بيروت تحت الطوارئ حتى آخر 2020: خرق للدستور والقانون مع الإصرار والتأكيد


2020-09-25    |   

بيروت تحت الطوارئ حتى آخر 2020: خرق للدستور والقانون مع الإصرار والتأكيد
تصوير ماهر الخشن

للمرة الثانية على التوالي أصدر أمين عام مجلس الوزراء محمود مكية في 14 أيلول الحالي مذكرة إدارية أعلن فيها تمديد الطوارئ حتى آخر 2020 فضلا عن “تكليف الجيش بتنفيذ بعض المهمات لغاية 31 كانون الأول 2020 ضمنا”، وذلك بعد الحصول على الموافقة الاستثنائية الصادرة عن رئيسي الجمهورية وحكومة تصريف الأعمال.

أول ملاحظة تفرض نفسها، أنّ هذه المذكرة لا تعلن بشكل واضح تمديد حالة الطوارئ كما حصل التمديد الأول مع المذكرة التي أصدرها أمين عام مجلس الوزراء في 17/8/2020 بحيث أعلنت بشكل واضح تمديد حالة الطوارئ، بينما تكتفي المذكرة الحالية بإعلان ضرورة تمديد الطوارئ دون النص على ذلك صراحة، وبتمديد المهام التي كان كلف الجيش بها بموجب مرسومي إعلان الطوارئ السابقين قم 6792 الصادر في 7/8/2020 ورقم 6881 الصادر في 18/8/2020 الصادرين تبعا لانفجار بيروت، وهي مهام لا يمكن له القيام بها إلا إذا كانت حالة الطوارئ ما تزال قائمة. في الاتجاه نفسه، ورد في المذكرة: “ونظرا للأوضاع الميدانية الراهنة التي توجب تمديد حالة الطوارئ، وبعد استقالة الحكومة وتعذّر عرض الموضوع المذكور على مجلس الوزراء”، ما يعني أن هدف هذه المذكرة هو فرض تمديد جديد لحالة الطوارئ في مدينة بيروت.

ولم تكتفِ المذكرة بذلك بل أناطت بالجيش مهام إضافية من بينها التنسيق مع الجهات المانحة والإدارات الرسمية في إطار إعادة الاعمار ومتابعة تلقي جميع المساعدات وتوزيعها على الجهات المعنية، كذلك متابعة الإشراف الأمني على مرفأ بيروت والاستمرار بمسح الأضرار علاوة على تقسيم بقعة العمل على الجهات المانحة والجمعيات المدنية والإشراف على عملها. ومن المعلوم أن عددا من هذه الصلاحيات لا يسمح قانون إعلان الطوارئ حتى بمنحها للجيش لتعارضها مع قوانين أخرى، منها قانون الجمعيات والقانون الناظم لهيئة الإغاثة والتي ينيط بها مهمة توزيع الهبات وإدارة ملف الإغاثة.

علاوة على ذلك تقوم هذه المذكرة ليس فقط بتكرار كافة المخالفات القانونية التي شابت التمديد الأول، بل هي تضيف مخالفات جديدة لا بد من الإشارة إليها أو التذكير بها:

  • ان إعلان حالة الطوارئ هو من المواضيع الأساسية التي تحتاج وفقا لأحكام الفقرة الأخيرة من المادة 65 من الدستور إلى موافقة ثلثي عدد أعضاء الحكومة المحدد في مرسوم تشكيلها. وبما أن تمديد اعلان الطوارئ هو بمثابة اعلان جديد، لا بد من اتباع الوسيلة القانونية ذاتها من أجل تمديد حالة الطوارئ أي الحصول على موافقة مجلس الوزراء بالأكثرية المشددة التي يفرضها الدستور. وبالتالي لا يمكن اطلاقا تمديد الطوارئ بمذكرة إدارية يصدرها أمين عام مجلس الوزراء كون الموافقة الاستثنائية الصادرة عن رئيسي الجمهورية والحكومة ليست بديلا قانونيا كافيا كي تحل مكان موافقة مجلس الوزراء. ولا يرد على ذلك بالقول إن الحكومة مستقيلة ولا يحق لها الاجتماع، كون الظرف الاستثنائي في حال كان متحققا فعلا يجيز لها الاجتماع مجددا حتى لو كانت مستقيلة وإقرار اعلان حالة الطوارئ أو تمديدها.
  • وفقا للمرسوم الاشتراعي 52 تاريخ 5/8/1967 يتم اعلان (أو تمديد) حالة الطوارئ بموجب مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء ما يعني ان أمين عام مجلس الوزراء لا يملك إطلاقا اختصاصا كي يمدد حالة الطوارئ بمذكرة إدارية كون المرسوم يخضع لأصول شكلية في إصداره لا تتوفر في هذه المذكرة. ولعل أبرزها ضرورة اقتران المرسوم بتوقيع كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة ووزير الدفاع ووزير الداخلية.
  • يفرض المرسوم الاشتراعي 52 أيضا الحصول على موافقة مجلس النواب في حال كانت فترة الطوارئ ستستمر لأكثر من ثمانية أيام. وقد كررت هذه المذكرة المخالفة التي تم ارتكابها بمرسوم التمديد الأول كون مجلس النواب اجتمع وصدق على اعلان حالة الطوارئ في المرة الأولى والتي انتهت قانونا في 18/8/2020 لكنه لم يجتمع مجددا لإقرار التمديد الأول الذي انتهى أيضا في 18/9/2020، كما انه من المفترض عليه أن يجتمع مجددا للموافقة على التمديد الثاني الذي أعلن حتى نهاية هذه السنة هذا في حال سلمنا جدلا أن هذا التمديد الأخير يقع في موقعه القانوني الصحيح.
  • التمديد الأول أعلن عنه بمذكرة ومن ثم تم تدارك الأمر وصدر في اليوم التالي التمديد بمرسوم دون الحصول على موافقة مجلس الوزراء، بينما التمديد الحالي والذي أعلن عنه بشكل مبطن بموجب مذكرة أمين عام مجلس الوزراء الجديدة لم يقترن حتى الآن وعلى حد علمنا بصدور مرسوم جديد من أجل تمديد حالة الطوارئ حتى نهاية العام. وما يزيد الأمور غموضا هو بعد توقف الجريدة الرسمية عن الصدور لفترة شهر تقريبا بسبب الخلافات المادية القائمة بين الإدارة ومتعهد طبع الجريدة الرسمية، صدر العدد 37 بتاريخ 24 أيلول 2020 وقد جاء خاليا من أي مرسوم جديد لتمديد حالة الطوارئ ما يشي بأن هكذا مرسوم لم يصدر أصلا وتم الاكتفاء بمذكرة أمين عام مجلس الوزراء.
  • أن المهمات التي أعلنت المذكرة تكليف الجيش القيام بها حتى لو فرضنا أنها لا تحتاج إلى وجود حالة طوارئ لكن طبيعة هذه المهمات كالإشراف الأمني على المرفأ تحتاج عملا بأحكام المادة الرابعة من المرسوم الاشتراعي رقم 102 تاريخ 16 أيلول 1983 (الدفاع الوطن) إلى صدور مرسوم يتخذ في مجلس الوزراء من أجل تكليف الجيش بالمحافظة على الأمن في المنطقة المعنية، ولا يمكن بالتالي تكليف الجيش وتوسيع صلاحياته بمذكرة إدارية يتخذها من لا صفة قانونية له في مثل هكذا موضوع.
  • ان حالة الطوارئ هي نظام قانوني خاص وعند دخوله حيز التنفيذ تطبق الأحكام التي يجيزها القانون في تلك الحالة التي لا تعتبر مبررا لمخالفة سائر القوانين النافذة. فحالة الطوارئ لا تؤدي إلى تعليق سائر القوانين بل هي توسع من صلاحيات السلطات العسكرية. لكن هذا التوسيع ليس مطلقا، بل هو محصور بالمهمات التي يسمح المرسوم الاشتراعي رقم 52 للجيش باتخاذها، ولا يحق تباعا للجيش ممارسة صلاحيات اضافية غير مذكورة صراحة في النص القانوني. فحالة الطوارئ تختلف عن نظرية الظروف الاستثنائية لهذه الناحية تحديدا. فقد أعلن مجلس شورى الدولة أنه في حال تمّ إعلان الطوارئ أو المنطقة العسكرية “يقتضي استبعاد تطبيق نظرية الظروف الاستثنائية لوجود النص” (قرار رقم 65 تاريخ 13/11/1996). وبالتالي لا يمكن منح الجيش صلاحيات جديدة لا يلحظها المرسوم الاشتراعي رقم 52، كما لا يمكن منح الجيش أي سلطة جديدة بحجة الظرف الاستثنائي لأن حالة الطوارئ في حال كانت معلنة قانونا تؤدي إلى استبعاد نظرية الظروف الاستثنائية بحيث تنحصر صلاحيات الجيش بحالة الطوارئ دون أي توسع أو اجتهاد من قبله أو من قبل السلطة السياسية.

جراء ما تقدم، يمكن لنا التأكيد بأن هذه المذكرة الجديدة مشوبة بمخالفة جسيمة (illégalité grave) للقانون، وهي صادرة بجلاء عن مرجعية غير صالحة ما يعني أنه ينطبق عليها التوصيف القانوني للأعمال الادارية عديمة الوجود (inexistence juridique) لأن أمين عام مجلس الوزراء ليس سلطة تنظيمية يحق لها اتخاذ قرارات آمرة، وهو بالطبع لا يحق له الحلول مكان مجلس الوزراء، لا سيما من أجل تمديد أمر خطير كحالة الطوارئ التي تهدد الحريات العامة للمواطنين وتمنعهم من مراقبة السلطة السياسية بشكل فعال.

انشر المقال

متوفر خلال:

أجهزة أمنية ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سياسات عامة ، قرارات إدارية ، لبنان ، مقالات



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *