مشاركة المواطنين) المنصوص عليه في المادة 18 من قانون حماية البيئة (444/2002) والذي ينصّ على وجوب تأمين مشاركة المواطنين في إدارة البيئة وحمايتها من خلال الولوج الحرّ إلى المعلومات البيئية وفقًا للقوانين والأنظمة المرعية الإجراء ووضع آليات استشارية على المستويين الوطني والمحلي تضمّ مواطنين وجمعيات يعنون بشؤون البيئة.

لكي تأخذ المسؤولية مداها الأقصى، وكذلك الحق

إذا كان بالإمكان قياس حجم الدمار والتخريب الذي تسبّب به هذا القطاع بحق البيئة والناس، يُصبح تأطير  حدود المسؤولية عند مستثمر لمقلع هنا أو مشغّل لكسّارة هناك تخلفًا عن دفع رسمٍ أو عملًا بدون رخصة أو تهرّبًا عن دفع تكاليفهم من ضرائب ورسوم، خيانة لحق الطبيعة والبيئة ولحق مجتمعٍ بأكمله، بل أمة بأجيالها السابقة والحالية وتلك التي لم تولد بعد.  

فمن تخلّف عن دفع الرسوم والضرائب وعمل من دون ترخيص وتعدّى على أملاك الغير، العامّة والخاصّة ما كان أمكنه أن يفعل ذلك من دون حماية مسؤولين حكوميين وإداريين وعمليًا من دون ارتكاب العديد من جرائم استغلال السلطة. ولكي تأخذ المسؤولية مداها الأقصى، لا ينبغي أن يبقى أيّ من هؤلاء بمنأى عنها. فما غاب عن الدراسة، وهو الحاضر الأبرز في موضوعها، هي المسؤولية الإدارية لمن كان منوطًا به حماية البيئة والطبيعة وصحة الناس ومكلّفًا تطبيق القانون، فتواطأ أو أهمل أو استغلّ موقعه للسماح بتمادي المجزرة طوال تلك السنوات. ومن أهمّ الأشخاص الذين يجدر النظر في مسؤوليّاتهم في هذا المجال، وزراء الداخلية والبيئة والمالية والمحافظون المتعاقبون خلال العقود الماضية، أقلّه ابتداء من 2002.   

فالمحافظون الذين أعطوا تراخيص خلافًا للقانون، أو أهملوا متابعة الملف في حين أنّهم مخوّلون إعطاء القرار بمنح الترخيص أو حجبه بموجب المادة 3 من المرسوم 8803/2022، ويقع في صلب مهامهم المحددة في المادتين 9 و10 من قانون التنظيم الإداري (مرسوم اشتراعي 116/1959) مراقبة أوضاع المنطقة من الوجهتين السياسية والاقتصادية وعليهم أن يطلعوا وزارة الداخلية على الحالة كلّ شهر وكلّما دعت الحاجة، وكذلك حفظ النظام والأمن وصيانة الحرية الشخصية وحرمة الملكية الخاصّة، ولهم من أجل ذلك، أن يطلبوا إلى قوى الأمن في المحافظة اتخاذ جميع التدابير التي تقتضيها الظروف.

ومن هنا أيضًا تبرز مسؤولية وزراء الداخلية ممّن تعاقبوا على تولّيها، فعلى الرغم من مسؤوليّتهم الإدارية بوصفهم مسؤولين عن وزاراتهم ويُناط بهم تطبيق الأنظمة والقوانين بالأمور العائدة إلى إدارتهم وفقًا للمادة 66 من الدستور، عمدوا إلى منح مهل إداريّة الواحدة تلو الأخرى لأصحاب المقالع، خلافًا للقوانين والمراسيم المرعية الإجراء. كما ينبغي أن يُسأل وزراء البيئة الذين تواطأوا في هذا الملف أو أساءوا إدارته أو أهملوا واجباتهم. في حين تلزم القوانين المرعية الإجراء وزارتهم فرض إجراء دراسات تقييم الأثر البيئي والفحص البيئي المبدئي (المادة 2 من قانون تنظيم وزارة البيئة 690/2005) وحماية البيئة التي اعتبرتها المادة 10 من القانون نفسه من النظام العام، وأيضًا من تولّى المسؤولية في مصلحة الموارد الطبيعية والمصالح الأخرى التي تُناط بها مهام متعلّقة بهذا الملف.

لا يقف الأمر عند هذا الحد، فلم يكن للخزينة العامة أن تخسر هذه المليارات من الدولارات لولا أنّ هناك في وزارة المالية من غض النظر عن تحصيل الضرائب والرسوم في الدوائر المعنية بها، وصرف النظر عن الاعتداءات على أملاك الدولة الخاصة أو تواطأ مع المرتكبين ليسهل لهم ذلك، خصوصًا أنه يقع على دائرة أملاك الدولة الخاصة في وزارة المالية واجب الحفاظ عليها وإدارتها بحسب المادة 43 من قانون تنظيم وزارة المالية (2868/1959).

ناهيك عمّن لديهم مسؤولية في النيابات العامّة وتحديدًا البيئية باعتبارها مختصّة بملاحقة جرائم مخالفة القوانين والأنظمة المتعلّقة بالمقالع والمرامل والكسارات كما تنصّ صراحة المادة 11-مكرّرة من قانون أصول المحاكمات الجزائية 328/2011، والمالية منها كونها مختصّة بملاحقة الجرائم الناشئة عن مخالفة أحكام قوانين الضرائب والرسوم كما تنصّ المادة 19 من القانون نفسه، فأدرجوا الشكاوى والملفات في الجوارير المظلمة من دون أن يحرّكوا ساكنًا. 

إلّا أنّه وبمعزل عن المسؤوليات الجنائية للوزراء والإدارييّن، يبقى أنّ ثمّة مسؤوليّة سياسيّة تتشارك في تحمّلها القوى السياسية المشاركة في الحكم خلال العقود الماضية، وهي المسؤولية الناتجة عن قرارات الحكومة بمنح مهل إدارية لاستثمار المقالع خلافًا للقانون. وهو الأمر الذي وصفه مجلس شورى الدولة بأنّه تشجيع على ارتكاب جرم.    

كي لا يكون الفصل الأول من المعركة فصلَها الأخير

لا شكّ أنّ ملفّ الكسارات والمقالع ملفّ شائك وبالغ التعقيد، وتحيط بالمستفيدين منه كافة أنواع الحصانات غير القانونية وغير الشرعية – حصانات الأمر الواقع، بفعل امتداد أذرع نفوذ الشركات التي تستثمرها في أروقة السلطة السياسية والقضائية، ومع تجنيدها جماعات ضغط منتفعة منها في الإعلام وفي دوائر مختلف الوزارات وخصوصًا في وزارة البيئة نفسها المسؤولة عن حماية البيئة. وقد بدأت ملامح هجومهم المضاد تلوح في الأفق، وليس أدلّ على ذلك من تغريدة النائب ميشال الضاهر، المنتخب في دائرة زحلة (زحلة نفسها التي بلغ حجم المقالع فيها بحسب الدراسة 923458 مترًا مربّعًا) التي احتجّ فيها على الظلم الذي يتعرّض له أصحاب الكسارات في زحلة، معتبرًا أنّه من الظلم “تغريمهم” بمبالغ طائلة بالدولار بحجّة الضرر البيئي حسب مشروع وزير البيئة.

ولم يعد خافيًا على أحد، الأساليب التي باتت تتّبع من أجل تمييع التحقيقات القضائية وإطالة أمدها ومحاولة وأدها في مهدها، باستخدام أساليب تعسّفية كدعاوى المخاصمة والرد التي باتت منفذًا لأي مرتكب للتنصّل من أفعاله وتعطيل مسار العدالة والإفلات من العقاب، كما هي الحال في قضية تفجير المرفأ والجرائم المالية، وسواها من الملفّات التي أقل ما يقال إنّ التعاطي معها تمّ برعونة واستخفاف شديدين. 

لقد تجاوز الفساد معناه التقليدي باعتباره نقلاً للثروة من العام إلى الخاص، أو إثراءً لفئة على حساب فئةٍ بغير حق، فأصبح قتلًا بالمباشر. ولا بدّ من التذكير أنّ الاستهتار في التعامل مع هذه القضايا قد يؤدي إلى نكبات لا تحمد عقباها، وآخر مظاهرها كان التحذير من تحرّك الفوالق الزلزالية بفعل نشاط الكسّارات الذي لم يزل مستمرًّا رغمًا عن أنوفنا جميعًا. 

نشر هذا المقال في العدد 70 من مجلة المفكرة القانونية- لبنان

يمكنكم هنا الاطلاع على النسخة الانكليزية من المقال

انشر المقال

متوفر من خلال:

تحقيقات ، قرارات قضائية ، الحق في الصحة ، مجلة لبنان ، لبنان ، مقالات ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية