شورى الدولة ينتصر للشرعية بشأن المقالع والكسارات: ماذا بعد؟


2023-06-15    |   

شورى الدولة ينتصر للشرعية بشأن المقالع والكسارات: ماذا بعد؟
المتحدثون في المؤتمر الصحافي من اليمين إلى اليسار: رئيس بلدية أميون مالك فارس، نائب رئيس اتحاد بلديات الكورة ربيع الأيوبي ورئيس جمعية وصيّة الأرض فارس ناصيف ومدير المفكرة القانونية نزار صاغية

ألقيت هذه الكلمة في المؤتمر الصحافي “ثلاثة أحكام تثبت عدم قانونية الكسارات، ماذا بعد؟” الخميس 15 حزيران 2023 في بلدية أميون وهو من تنظيم اتحاد بلديات الكورة وجمعية وصيّة الأرض والمفكرة القانونية.

أصدر مجلس شورى الدولة (الغرفة الخامسة) في تاريخ 20/04/2023 قرارًا بإبطال قرار مجلس الوزراء الصادر في 15/2/2022 بمنح مهل إدارية لشركات الترابة. وكانت الغرفة نفسها أصدرت قرارين آخرين في 19/1/2022 ذهبا في الاتّجاه نفسه لجهة عدم قانونية القرارات ألحكوميّة بمنح مهل إدارية، سواء صدرت عن وزارة الداخلية أو عن الحكومة جمعاء. وقد اعتبر مجلس شورى الدولة بنتيجة ذلك أنّه ليس لأيّ كان أن يستثمر مقالع من دون الالتزام بشروط المرسوم 8803/2002 ومنها الشروط التي تفرضها حماية البيئة وعدم جواز استثمار أي مقلع خارج الأماكن المحددة على خرائطه والحصول على ترخيص من المرجع المختص. تبعًا لذلك، نستشف من قرارات شورى الدولة ومن انعدام التراخيص الممنوحة على أساس المرسوم 8803، أنّ قطاع المقالع كله خارج عن القانون. وعليه، جاز القول إنّ هذه القرارات لا تتّصل بخطأ ارتكبته هذه الحكومة أو تلك، هذا الوزير أو ذاك، إنّما بخروج ممنهج شبه شامل عن النظام القانوني والشرعية. 

وقد توصّل مجلس شورى الدولة إلى هذه النتيجة بعدما ردّ الذرائع التي أدلى بها ممثلو الدولة، لجهة وجود عرف بمنح مهل إدارية أو أيضًا لوجود ظروف استثنائية. فقد اعتبر أنّ التذرّع بوجود “أعراف إدارية” لا يستقيم “في ظلّ وجود أنظمة صريحة تمنع منح المهل الإدارية للمقالع والكسّارات”. كما اعتبر المجلس عدم جواز التذرّع بوجود ظروف استثنائية، طالما أنّ هذه النظرية تنطبق فقط في حال كانت الإدارة في وضع يستحيل معه عليها التقيّد بمبدأ الشرعية وفي الحالات التي تستدعي اتخاذ تدابير ضرورية لمواجهة ظرف استثنائي (حرب، كارثة طبيعية…) وبحدود ما تفرضه من دون توسّع في المكان أو الزمان. وقد أثار المجلس ببلاغة كليّة عنصرًا ثالثًا لردّ التذرّع بهذه الظروف وهو “أن يكون الهدف الذي تمّت من أجله التضحية باحترام قواعد الاختصاص ومبدأ الشرعية هدفًا على درجة عالية من الأهميّة لتبرير هذه التضحية كحماية الأمن العام وإعادة الانتظام العام واستمراريّة المرافق العامة الأساسية على الصعيد الوطني أو المحلي”. ويكتسي التذكير بهذا العنصر أهمية خاصّة في قضية الكسارات، وبخاصّة في ظل ضخامة المصالح التي تمّ التضحية بها وفي مقدمتها الحقوق بالبيئة والصحة. وقد جاء تقرير وزير البيئة ناصر ياسين الصادر في تاريخ 2 حزيران 2023 ليوثق، فضلًا عن ذلك، التضحية بالحقوق المالية للدولة لجهة استيفاء الرسوم والغرامات من دون الحديث عن الأضرار الجسيمة التي طرأت على الجبال المملوكة من الدولة؛ وهي أضرار قدّرها التقرير بمليارين وأربعمائة مليون دولار أميركي أي بمبلغ يقارب ما ترجو الدولة الحصول عليه اليوم من صندوق النقد الدولي للتهيّؤ للخروج من الانهيار. وقد جاءت التقارير العلمية بشأن إمكانية ارتباط الهزّات الحاصلة بلبنان بنشاط المقالع لتزيد من حجم التضحية غير المبرّرة إطلاقًا.   

أثناء المؤتمر الصحافي

يشار أن مجلس شورى الدولة لم يكتفِ في متن قراراته بوصف الممارسة على أنّها ممارسة غير قانونية إنّما ذهب أبعد من ذلك في اتجاه توصيفها على أنّها تغطية حكومية على جريمة بيئية، بعدما ذكر أنّ استثمار مقالع من دون ترخيص يشكّل جرمًا جزائيًا. وهذا ما ورد في قراراته بوضوح حيث اعتبر أنّ منح الحكومة “مهلًا إدارية للمقالع والكسارات العاملة خلافًا لأحكام المرسوم 8803/2002” إنّما يشكّل “طريقة غير مباشرة لتأمين غطاء شرعي، ومخالف للأنظمة مرعية الإجراء، يكون بديلًا للمبدأ العامّ الذي هو الترخيص القانوني، ويتيح لمؤسّسات لم تستحصلْ على ترخيص قانونيّ أو لا تستوفي الشّروط المفروضة قانونًا، متابعة استثمارها رغم ذلك”.

جانب من الحضور في المؤتمر الصحافي في بلدية أميون

تبعًا لذلك، وأمام هذا الملف الذي ما فتئ يتضخّم، يهمّنا إبداء الملاحظات الآتية: 

الأولى، أنّ صدور هذه القرارات المتتالية عن مجلس الشورى يسمح لنا بالقول إنّنا بتنا أمام اجتهاد ثابت وراسخ يجعل أي قرار جديد بمنح مهل إدارية بمثابة خروج فاقع عن القانون، يؤمل أن ننجح في حال حصوله، في وقف تنفيذه ضمن أقصر المهل. بمعنى أنّ هذه القرارات أصبحت بمثابة علم أحمر يشهر في وجه أي سلطة إدارية قد تسوّلها نفسها منح مهل إدارية جديدة،  

الثانية، أنّ بناء هذه الترسانة من الأحكام القضائية ما كان ليتمّ لولا إصرار جمعيات بيئية وأبرزها جمعية وصية الأرض والخطّ الأخضر على متابعة هذا الشأن وتقديم الطعن تلو الطعن في اتجاه اكتساب الصفة في المداعاة دفاعًا عن الصالح العام. وهو جهد تمّ استكماله بتدخّل اتّحاد بلديات الكورة للدفاع عن مصالح هذه المنطقة. ويسجّل هنا أنّ اتحاد الكورة تميّز بذلك عن سائر اتحادات المناطق المنكوبة بالمقالع، 

الثالثة، أنّ هذه الترسانة القضائية تفتح لنا أبوابًا عدة لاستكمال العمل القضائي في اتجاه ترميم الأضرار الحاصلة. وهذا ما أكّد عليه مجلس شورى الدولة في قراراته مذكّرًا أنّ إبطال المهل الإدارية إنّما يفتح مجالًا أمام أي متضرّر من استثمار المقالع للمطالبة بتعويضات. وهذه التعويضات قد تأخذ طابعًا شخصيًا أو جماعيًا، كأن يطالب بها اتّحاد البلديات أو البلديات أو الجمعيات البيئية. كما أنّ هذه الترسانة تفتح الباب أمام محاسبة المسؤولين وأصحاب المقالع وكل من صرف نفوذه أو استغلّ سلطته. وقد تعزّزت هذه الترسانة بتقرير وزير البيئة المذكور أعلاه، والذي يؤمل أن يتمّ استكماله من خلال إجراءات عملية من قبل ديوان المحاسبة وهيئة القضايا. فمن يتحمّل الخسائر المادية والبيئية الحاصلة بفعل هذه المخالفات الجسيمة؟ ومن يعيد للدولة مواردها المهدورة وهي اليوم في أمسّ الحاجة إليها؟ 

أخيرًا، وهذا هو الأهم، تشكّل اليوم إدارة هذا القطاع أحد أهم التحدّيات لإعادة الانتظام العام وحماية البيئة والمال العام. وتعهّدنا ونتعهّد كمفكرة قانونية أن نبقى مع شركائنا ضمن القوى العاملة على بذل قصارى الجهد كي يكون غدُنا في كلّ ذلك مختلفًا عن الماضي والحاضر.

من المؤتمر الصحافي في بلدية أميون

للاطلاع على القرار الأول: اتحاد بلديات الكورة ضد حكومة الحريري، اضغطوا هنا

والقرار الثاني: وصيّة الأرض ضد الوزير فهمي، اضغطوا هنا

والقرار الثالث: وصيّة الأرض والخط الأخضر ضد الدولة، اضغطوا هنا

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، بيئة ومدينة ، أملاك عامة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية