الكسارات والمقالع تدين للدولة بـ 2.4 مليار دولار وتحذير من خطورة تفجيراتها على تحريك الزلازل 


2023-06-14    |   

الكسارات والمقالع تدين للدولة بـ 2.4 مليار دولار وتحذير من خطورة تفجيراتها على تحريك الزلازل 

تحوّلت قضية الكسارات والمقالع في لبنان إلى حديث الساعة مؤخرًا ليس فقط لأنّها قضمت وشوّهت أكثر من 15 مليون متر مربع من أراضي البلاد وغاباتها وجبالها، أو لأنّها قضت على نحو 200 مليون متر مكعب من الموارد الطبيعية من رمول وصخور وأتربة وبحص، ولا لأنّها لوّثت المياه الجوفية أو تسبّبت بجفاف الينابيع وألحقت الأذى بخزانات المياه الجوفية، وأمرضت سكان المناطق المحيطة بها وأتلفت مزروعاتهم وكروم زيتونهم وأشجار الفاكهة فقط، بل احتلّ قطاع المقالع والكسارات النقاش العام مؤخرًا إثر تطورين مهمّين. فقد نشرت وزارة البيئة دراسة بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تُبيّن أنّ قيمة مستحقّات الخزينة اللبنانية من هذا القطاع تصل بحدها الأدنى إلى 2.4 مليار دولار عن الكميات المستخرجة بين 2007 و2018، إضافة إلى النقاش الذي فتحته الهزّتان الأرضيّتان اللتان ضربتا رعشين في كسروان (بقوة 3.4 درجات على مقياس ريختر) وزحلة في البقاع (3 درجات على مقياس ريختر) تزامنًا مع شهادات مواطنين من المنطقتين تفيد بسماعهم لتفجيرات سبقت الهزتين. وهذا ما فتح جدلًا حول مسؤولية تفجيرات الكسارات والمقالع في المنطقتين عن التسبّب بالهزّتين واستدعى فتح تحقيق أمني في هزّة زحلة تحديدًا.

النقاش الأخير دعمه تحليل دراسة أنجزها المركز الوطني للجيوفيزياء في بحنّس بالتعاون مع المعهد الوطني لعلوم الأرض في غرونوبل (فرنسا) حول تقييم الخطر الزلزالي في لبنان، حيث تبيّن وجود حركة غير عادية في بعض المناطق ما بين الساعة الثامنة صباحًا والخامسة من بعد الظهر، ووصولها إلى ذروة نشاطها بين الساعة العاشرة صباحًا والساعة الثالثة من بعد الظهر، وهي مواقيت النشاط البشري وساعات العمل. هذا المعطى يدلّ، وفق مديرة المركز الوطني للجيوفيزياء في بحنّس الدكتورة مارلين البراكس، على أنّ قسمًا من هذه التسجيلات ناتج عن أنشطة بشرية كالتفجير في الكسارات والمقالع، مشيرة إلى أنّه ليس بالسهولة القول علمياً إنّ تفجيرات الكسّارات  تسبّبت في تحريك الفوالق الزلزالية.

ويعلّق وزير البيئة في حكومة تصريف الأعمال ناصر ياسين في حديث إلى “المفكرة” على تكثيف نشاط تحرّكات القشرة الأرضية خلال ساعات العمل والنشاط البشري، ساخرًا: “شو الأرض عندها وصلة هزّ ورقص بين الساعة 10 صباحًا و3 بعد الظهر؟”. ويؤكد أنّ بيانات الدراسة التي رصدت الحركة على مدى 20 سنة، تؤكّد حصول ذروة تحرّكات القشرة الأرضية بعد إعادة إعمار لبنان، وتوثّق انخفاضها خلال كورونا وأيضًا مع تراجع كثافة الأعمال المرتبطة بالبناء مع توقف المشاريع تزامنًا مع الأزمة الاقتصادية. وكلّ هذا يؤكد تأثير النشاط البشري المتمثّل هنا بتفجيرات الكسارات والمقالع على هذه التحرّكات.  

صورة من المركز الوطني للجيوفيزياء في بحنّس تبيّن نشاط تحرّكات القشرة الأرضية في ساعات العمل والنشاط البشري
رسم بياني من وزارة البيئة يشير إلى ارتباط الهزات الأرضية في منطقة ضهر البيدر وزحلة بين 2004 و2021 بحركة النشاط العمراني وتراجعه، وبالتالي نشاط الكسارات والمقالع

  “لا تستحثّوا الزلازل والهزّات”

 في المقابل، وبعد هزّتي كسروان وزحلة والحديث عن ارتباطهما بتفجيرات الكسارات والمقالع، حذّر الاختصاصي في علم الجيولوجيا والزلازل الدكتور طوني نمر في تغريداته على تويتر وفي إطلالات إعلامية (على تلفزيون الجديد وقناة المشهد) من أنّ “تغيير الضغوطات على الفوالق الزلزالية الكثيرة في لبنان، وعلى رأسها الفوالق الرئيسية كاليمّونة وروم وراشيا وسرغايا يمكن أن يولّد هزّات صغيرة أو كبيرة حسب حجم المتفجرات”. ويؤكّد أنّه “مش كل مرة بتسلم الجرّة، وما بدنا رجاء نجرّب ونشوف الزلازل لي ممكن تطلع عليها”، مضيفًا “ما تستحثّوا حركة على الزلازل والفوالق، نحن نقبل أن تتحرك الفوالق لوحدها ولكن ما بدنا تتحرك نتيجة أنشطة بشرية تؤدي إلى اهتزاز على الفوالق”. واستشهد د. نمر بصورة نشرها الصحافي عبدالله قمح تبيّن فجوة كبيرة في أسفل حائط في زحلة، ليؤكّد أنّ “هذا الحائط ما هو إلّا صفحة فالق كبير في المنطقة وانكسار كبير في قشرة الأرض في المنطقة وهو فالق اليمونة الرئيسي الذي يقسم لبنان إلى قسمين وهو الحد بين الصفيحتين العربية والأفريقية”. وهذه الفجوة، وفق د. نمر، “مجهّزة لوضع تفجيرات فيها لتفتيت الصخور، وعليه نحن نكون عم نستحث الضغوطات على الفالق، وبالتالي حدوث الهزات والزلازل”. وقال د. نمر إنّ “الهدف ليس بث القلق والخوف في نفوس اللبنانيين بل التحذير من أنّ أماكن التفجير يجب أن تكون بعيدة عن هذه الفوالق لأن تغيير الضغوطات يمكن أن يكون كبيرًا ويسبّب زلازل”. وأضاف: “العملية قطعت وخلصت ولكن نحن نوعّي المواطنين والمسؤولين طبعًا على أن ما يحدث يجب ألّا يعاد لأنه يمكن أن يستحثّ هزات أرضية أكبر من 6 أيار (كسروان) أو 3 حزيران، زحلة-البقاع”. وأمل أن يمنع النقاش الدائر حول الموضوع حدوث تفجيرات مماثلة، مشيرًا إلى أنّ هناك تفجيرات تحصل في كسارات ومقالع يقولون إنها مقفلة.

ويدعم د. نمر تحذيراته بنشر بيانات على حسابه على تويتر توثّق وجود 1294 حالة  حول العالم عن أحداث زلزالية تسببت بها أنشطة بشرية منذ العام 1838 ولغاية اليوم. وتبيّن هذه البيانات كيف تساهم أنشطة الكسارات والمقالع والمحاجر وكذلك بناء السدود في التسبّب بزلازل.  (مجمل تفاصيل الأنشطة مرفقة على هذا الرابط http://inducedearthquakes.org).  

وفي محاولة لربط مواقع الكسارات والمقالع مع أماكن تواجد الفوالق الزلزالية الرئيسية في لبنان، يتبيّن أنّ العديد من كسارات منطقة ضهر البيدر قريبة من فالق اليمونة، فيما تقع المتركّزة منها على السفح المطلّ على البقاع على فالق اليمونة، كما هو الحال مع كسارات زحلة التي تقع على فالق اليمونة أيضًا، ومعها بعض الكسارات في جنوب لبنان. وتقع كسارات عديدة أخرى بالقرب من فوالق كبيرة أو صغيرة أيضًا كما تبيّن الخريطة المرفقة. 

الخريطة المرفقة تُظهر مواقع المقالع والكسرات وكامل الفوالق على امتداد الأراضي اللبنانية.

من جهتها، تؤكّد الأمينة العامة للمركز الوطني للبحوث العلمية الدكتورة تمارة الزين أنّه “حتى الآن لا يوجد إثبات علمي على تحريك الكسارات والمقالع للفالق الزلزالي، بينما نوثّق أنّ قسمًا من الموجات التي نسجّلها ينتج عن تفجيرات الكسارات والمقالع، وآلة التسجيل في المركز تسجّل هزّة، والمراصد الأجنبية تتحدث عن هزّة مفتعلة وهزّة طبيعية. ولكنّها في التوصيف العلمي تبقى هزّة”. وتضيف: “نحن أحيانًا حين نلحظ وتيرة مرتفعة في ساعات النهار كما سبق وتبيّن في دراسة مركز بحنّس، نستنتج أنّه علميًا هناك جزءًا من هذه الهزّات ناتجة عن المقالع والكسارات، أي النشاط البشري”. ولكن د. الزين تؤكّد أنّه بإمكان المركز، وبمراقبة دقيقة، الفصل بين طبيعة هزّة وأخرى (طبيعية أم تفجير)، وتلفت إلى أنّ مركز بحنّس لم يصدر نشرة رسمية حتى الآن بشأن هزّة زحلة بانتظار انتهاء التحقيقات الأمنية “برغم أنّنا جزمنا عبر محطتنا في زحلة أنّها هزّة طبيعية، ولكننا تركنا هامشًا بنسبة 1% للخطأ العلمي لأنّ بعض سكان المنطقة قالوا إنّهم سمعوا صوت تفجير، وبالتالي فضلنا انتظار التحقيقات الأمنية”.

يذكر أنّ رئيس لجنة البيئة النيابية النائب غياث يزبك أعلن بعد اجتماع اللجنة أمس الثلاثاء في 13 حزيران 2023 في المجلس النيابي أنّ ممثلي القوى الأمنية الذين حضروا الاجتماع أبلغوا اللجنة عدم انتهاء التحقيقات في ما إذا كانت هزّة زحلة ناتجة عن تفجير في كسارات ومقالع المنطقة أم هزّة طبيعية، مشيرًا إلى تشكيل لجنة تحقيق في الموضوع عمادها نوّاب من اللجنة نفسها.

وتوافق د. براكس الدكتورة الزين لناحية عدم وجود إثبات علمي لغاية اليوم على تسبّب تفجيرات المقالع والكسارات بتحريك الزلازل، وتعود إلى دراسة المركز حول مراقبة النشاط الزلزالي على مدى 20 عامًا لتقول “بيّنت الدراسة كثافة في تسجيلات المحطات الزلزالية في ساعات العمل من 8 صباحًا ولغاية 5 بعد الظهر، وتحدث ذروة هذا النشاط ما بين الساعة 10 صباحًا و3 من بعد الظهر”. وعند عرض مواقع هذا النشاط، وفق د. براكس على وزير البيئة في حكومة تصريف الأعمال ناصر ياسين، تبيّن تركُز النشاط في المناطق التي تتواجد فيها الكسارات والمقالع في الشمال والجنوب وجبل لبنان. ولفتت براكس إلى أنّ أعلى تفجير سجّله مركز بحنّس هو تفجير مرفأ بيروت الذي يمكن تشبيهه بهزّة بقوّة 3.5 درجات على مقياس ريختر، وأضافت “نحن  لا نضع هذه التسجيلات مع سجلّ الهزّات الأرضية لأنّنا نرصدها عبر عدد من المحطات القريبة من موقع التفجير، بينما تُسجّل الهزّات الأرضية في محطات المركز على الأراضي اللبنانية كافة، كما أنّ شكل الموجات الناتجة عن النشاط البشري مختلف عن شكل الهزّة الطبيعية”. وتوجّهت براكس إلى سكان لبنان بالقول إنّ “الهزّات الأرضية تصدر أصواتًا عندما تصل موجاتها إلى سطح الأرض، ولذا لا يجب أن نعتبر كل صوت عند حدوث هزة أرضية هو صوت تفجير كسارات”.

 مستحقات الدولة على الكسارات والمقالع

 بينت دراسة هي الأولى من نوعها تقودها وزارة البيئة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أنّ قيمة مستحقات الخزينة من قطاع المقالع والكسارات والمرامل تلامس في حدها الأدنى عتبة 2.4 مليار دولار عن الكميات المستخرجة بين 2007 و2018. ويؤكّد الوزير ناصر ياسين لـ “المفكرة” أنّ الدراسة تحتسب قيمة الرسوم والضرائب، والتدهور البيئي، وكلفة تأهيل المواقع المتضررة بيئيًا بناء على تفكيك لمعطيات مرتبطة بـ 1235 موقعًا على كامل الأراضي اللبنانية، بناء على مسح نفّذه الجيش اللبناني، مشيرًا إلى أنّ 10% من مواقع المقالع والكسارات متعدّية على عقارات الدولة اللبنانية، و15% تشتغل على أراضٍ غير ممسوحة وملكيتها غير معروفة.

وردًا على سؤال لـ “المفكرة” عن سعر الصرف الذي احتسبت هذه المبالغ-المستحقات على أساسه، أشار ياسين إلى أنه تم احتسابها على سعر صرف الليرة اللبنانية قبل الانهيار، أي على سعر 1500 ليرة للدولار، وقبل وصول الدولار اليوم إلى عتبة 100 ألف ليرة. ولكن هل تعتقد وزارة البيئة أنّ أصحاب المقالع والكسارات سيدفعون هذه المبالغ بالدولار كما هي محدّدة؟ يجيب ياسين أنّ كلفة التدهور البيئي وكلفة إعادة تأهيل المواقع المتضررة ستكون بالدولار بناء على رأي هيئة التشريع والاستشارات في وزارة العدل، مؤكدًا أنّه في حال تمنّع المعنيون عن الدفع سننسّق مع هيئة القضايا في وزارة العدل للتصرّف تجاههم قضائيًا”، مضيفًا أنّ مستحقات الدولة على المقالع والكسارات ستدرج ضمن مشروع الموازنة الجديدة.

ولفت وزير البيئة إلى أنّ الوزارة طلبت من مصرف لبنان فتح حساب خاص بها لاستيفاء هذه الرسوم بالدولار، مؤكدًا أنّه يتمّ البحث في إمكانية البدء باسترداد نسبة 10% من الأراضي المتعدى عليها والعائدة للدولة اللبنانية، بموازاة التحقيق في ملكية نسبة الـ 15% من الأراضي غير المعروفة ملكيتها ويتعدّى عليها أصحاب المقالع والكسارات.  

انشر المقال

متوفر من خلال:

بيئة ومدينة ، تحقيقات ، أملاك عامة ، لبنان ، بيئة وتنظيم مدني وسكن



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية