محكمة النقض بالمغرب تحسم سلباً في بنوة الطفل الطبيعي


2021-04-20    |   

محكمة النقض بالمغرب تحسم سلباً في بنوة الطفل الطبيعي
رسم رائد شرف

بعد مرور حوالي ثلاث سنوات على صدور أول حكم قضائي بالمغرب يقر ببنوة الإبن الطبيعي لأبيه البيولوجي، ويلزمه بدفع تعويض لأمه، وهو الحكم القضائي الذي أثار جدلا واسعا بين الأوساط القانونية والفقهية والحقوقية بالبلاد، حسمت محكمة النقض المغربية[1] موقفها من هذه القضية حيث أيدت قرارا استئنافيا قضى بإلغاء الحكم الابتدائي.

وكان مثيرا في مضامين قرار محكمة النقض الذي تنشره المفكرة القانونية، تطرقه لإشكالية ترجيح الاتفاقيات الدولية على القانون الداخلي طبقا لما تنص عليه أحكام الدستور.

ملخص القضية

تعود فصول القضية إلى تاريخ 24/06/2016 حينما تقدمت امرأة بمقال افتتاحي أمام قسم قضاء الأسرة بطنجة-شمال المغرب-، تعرض فيه بأنها أنجبت من المدعى عليه بنتا بتاريخ 27/11/2014، وأنه يماطل في الاعتراف بنسبها، رغم ثبوته بمقتضى خبرة جينية. والتمست المدعية من المحكمة الحكم ببنوة الطفلة لأبيها، والحكم عليه بأداء نفقتها، وأداء تعويض مالي، معززة طلبها، بعقد ازدياد البنت، وتقرير خبرة جينية صادر عن الشرطة العلمية.

وأجاب المدعى عليه، أن الحمل الذي تدعيه المدعية ناتج عن علاقة فساد (المقصود به زنا)، وأن المحكمة الابتدائية قد أدانته من أجل جنحة الفساد بشهر موقوف التنفيذ، وأن اجتهاد محكمة النقض مستقر على أن الزنا أو الاغتصاب الناتج عنهما حمل لا يلحق بالفاعل ولو ثبت بيولوجيا أنه خلق من نطفته، لأن البنوة الشرعية لها أسبابها الواردة على سبيل الحصر، وليس من بينها علاقات الفساد أو الاغتصاب، ملتمسا رفض الطلب.

وبتاريخ 30/01/2017، قضت المحكمة الابتدائية بطنجة بقبول طلب المدعية، والحكم بثبوت بنوة الطفلة لأبيها البيولوجي، وإلزامه بأداء تعويض للأم قدره 100.000 درهم، أي ما يعادل حوالي 10.000 دولار.

وبتاريخ 09/10/2017 أصدرت محكمة الاستئناف بطنجة، قرارا قضى بإلغاء الحكم الابتدائي بعد استئنافه من طرف الأب البيولوجي الذي أثار في مذكرته الاستئنافية خرق الحكم الابتدائي لمقتضيات مدوّنة الأسرة التي تنصّ أن البنوة غير الشرعية ملغاة بالنسبة للأب.

قضية بنوة الابن الطبيعي أمام محكمة النقض

تقدمت المدعية بطلب نقض قرار محكمة الاستئناف الذي ألغى حكم البنوة، وأعابت عليه خرقه لمقتضيات الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب. وقد اعتبرت أنّ ما استند عليه الحكم من كون “البنوة تستوي آثارها للأم سواء كانت ناتجة عن علاقة شرعية أو غير شرعية، بينما لا ترتب أي أثر في حق الأب إن كانت غير شرعية”،

يعد خرقا لمبدأ المساواة المنصوص عليه في الدستور وفي الإعلان العالمي لحقوق الانسان، والعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. كما رأت أن الحكم المطعون فيه يخالف مقتضيات المادة 7 من اتفاقية حقوق الطفل التي تعطيه الحق في معرفة والديه. وأضافت مذكرة النقض أن قرار محكمة الاستئناف مخالف لأحكام الدستور، الذي تنص ديباجته، على جعل الاتفاقيات الدولية التي صادق عليها المغرب تسمو فور نشرها على التشريعات الوطنية، وأنه من ثمّ أصبح القضاء ملزما بتطبيق الاتفاقيات الدولية المذكورة عند تعارضها مع النص الوطني.

من جهة أخرى، أثارت مذكرة النقض خرق القرار الاستئنافي لمقتضيات الفصل 77 من قانون الالتزامات والعقود حينما قضى بعدم مشروعية التعويض المحكوم به من طرف المحكمة الابتدائية، لأن أركان المسؤولية التقصيرية متوفرة. فالركن المادي للاعتداء يتمثل في ازدياد طفلة وتحميل المدعية المسؤولية وحدها تجاهها، وأن الضرر اللاحق بالطفلة وبالأم ثابت من خلال تهرب الأب البيولوجي من تحمل تبعة فعل ساهم فيه، واستمراره في الإنكار رغم ما تثبته الخبرة الجينية، كما أن العلاقة السببية ثابتة.

محكمة النقض تحسم موقفها من بنوة الابن الطبيعي

قضت محكمة النقض بتأييد الحكم الاستئنافي الصادر عن محكمة الاستئناف بطنجة والذي ألغى أول حكم يقضي ببنوة الابن الطبيعي وبتعويض لأمه، معتمدة على العلل التالية:

  • مبدأ سمو الاتفاقيات الدولية المصادق عليها على التشريعات الداخلية المنصوص عليه في ديباجة الدستور مشروط بضرورة العمل على ملاءمة هذه التشريعات مع ما تستوجبه عملية المصادقة عليها؛
  • الفصل 32 من الدستور ينص على أن “الأسرة القائمة على علاقة الزواج الشرعي هي الخلية الأساسية للمجتمع”، والفصل 148 من مدونة الأسرة ينص على أنه: “لا يترتب عن البنوة غير الشرعية بالنسبة للأب أي أثر من آثار البنوة الشرعية”، مما يجعل الحكم ببنوة الطفلة المولودة خارج إطار الزواج لأبيها البيولوجي حكما غير مبرر لا شرعا ولا قانونا؛
  • الفصل 32 من الدستور ينصرف إلى المساواة بخصوص التمتع بالحقوق المدنية وتوفير الحقوق التي خولها المشرع كل في الإطار الذي حدده القانون؛
  • محكمة الاستئناف طبقت قواعد القانون وقواعد الفقه الإسلامي التي تعد بدورها بمثابة قانون، وهي تقرّ بأن ولد الزنا يلحق بالأم لانفصاله عنها بالولادة، بغض النظر عن سبب الحمل شرعي أو غير شرعي، ولا يلحق بالأب.

وعليه قضت محكمة النقض بموجب قرارها الصادر بتاريخ 29/09/2020 برفض طلب النقض المقدم من طرف المدعية.

تعليق على قرار محكمة النقض

يعد موقف محكمة النقض من الاجتهاد القضائي المتعلق ببنوة الطفل الطبيعي لأبيه البيولوجي وحق الأم في التعويض، استمرارا لموقف هذه المحكمة من قضايا إثبات النسب وهو موقف محكوم بالتشبث بحرفية النص القانوني استنادا على مرجعية فقهية تقليدية.

ومن المعلوم أن محكمة النقض قبل صدور مدونة الأسرة كانت ترفض تماما اعتماد الخبرة الجينية في قضايا النسب، رغم مصداقيتها العلمية، متشبثة في ذلك بحرفية الفصل 91 من مدونة الأحوال الشخصية الذي ينص على أنه: “يعتمد القاضي في حكمه على جميع الوسائل المقررة شرعا في نفي النسب”.[2] وكانت تعتبر تبعا لذلك الخبرة الجينية وسيلة غير مشمولة بعبارة “الوسائل المقررة شرعا” طالما أن الفقه الإسلامي لم يكن يعرف الخبرة الجينية، وهو ما أدى الى صدور قرارات تتصف بالغرابة؛[3]

سبق لعدد من محاكم الموضوع في ظل مدونة الأحوال الشخصية أن قضت بثبوت نسب الأطفال المزدادين خلال فترة الخطوبة لأبيهم اعتمادا على فتوى من الفقه الحديث. لكن محكمة النقض حينئذ سرعان ما نقضت هذه الأحكام متمسكة بقاعدة الولد للفراش، قبل أن يتحول هذا الاجتهاد إلى نص قانوني في مدونة الأسرة[4].

يلاحظ أن جزءا من الجدل القانوني في موضوع الدعوى انصبّ على مدى دستورية الفصل 148 من مدونة الأسرة الذي ينص أنه: “لا يترتب عن البنوة غير الشرعية بالنسبة للأب أي أثر من آثار البنوة الشرعية”. فقد اعتبرت عريضة النقض أن هذه المادة تخرق مبدأ المساواة المنصوص عليها في الدستور بين الأم والأب وبين الأطفال، وقد ردت محكمة النقض على هذا الدفع بكون “أحكام الفصل 32 من الدستور تنصرف إلى المساواة بخصوص التمتع بالحقوق المدنية وتوفير الحقوق التي خولها المشرع كل في الإطار الذي حدده القانون”، علما بأن اختصاص البتّ في مدى دستورية القوانين يعود إلى المحكمة الدستورية، وليس لمحكمة النقض، وهو ما يثير إشكالية التأخر في إخراج قانون الدفع بعدم دستورية القوانين إلى حيز الوجود؛

قدمت محكمة النقض تفسيرها لمبدأ سمو الاتفاقيات الدولية على التشريع الداخلي حينما اعتبرت أن مبدأ السمو يقتضي العمل على ملاءمة التشريعي الداخلي مع مستلزمات المصادقة على الاتفاقيات الدولية، وكأـنها تجعل مهمة التطبيق الفوري للاتفاقيات الدولية المصادق عليها من مهام المشرع وليس القضاء، وهو موقف يختلف عن الخطاب الرسمي الذي تعبر عنه محكمة النقض في افتتاح السنة القضائية ونماذج الاجتهادات القضائية التي تعرضها بالمناسبة والتي تكرس أعمال المحاكم بشكل مباشر لمبدأ سمو الاتفاقيات الدولية على التشريع الداخلي.

من المنتظر أن يفتح قرار محكمة النقض نقاشا عموميا حول وضعية الأطفال المزدادين خارج إطار مؤسسة الزواج، تزامنا مع المطالب المتعددة من فعاليات المجتمع المدني بتعديل مدونة الأسرة بعد مرور 17 سنة من صدورها، وإطلاق حملات للترافع لدعم الأمهات العازبات من طرف عدة جمعيات نسائية من تيارات فكرية مختلفة.

وتجدر الإشارة الى أن التقرير السنوي الأخير للمجلس الوطني لحقوق الانسان أوصى بضرورة حماية حق الأطفال في النسب بغض النظر عن الوضعية العائلية للوالدين[5].

 

 

مواضيع ذات صلة

سابقة قضائية في المغرب: الإعتراف ببنوة الطفل الطبيعي من أبيه والتعويض لأمه

القضاء المغربي ينتصر للمرة الثانية لحق الطفل الطبيعي في انتسابه لأبيه

محكمة الاستئناف تلغي أول حكم بأبوة طفلة مولودة خارج الزواج: هل آن الأوان لتعديل مدونة الأسرة؟

القضاء المغربي يقرّ حق أم عازبة في الحصول على دفتر عائلي

الولادات خارج اطار مؤسسة الزواج سبب لتنامي ظاهرة أطفال الشوارع بالمغرب

مكانة الشريعة الإسلامية في تشريعات المغرب في ظل الدستور الجديد: استيعاب التناقضات في إطار التوافق وتحكيم “أمير المؤمنين”

مُتبنّون يطالبون بحق معرفة جذورهم، مطالب خاصة في طور التحول الى قضية عامة في لبنان

التبني في تونس من مفخرة تشريعية الى موضوع سؤال

  1. – قرار عدد 275/1 بتاريخ 29/09/2020، في ملف شرعي عدد 365/2/1/2018.
  2. – أنظر لمزيد من التفاصيل:-محمد الكشبور: البنوة والنسب في مدونة الأسرة- قراءة في المستجدات البيولوجية، دراسة قانونية وشرعية مقارنة- مطبعة النجاح الجديدة بالدار البيضاء، الطبعة الأولى 2007.-خالد برجاوي: قواعد إثبات النسب في المغرب بين تطور العلم وجمود القانون، مقال منشور بالمجلة المغربية للإدارة والتنمية، العدد 50، سنة 2003.
  3. -من أمثلة هذه القضايا الغريبة، حالة زوج مغربي يقيم بالخارج انفصل عن زوجته دون أن ينجبا أي أبناء، وبعد مرور سنوات لجأت مطلقته الى القضاء المغربي للحصول على حكم بالنفقة لفائدة ابنتها المزدادة داخل سنة من تاريخ الطلاق، وأدلى الزوج بتقرير طبي يؤكد كونه عقيم، ملتمسا رفض الطلب، أو اجراء خبرة طبية لنفي نسب البنت عنه، لكن القضاء المغربي قضى بنفقة البنت، ورفض طلب نفي النسب، معتمدا على أن أقصى أمد الحمل هو سنة من تاريخ الطلاق، وأن الأب كان عليه أن يبادر باللجوء الى اللعان، لا أن يطالب بإجراء الخبرة الجينية، لكونها لا تدخل ضمن الوسائل المقررة شرعا، وجاء في قرار محكمة النقض بهذا الخصوص:” فيما يتعلق بالفرع الرابع من الوسيلة الأولى مع الوسيلة الثانية المتعلقتين بعدم الجواب على دفوع العارض وانعدام التعليل وعدم الإرتكاز على أساس وخرق الفصل 345 من قانون المسطرة المدنية، ذلك أن العارض أدلى بقرار صادر بتاريخ: 10/07/2000 عن محكمة المنازعات الكبرى بملهوز بفرنسا، وبعد خبرة طبية تفيد بأن البنت المطلوب نفقتها من طرف المدعية ليست من صلبه، وأصبح الحكم بنفي نسب البنت باتا ووقع التشطيب عليها من سجل الحالة المدنية لأبيها وأصبحت تحمل إسم أمها، والقرار المطعون فيه لها أدلى به العارض ولما اثبته القرار الصادر عن القضاء الفرنسي المذكور مع ملاحظة ان المغرب مرتبط باتفاقية مؤرخة في 10/08/1981 مع الجمهورية الفرنسية وذلك حتى لاتصدر قرارات متناقضة …”وقد رفض المجلس الأعلى هذا الطعن بناء على مايلي:” لكن حيث إن المحكمة المطعون في قرارها قد بنت قضاءها على أنه إذا ولدت الزوجة بعد فراق يثبت نسب الولد إذا جاءت به خلال سنة من تاريخ الفراق، مع مراعاة ما ورد في الفصل 76 من مدونة الأحوال الشخصية المطبقة على النازلة والذي يتضمن أن أقصى أمد الحمل هو سنة من تاريخ الطلاق أو الوفاة وأنه ثبت أن الطالب قد طلق زوجته المطلوبة بمقتضى رسم الطلاق المؤرخ في 02/02/1996، كما ثبت من عقد الإزدياد رقم 004080/96 بتاريخ 17/09/1996 الصادر عن مكتب الحالة المدنية لمدينة ملهوز بفرنسا بذلك فإنها قد ولدت داخل سنة من تاريخ الفراق، وأن نسبها ثابت لأبيها طبقا للفصل 76 مؤيدة الحكم الإبتدائي فيما قضى به معللا بأن الحكم الأجنبي المحتج به الصادر عن محكمة المنازعات الكبرى بملهوز بفرنسا بتاريخ 10/07/2000 حكم بأن المدعى عليه ليس أبا للطفلة المزدادة بتاريخ 13/09/1996 بملهوز اعتمادا على دراسة الدم وتحليله لنفي نسب البنت المذكورة عن المدعى عليه إلا أن ذلك مخالف لمقتضيات الفصل 76 المذكور كما أنه كان في وسع الزوج الطاعن نفي النسب عن طريق اللعان.وحيث إن الإتفاقية المتعلقة بحالة الأشخاص والأسرة وبالتعاون القضائي بين المملكة المغربية والجمهورية الفرنسية الموقعة بالرباط في ” 10/08/1981 المستدل بها، فإن فصلها الرابع من مقتضياتها العامة نص على أنه: ( لايمكن العدول عن تطبيق قانون إحدى الدولتين المحدد بمقتضى هذه الإتفاقية من طرف محاكم الدولة الأخرى إلا إذا كان منافيا بصورة واضحة للنظام العام) والمحكمة المطعون في قرارها لما اعتبرت استدلال الطالب بالاتفاقية المذكورة في غيره واستبعدتها ضمنا لكون القضية تخضع لمقتضيات الباب الأول من الكتاب الثالث من قانون مدونة الأحوال الشخصية… وبالتالي فإن القرار المطعون فيه جاء معللا تعليلا كافيا مما يكون معه الفرع والوسيلة المذكوران أعلاه على غير أساس”.

    -قرار المجلس الأعلى عدد: 658 المؤرخ في 30/12/2004 ملف عدد: 556/2/1/2003 المنشور بمجلة الملف العدد: 7 أكتوبر 2005، ص 232 .

  4. – أنس سعدون: النسب الناتج عن الخطبة، مكتبة دار السلام بالرباط، الطبعة الأولى 2012.
  5. – التقرير السنوي للمجلس الوطني لحقوق الانسان لسنة 2019، ص 36.
انشر المقال



متوفر من خلال:

تشريعات وقوانين ، جندر ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، حركات اجتماعية ، حقوق الطفل ، دستور وانتخابات ، سلطات إدارية ، قرارات قضائية ، لبنان ، محاكم مدنية ، مساواة



لتعليقاتكم