ماذا تعلّمنا من سنة كورونا الأولى؟ وكيف نوظّف ما تعلّمناه؟


2021-01-21    |   

ماذا تعلّمنا من سنة كورونا الأولى؟ وكيف نوظّف ما تعلّمناه؟
رسم رائد شرف

بدا بعيداً عنّا في البداية، ذلك الوباء الذي بدأ بالتفشّي شرقاً. ظننا أنفسنا مُحصّنين من أنيابه. سُجّلت أولى الحالات في لبنان أواخر شهر شباط 2020 وقيل لنا إنّه “لا داعي للهلع”. لكنّ الوباء تحوّل إلى جائحة وتفشّى الهلع في أجواف البلد محقوناً بفراغ الثقة في الحكومة وفي مؤسّسات الدولة. وكان الهلع قد سبق الوباء بأشهر عندما انهارت العملة الوطنية وحُجزت، غصباً، أموالنا في المصارف وثارت البلاد. ومع أولى الحالات، سارعت بعض المؤسّسات الخاصّة إلى استباق الإجراءات الحكومية، فأقفلت طوعاً وطلبت من أجرائها المكوث في منازلهم. وفي مساء الأحد الواقع في 8 آذار 2020، باشرت القوى الأمنية إقفال الحانات والمطاعم والمقاهي في مختلف أحياء بيروت كإجراء وقائي للحدّ من انتشار كورونا. “انقضى على الثورة” قال لي أحد أصدقائي في ذلك المساء. فلبنان ما قبل كورونا كان في حالة غليان ثوري منذ 17 تشرين الأول 2019. كم يبدو بعيداً ذاك الزمن. “من يجرؤ أن ينضمّ إلى تظاهرة بعد اليوم” أضاف صديقي متسائلاً.

وبعد أسبوع تماماً وتحديداً في 15 آذار، أعلنت حكومة حسان دياب التعبئة العامّة، مُصدرة مرسوماً خاصّاً بإعلان التعبئة العامّة[1]، سنداً لقانون الأمراض المعدية[2] وقانون الدفاع الوطني[3]. وقد نصّ المرسوم على سلسلة من الإجراءات تهدف إلى الحدّ من انتشار الوباء، أهمّها: التزام المواطنين منازلهم وعدم الخروج منها إلّا “للضرورة القصوى”، ومنع التجمّعات في الأماكن العامّة والخاصّة على اختلافها، وإقفال جميع المرافئ الجوية والبحرية والبرية، والإدارات والمؤسّسات العامّة والبلدية والمصالح المستقلّة والجامعات والمدارس الرسمية والخاصّة، باستثناء البعض منها لتلبية حاجات المواطنين، وتعليق العمل في الشركات والمؤسّسات الخاصّة والمحلّات التجارية على اختلافها ومكاتب أصحاب المهن الحرّة مع مراعاة الضرورة القصوى المرتبطة بالعمل بالتنسيق مع نقابات المهن الحرّة. وسرعان ما عادت رئاسة مجلس الوزراء وأصدرت في 21 آذار قراراً بالتعليمات التطبيقية للمرسوم[4] أوجبت فيه قيادة الجيش والمديرية العامّة لقوى الأمن الداخلي والمديرية العامّة للأمن العام والمديرية العامّة لأمن الدولة وجميع البلديات واتحاداتها، التشدّد في تطبيق أحكام المرسوم المذكور، مع اتّخاذ الإجراءات اللازمة الفوريّة لملاحقة المخالفين أمام المراجع القضائية المختصّة، عملاً بأحكام المادتين 604 و770 من قانون العقوبات.

وفي حين تبيّن بداية أنّ الإجراءات المتّخذة من قبل الحكومة تتوافق مع التوجّه العالمي إزاء سياسة “العزل الذاتي” والبقاء في المنزل والحدّ من التنقّل وما أظهرته الدراسات الأوّلية من نجاح تلك السياسة في احتواء كورونا والحدّ من انتشارها من خلال تسطيح منحنى الإصابات (flatten the curve)، إلاّ أنّه سرعان ما ظهرت تداعيات هذه الإجراءات المؤذية على الأصعدة السياسية والمعيشية والاجتماعية. وسبق أن تناولت هذه التداعيات وكيفية إدارة الحكومة للأزمة الصحّية في سلسلة مقالات نقدية تحت عنوان “الهلع والقانون في زمن كورونا[5] نُشرت في الأشهر التي تلت إعلان التعبئة العامّة. أمّا المقالة الرّاهنة، فتقدّم تقييماً لرصيد سنة كورونا الأولى، وهي الأولى لأنّ كلّ المؤشرات تدلّ على أنّ كورونا سيرافقنا لبعض الوقت (بعيداً عن أوهام حصولنا على لقاح فعّال وآمن يُبيده بسحر ساحر). ووفق بعض التوقّعات[6] سنصل إلى ذروة الموجة الثانية من الوباء في لبنان بين أواخر كانون الأول 2020 وأوائل كانون الثاني 2021. وعليه، يقتضي البحث في ما تعلّمناه من سنة كورونا الأولى وكيف يمكن تطوير إدارة تلك الأزمة لمواجهته بشكل شامل ومستدام.

فما هي تداعيات إجراءات الحكومة للحدّ من تفشّي الوباء على الأصعدة السياسية والمعيشية والاجتماعية؟ كيف تمّ توظيفها للتطبيع مع بناء الدولة البوليسية؟ وفي المقابل، كيف يمكن توظيف كورونا لبناء دولة العدالة الاجتماعية؟

(1) توظيف كورونا للتطبيع مع بناء الدولة البوليسية

أتت كورونا بعد أشهر من اندلاع ثورة 17 تشرين. فالبلاد كانت في حالة غليان وكان النظام فيها (بجناحيه السياسي والمصرفي-المالي) عالقاً على شفير الهاوية، في ظلّ انعدام تام للثقة فيه والقطيعة المحتّمة التي كانت تترسّخ بينه وبين سكّان البلد. فشكّلت كورونا والهلع الناتج عنها، أرضاً خصبة للنظام بغية إعادة مدّ مخالبه داخل المجتمع وتحصين مكانته فيه. ومن خلال إيجاد قواعد وإجراءات سلوكية اجتماعية وصحّية جديدة (ذات طابع معنوي) تحت ذريعة مكافحة الجائحة، رسم النظام هندسته المستجدّة للإخضاع فيما تنكّر بزيّ المظلّة المُنقذة من عدوّ غير مرئي، فارضاً معادلة “تخلّوا عن حقوقكم، أُنقذكم من الموت”. وقد تجلّى مسعى الإخضاع في محطّات عدّة، أبرزها الآتية:

  1. استخدام تعابير غامضة في مراسيم التعبئة العامّة مثل عبارَتيْ “[البقاء في المنزل وعدم الخروج إلى المساحة العامّة إلّا للضرورة القصوى” و”منع التجمّعات على اختلافها في الأماكن الخاصّة والعامّة”، ما ترك هامشاً واسعاً لتفسيرها وتالياً لكيفية تطبيق الإجراءات وما يستتبعه من تعسّفٍ وتوسّعٍ، لا سيما في ظلّ إعادة تدوير الثقافة العقابية عبر إجراءات الوقاية من خلال إحالة مرسوم التعبئة العامّة إلى المادة 604 من قانون العقوبات لملاحقة المخالفين[7]. فالغموض يُفيد الطاغية. وسرعان ما توالت المذكّرات والقرارات الوزارية الواحدة تلو الأخرى (بغضّ النّظر عن صوابيّتها أو قانونيّتها)، محوّلةً قواعد السّلوك من موجب معنوي للسكّان إلى أوامر تؤدّي إلى ملاحقة ومعاقبة من يُخالفها. وبذلك، أُلغيَت تدريجياً الإشارة إلى مفهوم الضرورة القصوى لتحلّ محلّها موانع صريحة للخروج إلى المساحة العامّة، ليست بالضرورة مُبرّرة بمقتضى الحفاظ على الصحة العامّة (مثل منع التجوّل ليلاً أو تحديد أيّام لسير المركبات وفق معادلة مفرد-مجوز إلخ.)[8].
  2. توظيف أجهزة الدولة لثقافة الوشاية، لا سيما من خلال تعميم رسم إعلاني أشبه برسومات الأنظمة القمعية الفاشية خلال ثلاثينيّات وأربعينيّات القرن الماضي، تُظهر شرطيّاً بزيّ قوى الأمن الداخلي، يرتدي كمامة على وجهه وينظر إلى المشاهد بتحدّ، حاملاً لافتة تقول “كرمالك وكرمالنا، بلّغ! 112” وأيضاً “لدى مشاهدتك لأيّ مخالفة لقرار التعبئة العامّة، بلّغ فوراً #خلّيك_بالبيت”، على نحو يحوّل الجار والصديق والأخت والأب إلى جواسيس على بعضهم البعض ورهائن بعضهم البعض وأعداء محتملين لمشروع الدولة العليّة. ويصبح إذ ذاك كلّ مواطن شرطياً على الآخر وعين السّلطة الموجودة بشكل كلّي وفي كلّ زاوية.
  3. توظيف الهلع من الوباء إعلامياً، بالتواطؤ بين النظام وبعض وسائل الإعلام التقليدية التي استشرست في تغطيتها للمسألة، متبنّية أسلوباً أبويّاً وترهيبياً وحتى تحريضيّاً إزاء من لا يلتزم البقاء في البيت، ناعتين هؤلاء بالـ”بلا مخ”[9] ومطالبين أجهزة الدولة بالتشدّد في تطبيق الإجراءات المذكورة (بمعزل عن طبيعتها المعنوية على الصعيد القانوني).

يشير الجزء الثالث من سلسلة المقالات المخصّصة لكورونا، إلى أنّه – وفق الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو – في حين تشكّل قواعد وإجراءات السّلوك (مثل إجراءات التعبئة العامّة) درجة أدنى من القانون (infra-droit) ظاهرياً، فهي في الواقع معاكسة تماماً للقانون (contre-droit). ففي حين تكمن إحدى وظائف القانون الأساسية في إعادة توزيع السّلطة من خلال وضع ضوابط لممارستها، تأتي قواعد السّلوك لتقلب الرواية القانونية وتُعيد ترسيخ قواعد الأقوى في العلاقات وروايته عنها. فقواعد السّلوك تستبدل الحقيقة القانونية بحقيقة من هو أقوى. وهو أمر لا يقتصر على العلاقات الخاصّة بين الأفراد فحسب، إنّما أيضاً على مستوى الأنظمة السياسية في علاقاتها مع شعوبها، لا سيما في ظلّ الأوضاع الاستثنائية وما تقتضيه من إجراءات هي الأخرى استثنائية، لمواجهة الوضع الاستثنائي (مثل كورونا اليوم). فالأوضاع الاستثنائية تشكّل فرصة فريدة من نوعها للنظام بغية استغلالها وتحويل الإجراءات المتّخذة بصددها إلى إجراءات مستدامة تدريجياً، ترسي معادلة مستجدّة له في علاقته مع الشعب وفق قواعد الأقوى[10]. والأقوى هنا هو النظام، مظلتنا الحامية من العدوّ غير المرئي.

وعلى هذا الأساس، وفي ظلّ هيمنة الهلع من كورونا على النقاش العام، يتمّ الإطاحة بالحقوق والحرّيات الأساسية ويُختزل الإنسان بكيانه البيولوجي البحت، باسم مقتضيات تنفيذ قواعد السّلوك المستجدّة لمكافحة الجائحة. كلّ ذلك في غياب أيّ نقاش عام يفرضه مفهوم المجتمع الديمقراطي. فيُمنع التنقّل وتُنتهك الخصوصيّة من دون أيّ اعتراض جدّي. وقد بلغ الأمر حدّ حرق خيم الثوّار في وسط مدينة بيروت في 27 آذار 2020 تحت ذريعة مكافحة الجائحة، ومن دون أيّ اعتراض جدّي هناك أيضاً. والواقع أنّ رمزّية ذلك الحدث هي ترجمة مادية بليغة لرغبة النظام في إظهار سلطته وقوّته على الثورة. فالثورة ماتت، يقول لنا. لا مساحة لها في زمن كورونا. فلتحترق خيم الثوّار ومعها الحقوق والحرّيات، لأنّ الساعة ليست ساعتها، الساعة هي ساعة النظام البوليسي وساعة رأسمالية الكوارث التي ترافقه. وعليه تواطأ جناحا النظام، السياسي والمصرفي، لفرض التطبيع مع نسخته المستجدّة:

  1. فمن ناحية أولى تمّ التطبيع مع الدولة البوليسية وفق ما أشرت سالفاً، وبدون أيّ اعتراض مجتمعي جدّي. وقد تجسّد هذا الأمر في مأسسة عسكرة الصراعات والأزمات في البلد. وهذا تماماً ما شهدناه في معرض الصراعات العمّالية حيث لم يتوانَ بعض أصحاب العمل عن استقدام القوى المسلّحة (قوى مكافحة الشغب أو الجيش) للتصدّي للعمّال المصروفين (مثلما حصل في قضية عمّال “رامكو”[11] أو موظّفي مستشفى الجامعة الأميركية[12]). وهذا أيضاً ما شهدناه تبعاً لانفجار 4 آب الماضي حيث سارع النظام إلى إعلان حالة الطوارئ بالرغم من عدم جدواها (لا سيما في ظلّ إعلان التعبئة العامّة التي كانت ولا تزال سارية المفعول)[13] وتمديدها مرّتين بدون توفّر شروطها القانونية وفي خرق مفجع للدستور والقانون[14].
  2. أمّا من ناحية أخرى، فقد ازدهرت عقليّة رأسمالية الكوارث، ومفادها استغلال حدوث الأزمات المختلفة لدفع الحكومات المعنيّة بإدارتها إلى تبنّي سياسات راديكالية، غالباً ما تضرب عرض الحائط مقتضيات المصلحة العامّة لتفيد قلّة ضئيلة من المتموّلين وأصحاب السلطة والنفوذ[15]. وعلى هذا الأساس، فقد تمّ التطبيع أيضاً مع طغيان نظام المصارف وأناركيّته إزاء حجز أموال المودعين بدون أيّ سند قانوني (لا سيما في ظلّ غياب قانون للكابيتال كونترول)[16]، مع ما رافق هذا الأمر من تهريب بعض النافذين لأموالهم وتأثيره على مكانة الليرة ووضع البلد المعيشي والاقتصادي. فأصبحت سقوف السحوبات المصرفية (سواء بالليرة أو بالدولار) كما والتضخم الفاحش في البلد بدون أي رقابة أو ضوابط، من البديهيات التي فرضت نفسها على حياتنا.

في المقابل، لم تؤدّ إجراءات الحكومة لكبح انتشار كورونا إلى النتائج المتوقّعة وفق التطلّعات الأوّليّة في بداية الأزمة الصحية الراهنة. فها نحن اليوم نقف على مشارف ذروة الموجة الثانية من الجائحة، وأعداد الإصابات اليومية لا تزال ترتفع (بعيداً عن الأوهام الظرفية). فما هي أسباب عدم فعالية إجراءات الحكومة تلك؟

(2) عدم فعالية إجراءات الحكومة لكبح انتشار كورونا

بالإضافة إلى ما تقدّم، هناك عوامل مختلفة أخرى أدّت أيضاً إلى عدم فعالية إجراءات الحكومة لكبح انتشار كورونا، أهمّها التالية:

  1. عدم تكييف إجراءات الحدّ من انتشار الجائحة النموذجية مع السياق العام في البلد. يتجلّى ذلك بشكل أساسي في عدم التوفيق بين مختلف الضرورات أثناء إقرار هذه الإجراءات، بحيث تمّ تكريس ضرورات الصحّة العامّة على حساب الضرورات المعيشية والاجتماعية وفق معادلة أنّ الحق في الحياة هو الأَوْلى وبالتالي فإنّ الباقي ثانوي في هذه المرحلة الحرجة من تاريخنا. غير أنّ البلد كان آنذاك قد بدأ يغرق أيضاً في ما قد تكون أكبر أزمة معيشية واجتماعية في تاريخه – أكان بين تدهور الليرة التاريخي والارتفاع المهول لحالات الصّرف الجماعية الذي بدأ في منتصف 2019 (وقد قُدرت بمئات الآلاف أواخر 2019 فقط[17]) وبالتالي توسّع بؤر الفقر في البلد. فأتت إجراءات كورونا وما رافقها من إقفال للمؤسّسات والأسواق من دون أي خطّة إنقاذية بديلة جدّية، لتضاعف وتيرة الانهيار وتتحوّل إلى أحد مسبّباته وعوائق الخروج منه.
  2. عدم إتاحة إجراءات وإرشادات الوقاية للجميع، بحيث بدت منفصلة تماماً عن الواقع على الأرض، فبقيت نظريّة في جوانب عديدة منها. فعلى الرّغم من أهمية إجراء فحوصات مخبريّة على نطاق واسع للتقصّي عن كورونا وعزل المُصابين، بقيت هذه الفحوصات غير مجانية بشكل أساسي، وذلك خلافاً لمقتضيات الصحة العامّة وما ينص عليه صراحة قانون الأمراض المعدية الصادر سنة 1957 لناحية وجوب تكبّد الحكومة كلفتها (سواء كانت للأشخاص أو للمعدّات واللوازم الطبية وغير الطبية)[18]. فضلاً عن ذلك، تم تحميل سكّان البلد مباشرة مسؤولية الحدّ من تفشّي الجائحة من خلال مطالبتهم بأن “ينضبّوا بالبيت” بمعزل عن واقع مساحات السّكن والإيجارات في لبنان (أكان لناحية الحصول على مسكن لائق وواسع يسمح المكوث فيه لأمد طويل وإعمال قواعد التباعد الاجتماعي بين أفراد وحدة السّكن، أو لناحية الوصول إلى مياه مجّانية وخالية من التلوّث تسمح بالتيقيّد بإرشادات الوقاية وفق التوصيات العلمية)[19]. وعلى هذا الأساس، بدت إجراءات وإرشادات الوقاية الرسمية متاحة فقط لقلّة قليلة من السكّان المعزولين عن عامّة الشعب بفعل وهم الامتياز الذي يغرقون فيه.
  3. ما تمّ تداوله بشأن أخطاء في نتائج فحوصات الـPCR، مثل ما ذكرت الصحافية Abigail Sewell على صفحتها على تويتر بشأن تلقّيها رسالة من قبل وزارة الصحة العامّة تفيد بأنّ نتيجة فحصها عند وصولها إلى المطار جاءت سلبية، علماً أنّها لم تجرِ مثل هذا الفحص حينها. وفي ظلّ غياب أيّ معالجة جدّية لمثل هذه الحوادث أمام الرأي العام، أثّر هذا الأمر على مصداقية إجراءات الحكومة، مزعزعاً الثقة في السلطات الصحيّة، في حين زادت قناعة البعض أنّه لا يوجد كورونا في مناطقهم[20] (أو حتى بالمطلق).
  4. التناقض بين سلوكيات أركان الطبقة الحاكمة وأعوانهم وما يوعظون به إزاء إجراءات الوقاية، في ظلّ ظهور البعض منهم في المساحات والفضاءات العامّة بدون ارتداء كمّامات في ازدراء تام لقواعد التباعد الاجتماعي، على غرار ما قام به وزير الصحة العامّة حمد حسن في بعلبك أثناء مشاركته في “دبكة كورونا” في حزيران الماضي.
  5. شحّ البيانات المتعلّقة بالخطّة الوطنية لمكافحة الجائحة وغياب أيّ نقاش عام بشأنها، مما ترك عدداً من الأسئلة الهامة من دون جواب. فعلى أيّ أساس مثلاً يتمّ إقفال بعض المناطق دون سواها؟ هل يحدّد هذا الأمر وفق مكان سكن المصابين أم وفق مكان سجلّ نفوسهم، مثلما تمّ تداوله عبر بعض وسائل الإعلام[21]؟ ما هو السياق الذي حدثت فيه العدوى؟ ما هي المساحات الأكثر عرضة لانتشار العدوى (مكان العمل أو السوبرماركت أو وسائل النقل المشترك إلخ) التي يقتضي التقصّي عنها لاتخاذ القرارات المناسبة بشأن مدى الحاجة إلى إقفالها أو تنظيم الوصول إليها[22]؟ ففي ظلّ غياب مثل هذه البيانات عن النقاش العام، بدَت مُقرّرات الحكومة بشأن كورونا اعتباطية وغير مُبرّرة[23]، وقد أدّى هذا الأمر إلى تعزيز طبيعة هذه الإجراءات “كقانون مفروض” مع ما يستتبع ذلك من ردّات فعل ضدّها – تكلّلت أحياناً ببوادر عصيان مدني رفضاً لتطبيقها، أكان على الصعيد الفردي أو على صعيد بعض القطاعات[24].

هذا مفعول القانون المفروض من دون نقاش عام. وفي حين برّرت ضرورات الحق في الحياة جذرية الإجراءات في البداية، سرعان ما اتّضح أنّ طبيعة هذه الإجراءات غير مستدامة. فكورونا لم تختفِ بفعل هذه الإجراءات ومن الواضح أنّها لن تختفي من حياتنا في المستقبل القريب.

(3) نحو كبح انتشار كورونا بشكل مستدام وتوظيفها لبناء دولة العدالة الاجتماعية

عطفاً على ما تقدّم، ونظراً للمرحلة التاريخية الحرجة التي تمرّ بها البلاد على مختلف الأصعدة السياسية والمعيشية والاجتماعية والصحّية، من المهم جدّاً بناء قواعد أيّ دولة تطمح للعدالة الاجتماعية على أسس تعزّز الحوار الاجتماعي والنقاش العام بشأن مختلف المسائل التي نواجهها اليوم. فللحوار والنقاش العام وظيفة أساسية في المجتمع الديمقراطي، هي الوصول إلى قرارات رضائية تتّسم بالاستدامة وتحترم مبادئ التضامن الاجتماعي، بعيداً عن توظيفات الهلع السياسية وعن ثقافة “القانون المفروض” وتداعياته.

وعليه، فهناك سلسلة من الإجراءات يمكن اتّخاذها اليوم لكبح انتشار كورونا بشكل مستدام ومتوافق مع مختلف الضرورات المعيشية التي سبق ذِكرها، على أن يتمّ ذلك من خلال حسن تخصيص أموال الدولة اللبنانية وطاقاتها:

  1. على صعيد الوقاية: تمكين السّكان والسماح لهم بإجراء فحوصات مجانية وتوزيع وسائل ومستلزمات الوقاية بكثافة ومجاناً، وفق ما تنصّ عليه أحكام قانون سنة 1957؛
  2. على صعيد التعبئة العامّة:
  3. استحداث منشآت لعزل المصابين والمخالطين من خلال إعادة تخصيص بعض المباني والفنادق الفارغة في البلد بدون تكلفة على الدولة نظراً للظروف الاستثنائية وعملاً بموجب أصحاب هذه المباني والفنادق بالتضامن في الأزمات الوطنية؛ علماً أنّ بإمكان الدولة أن تصادر أو تفرض على المؤسّسات أداء خدمات في ظلّ أحكام التعبئة العامّة؛
  4. وعلى هذا الأساس أيضاً، يمكن استدعاء جميع الطلاب والمتدرّبين في الجسم الطبي في لبنان للتطوّع بهدف تضافر الجهود والطاقات للحدّ من تفشّي الوباء وتأمين عناية صحّية شاملة وواسعة النطاق؛
  5. على الصعيد المعيشي:
  6. إقرار سياسة إسكانية شاملة بصورة العجلة وتدخّل الدولة لضبط قيمة الإيجارات ووضع سقوف لها تماشياً مع الوضع الراهن وحفاظاً على الحق في السّكن؛
  7. إقرار خطة إنقاذية شاملة لدعم العمّال والأجراء الذين خسروا وظائفهم أو خُفّضت معاشاتهم، تماشياً مع ما تطالب به المفكرة القانونية والمرصد اللبناني لحقوق العمّال والموظفين منذ كانون الأول 2019 [25]. هذا فضلاً عن تعزيز حماية العاملين في الوظائف الأساسية (التي برزت بشكل خاص أثناء الإقفال التام في البلد)، لا سيما لناحية رفع الحد الأدنى للأجور وتأمين بيئة سليمة للعمل تعزّز الوقاية والسلامة والصحّة المهنية، عملاً بأحكام المرسوم رقم 11802[26]؛
  8. إلزام المصارف وشركات ومؤسّسات تحويل وتوزيع الأموال ومؤسّسات الصيرفة فتح أبوابها لتأمين مقتضيات تسيير العمل فيها يومياً، وتدخّل المشترع لوضع حدّ لتعسّف هذه المؤسّسات في وضعها سقوفاً غير شرعية على سحوبات المودعين وتلاعبها بسعر الصرف؛
  9. على الصعيد العلمي: تخصيص الأموال والبيئة الحاضنة لتشجيع الابتكار والبحث العلمي والطبي في لبنان، فتشارك الدولة اللبنانية أسوة بدول أخرى في صناعة الحلول العلمية والطبية لمكافحة الوباء بدلاً من وقوفها مترقّبة لحلّ من الخارج؛
  10. على صعيد التنظيم المُدني: هنا، طرحت الجائحة والإجراءات الوقائية الناتجة عنها، مسائل عديدة إزاء علاقتنا بمختلف المساحات التي نتعايش معها[27]، أهمّها:
  11. إعادة النّظر في تصميم المسكن على نحو يسمح بالانعزال لفترات طويلة الأمد وبالتباعد الاجتماعي بين أفراد وحدة السّكن، مع كل ما ينتج عن هذا الأمر من وصول إلى مسكن لائق يكون قريباً من الخدمات الأساسية ومن المساحات العامّة ومكان العمل؛
  12. إعادة النظر في المساحات العامّة ووصول السكّان إليها، ما يحتّم العمل على زيادة تلك المساحات (لا سيما المُشجّرة منها) قرب مختلف الأحياء في المُدن وجعلها أماكن متاحة وآمنة للجميع، تسمح بالخروج من المنزل والاختلاط المسؤول والآمن وفق إرشادات الوقاية؛
  13. إعادة النّظر في تصميم أماكن العمل بحيث تكون أكثر أماناً للأجراء الذين تلزمهم طبيعة عملهم التواجد فيها لا بل حتى للحدّ من العمل عن بُعد (فقد يقتضي هذا الأمر تخفيف اكتظاظ غرف العمل أو إيجاد غرف عمل فردية مثلاً) مع كلّ ما ينتج عنه من تشتيت لروح فريق عمل ما ومن عوائق في وجه التبادلات الفكرية، وليدة الصُدّفة والمحادثات اليومية في مكان العمل.

سوف يتوقّف وباء كورونا عن السيطرة على حياتنا يوماً ما، فالأوبئة تأتي ومن ثم تزول. لكنّ الخيارات التي نعتمدها اليوم سوف تحدّد سرعة خروجنا منه وتحدّد وزن التداعيات المتأتّية عنه والتي سوف نتعايش معها ما بعد زوال الجائحة. وفي حين وظّف النظام جائحة كورونا لبناء دولته البوليسية، يمكننا في المقابل التصدّي له وتوظيف كورونا بدورنا، ولكن لبناء دولة العدالة الاجتماعية التي نطمح إليها.

 

لقراءة المقالة مترجمة إلى الإنكليزية

  1. المرسوم رقم 6198/2020 – نُشر في الجريدة الرسمية بتاريخ 19/03/2020.
  2. الصادر سنة 1957.
  3. الصادر بموجب المرسوم الاشتراعي رقم 102/1983.
  4. القرار رقم 49/2020.
  5. الجزء الأول نُشر على موقع المفكرة القانونية الإلكتروني بتاريخ 14/03/2020 تحت عنوان “الهلع والقانون في زمن كورونا”؛ والجزء الثاني نُشر بتاريخ 25/03/2020 تحت عنوان “كيف نحدّ من تفشّي كورونا وتداعياته بشكل مستدام؟”؛ والجزء الثالث نُشر بتاريخ 15/04/2020 تحت عنوان “هندسة نظام كورونا”.
  6. يرجى مراجعة موقع covid19.healthdata.org الإلكتروني.
  7. مع الإشارة أنّ الإحالة إلى المادة 604 المذكورة في غير محلّه بسبب عدم توفّر شروطها القانونية في مثل هذه الحالة. فهذه المادة تنصّ على “من تسبب عن قلّة احتراز أو إهمال أو عدم مراعاة للقوانين أو الأنظمة في انتشار مرض وبائي من أمراض الإنسان”، بالتالي هي تفترض أن يكون الفاعل قد ساهم في انتشار مرض وبائي، أي أن يكون فعله قد أدّى إلى إصابة أشخاص ثالثين بالوباء مباشرة، وهي حتماً لا تقتصر على مجرّد الخروج من المنزل خلافاً لسياسة العزل (حتى لو تمّ التخالط مع أشخاص ثالثين)، ومؤدّى هذا الأمر هو قلب مبادئ القانون الجزائي على نحو “مذنب حتى إثبات العكس” وبدون حاجة إلى وقوع أيّ ضرر اجتماعي من جرّاء فعل الخروج من المنزل.
  8. كريم نمّور، “وزير الداخلية يتعسّف في استعمال سلطته مستغلّاً كورونا“، المفكرة القانونية، 05/04/2020.
  9. يرجى مراجعة الحلقة 20 من الموسم الثاني من البودكاست القانوني الذي تنتجه المفكرة القانونية مع الصحافي خالد صاغية بعنوان “الإعلام والسلطة في لبنان“.
  10. Michel Foucault, « Surveiller et punir », éd. Gallimard, 1975.
  11. لور أيّوب، “تسوية جزئية أنهت إضراب عمّال ’رامكو‘“، المفكرة القانونية، 01/06/2020.
  12. يرجى مراجعة الحلقة 26 من الموسم الثاني من البودكاست القانوني الذي تنتجه المفكرة القانونية، بعنوان: “قضية عمّال الـAUB ووباء الصرف في لبنان“، حوار بين يمنى مخلوف وكريم نمّور ونزار حريري وأحمد الديراني.
  13. كريم نمّور، “الثأر لبيروت ولسكّانها“، المفكرة القانونية، 09/08/2020.
  14. وسام اللحام، “بيروت تحت الطوارئ حتى آخر 2020: خرق للدستور والقانون مع الإصرار والتأكيد“، المفكرة القانونية، 25/09/2020.
  15. يرجى مراجعة الجزء الثالث من سلسلة المقالات، و Naomi Klein, “The Shock Doctrine: The Rise of Disaster Capitalism” Knopf Canada, 2007.
  16. كريم نمّور، “كيف نسقط سطو المصارف على يومياتنا في لبنان؟“، المفكرة القانونية، 07/01/2020.
  17. المفكرة القانونية، “نحو إعلان حالة طوارئ لحق العمل في لبنان“، 10/12/2019.
  18. قانون الأمراض المعدية في لبنان، الصادر في 31/12/1957.
  19. يرجى مراجعة الحلقة 9 من الموسم الثاني من البودكاست القانوني الذي تنتجه المفكرة القانونية بعنوان “البيت والمدينة في زمن كورونا“.
  20. مارك غزالة، “نظام طرابلس الزبائني في زمن كورونا“، المفكرة القانونية، 22/09/2020.
  21. Timour Azhari, “Lebanon’s COVID-19 surge: What went wrong?”, Al-Jazeera English, 08/10/2020.
  22. Towards a Zero-COVID Lebanon: A Call for Action, Arab Reform Initiative, 05/10/2020.
  23. لا سيما في ظلّ توظيف كورونا لبناء الدولة البوليسية وفق ما أسلفنا.
  24. مثل ما قامت به نقابة أصحاب المطاعم والمقاهي والملاهي والباتيسري في لبنان.
  25. المفكرة القانونية، “نحو إعلان حالة طوارئ لحق العمل في لبنان”، مذكور أعلاه.
  26. الصادر في 30/01/2004 والمتعلق بتنظيم الوقاية والسلامة والصحّة المهنية في كافة المؤسّسات الخاضعة لقانون العمل.
  27. Kyle Chayka, “How the Coronavirus Will Reshape Architecture”, The New Yorker, 17/06/2020.
انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، البرلمان ، الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، جائحة كورونا ، حراكات اجتماعية ، حريات ، حقوق العمال والنقابات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، عمل ونقابات ، فئات مهمشة ، قطاع خاص ، لبنان ، مؤسسات إعلامية ، مؤسسات عامة ، مجلة ، مجلة لبنان ، مرسوم ، مصارف ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *