تأخّر إعلان الحركة القضائية في تونس 2023-2024: رئيس الدولة يمهّد لتثبيت سطوته على القضاء


2023-08-30    |   

تأخّر إعلان الحركة القضائية في تونس 2023-2024: رئيس الدولة يمهّد لتثبيت سطوته على القضاء
رسم عثمان سلمي

لم يتبقّ سوى أسبوعين فقط عن انطلاق السنة القضائية الجديدة 2023-2024، ولم يصدر رئيس الدولة قيس سعيّد بعدُ الأمر الرئاسي المتعلق بالحركة القضائية السنوية للقضاء العدلي، مقابل نشر حركة القضائيْن المالي والعسكري في الرائد الرسمي الصادر بتاريخ 29 أوت 2023. وكان سعيّد لم يصدر حركة القضاة العدليين للعام المنقضي (2022-2023) في سابقة أدّت لاضطراب في عمل المحاكم فضلا عن تأجيل استحقاق القضاة المعنيين بالارتقاء أو الاستجابة لمطالب النقلة، وذلك على خلفية تمسّكه بضبط معالم توزيع القضاة بحسب رغباته.

تأخير إعلان الحركة القضائية يزيد المخاوف، من باب الافتراض، من عدم نشرها للعام الثاني على التوالي. ولكنّه بالأخصّ يكشف عن عدم تناغم، في أبسط توصيف، بين المجلس الأعلى المؤقت للقضاء كجهة الإعداد، ورئاسة الجمهورية ليس فقط بوصفها جهة إصدار بل أيضًا كطرف مشارك في الإعداد عبر آلية الاعتراض. وهو عدم تناغم لا يمكن، قانونًا وواقعًا، أن تعلو فيه إلا كفّة رئيس الدولة ليس فقط عبر الأدوات القانونية التي منحها لنفسه في المرسوم عدد 11، بل أيضًا بما أثبتته ممارسته الواقعية والعمودية تجاه جميع المؤسسات.

شواهد التأخير خارج الموعد الاعتيادي

لم يحدّد المرسوم عدد 11 لسنة 2022 المؤرّخ في 12 فيفري 2022 المتعلق بإحداث المجلس الأعلى المؤقت للقضاء أجلًا محدّدًا لإعلان الحركة القضائية السنوية، على خلاف ما اقتضاه قانون المجلس الأعلى للقضاء لسنة 2016 الذي يوجب إعلانها في أجل أقصاه موفّى شهر جويلية من كل عام. ولئن لم يكن المجلس المنحلّ يحترم هذا الأجل، إلاّ أنه واظب على إعلان الحركة في شهر أوت[1].

تبعا لذلك، واستئناسًا بمقتضيات قانون المجلس الأعلى للقضاء وبالموعد الأقصى للإعلان طيلة السنوات الماضية، فضلا عن مستلزمات حُسن ترتيب انطلاق السنة القضائية، كان المنتظر إعلان الحركة في موفى شهر جويلية. وهو تقدير عزّزته التواريخ الاعتيادية للمجلس المؤقت إعدادًا للحركة مقارنة بالمجلس السابق المنحلّ.

ففي هذا الجانب، أصدر المجلس المؤقت للقضاء العدلي البلاغ المتعلّق بترتيبات إعداد الحركة القضائية وضبط جدول الكفاءة للترقية بتاريخ 24 ماي 2023، أي قبل سبعة أسابيع من بدء العطلة القضائية، ثم أصدر بلاغ ترتيبات المشاركة في الحركة ومعاييرها بتاريخ 6 جوان 2023، مع ضبط الأجل الأقصى لطلبات المشاركة بتاريخ 14 جوان 2023. ولذلك، خصوصا بالنظر إلى سابقية عدم إعلان حركة العام المنقضي، ذهب الترجيح أن كل من المجلس المؤقت ورئاسة الجمهورية سيعملان على المسارعة على إعلان الحركة السنوية المنتظرة. وهو ترجيح عزّزه تأكيد رئيس الدولة قيس سعيّد، بتاريخ 10 جويلية 2023، وبمناسبة استقبال رئيس المجلس الأعلى المؤقت للقضاء المنصف الكشو، وهو أيضًا رئيس المجلس المؤقت للقضاء العدلي، بضرورة إعلان الحركة “في أقرب الآجال”. تباعًا، تجدّد اللقاء بين الرجلين، بتاريخ 3 أوت 2023، متناولًا ” مشروع الحركة القضائية للقضاء العدلي للسنة القادمة”. لم يطرأ في الأثناء، ومن تاريخه، أي مستجدّ رسمي حول مآل الحركة أو تاريخ إعلانها ثمّ إصدارها.

مقابل غياب المعطى الرسمي حول الحركة القضائية، بما عزّز مناخ الغموض بطبعه في الوسط القضائي، لم تغب تسريبات تناقلها أبواق “الرئيس” الذين يتصدّرون مواقع إعلامية بين تأكيد إعلانها قبل ذكرى “حركة التصحيح”/عيد الجمهورية في 25 جويلية، وإشاعة أنها ستتضمّن بالخصوص تثبيت تعيينات وزيرة العدل ليلى جفال المعلنة موفى شهر ماي المنقضي. تسريبات ليست بمنأى عن تبيان خيارات السلطة السياسية.

حركة حيوية للقضاة والمتقاضين

من المرجح أن تشمل الحركة القضائية السنوية المنتظرة عددًا قياسيًا من القضاة العدليين باعتبار تخلّف إصدار الحركة العام المنقضي، مما يعني تزايد أعداد القضاة المعنيين بالارتقاء إلى الرتبتيْن الثانية والثالثة الخاضعِين أساسًا لشرط أقدمية المباشرة. إضافة إلى أنّها تعدّ حركة حيوية بالأخصّ لطالبي النقلة، سواء الذين انقضت في حقهم السنوات الدنيا للمباشرة في مراكز عملهم، أو لمن استوفوا مدة النقلة لمصلحة العمل، أو لمن لديهم وضعيات اجتماعية وصحّية ملحّة ومؤيَّدة.

أمّا على مستوى سير العمل القضائي، فتتوجّه اهتمامات المعنيين بالشأن القضائي من محامين ومتقاضين بدرجة أساسية إلى أن تساهم الحركة المنتظرة في تخفيف واقع اضطراب العمل في عديد المحاكم، خصوصا طيلة العام الماضي بعد ازدواج مظلمة إعفاءات جوان 2022 المؤدية لشغورات من جهة وعدم إصدار حركة قضائية عام 2022-2023 من جهة أخرى. إذ تواجه عديد المحاكم شغورات بالخصوص في مستوى النيابة العمومية والتحقيق ورئاسة المحاكم، المستهدفين أساسا بمذبحة الإعفاءات. وضع مختلّ يُؤمل تداركه من حركة تعكس، في جانب آخر، سعيًا لتثبيت نفوذ السلطة التنفيذية داخل أروقة المحاكم.

تباين التقدير بين الرئيس والمجلس المؤقت؟

في ظل غياب المصدر الرسمي، ومع ما ترشحه معطيات متداولة في الوسط القضائي تقاطعًا مع ترجيحات سندها الرزنامة المعمول بها، فقد قدّم المجلس الأعلى المؤقت للقضاء بالفعل مشروعًا للحركة القضائية 2023-2024 لرئيس الدولة الذي يظهر أنه لم تنل رضاه بشكل تامّ. ومن خلفه يظهر عدم رضا وزيرة العدل ليلى جفّال، التي كانت قد تحرّشت بصلاحيات المجلس بتعمّدها إصدار تعيينات في قالب تكليفات لسدّ شغورات في عدد من المواقع القضائية المتقدمة شملت الخطط السامية، وذلك خلال موفى شهر ماي 2023، أي تزامنًا مع بدء إعداد المجلس للحركة السنوية.

وقد أثارت هذه التعيينات الشكوك حول مدى احترام الوزيرة بالخصوص لمقتضيات الأمر عدد 436 لسنة 1973 المؤرخ في 21 سبتمبر 1973 الضابط للوظائف التي يباشرها القضاة من الصنف العدلي. إذ بغضّ النظر عن موقف المجلس من مسألة تثبيت المعيّنين من جفّال، تكريسًا لسلطته في إعداد الحركة، فمن المنتظر، في أقلّ تقدير، أن يدّقق في مدى احترام المعيّنين لشروط الأمر السابق ذكره.

وقد حدّد المرسوم النافذ (المرسوم عدد 11) آلية ممارسة رئيس الدولة لحق الاعتراض[2]، غير أنه لم يثبت إذا ما كان سعيّد قد مارس تحفّظه عبر آلية الاعتراض. فذلك يفترض رفع تقرير حول موضوع الاعتراض من رئيس الحكومة أو وزيرة العدل إلى رئيس الجمهورية الذي يمارس الاعتراض في أجل مضبوط[3]، وقيام المجلس المؤقت بالاستجابة مع إرجاع المشروع لرئيس الدولة أم لا. لكن هل يمكن لرئيس الدولة مباشرة تغييرات بنفسه في مشروع الحركة من دون العودة للمجلس؟ يبقى ذلك غير مستبعد، بالنظر إلى حالة العبث المتواصل بالقواعد الإجرائيّة وأبسط مبادئ دولة القانون منذ سنتين.

يبقى أنّ المجلس الأعلى المؤقت لا يمكن له، جوهريًا، مخالفة ما يريد الرئيس فرضه لاعتبارات متعدّدة. أوّل هذه الاعتبارات هي أنّ تركيبة المجلس غير ضامنة لاستقلاليته، على الأقل باعتبار تعيين السلطة التنفيذية باختيارها لثلاثة من أصل سبعة من أعضاء المجلس العدلي المؤقت، فضلا عن أنّ بقيّة الأعضاء المعيّنين بالصفة غير قادرين على المضي في مخاطرة مواجهة منتهاها معلوم. وثانيًا، يفرض المرسوم عدد 11 دورًا إقراريًا لرئيس الدولة في إعداد الحركة القضائية بل وفي فرض مخرجاتها، بعد سحب صلاحية الترشيح الحصري من المجلس.

يبدو إذًا أنّ المجلس المؤقت، في ظلّ محدوديّة أدواته القانونيّة، ليس بوارد المضي في مخالفة رغبات الرئيس، خشية تكرار سيناريو العام المقتضي وهو عدم إصدار الحركة. يعتبر المجلس نفسه، هنا، وأمام ضغوطات القضاة المعنيين بالخصوص بالارتقاء في الرتبة أو النقل، ملزمًا بالدفع لتحقيق نتيجة: صدور الحركة السنوية مهما كان الثمن.

الحركة بوصفها فرصة “رئاسية” لتثبيت قضاة الموالاة

بذلك، وبعد أن عبّد رئيس الدولة قيس سعيّد الطريق لنفسه وبنفسه عبر المرسوم عدد 11 لسنة 2022 في إعلاء كلمته في ضبط الحركة القضائية، فقد أصبح الباب مفتوحا، قانونًا وواقعًا، لترسيخ واقع قضاء الموالاة أكثر فأكثر، عبر تعيين قضاة التعليمات المرضي عنهم من السلطة السياسية في الخطط السامية والمواقع المتقدمة، تحديدًا على مستوى النيابة العمومية ورئاسة المحاكم ومواقع التحقيق في محاكم العاصمة والأقطاب المتخصّصة. وهي حقيقة كرّستها وزيرة العدل في تعييناتها، موفى شهر ماي 2023، التي شملت الخطط السامية، أمام امتحان المجلس المؤقت في التصدي لتحرّش الوزيرة بصلاحياته.

فالحركة القضائية المنتظرة، والتي يُرجح إصدارها في نهاية المطاف، ستكون الأولى منذ حلّ المجلس الأعلى القضاء وتنصيب المجلس المؤقت، وأيضًا منذ ضرب ضمانات استقلاليةالوظيفة القضائيةفي دستور الرئيس.

فبعد مظلمة الإعفاء القسري في جوان 2022، ولاحقًا إيقاف قضاة مباشرين عن العمل عن طريق تفقديّة وزارة العدل، ثمّ مباشرة الوزيرة بنفسها للتعيينات بمذكرات عمل، وهي كلّها أدوات كرّستها السلطة التنفيذية لإشاعة مناخ الخوف والترهيب في الوسط القضائي وضرب أدنى مقوّمات ممارسة القضاة لاجتهاداتهم القضائية في كنف الاستقلالية، تمثّل الحركة القضائية فرصة مثالية لرئيس الدولة ووزيرة العدل لإعادة هندسة المشهد القضائي تثبيتًا لقضاء الموالاة.

قضاة تابعون في مراكز متقدّمة وأروقة خاصّة في المحاكم بعد إبعاد كل الأسماء “غير المتعاونة” بالشكل المطلوب، ذلك هو مبتغى السلطة لتيسير إداراتها للملفات القضائية، خصوصا التي تم تكوينها ضد الفاعلين السياسيين والمدنيين، وفرض مخرجاتها وقراراتها الخاضعة بالنهاية لرغبة السلطة السياسية.


[1] تم إعلان الحركة القضائية عام 2021-2022 بتاريخ 20 أوت 2021، والحركة القضائية عام 2020-2021 بتاريخ 12 أوت 2020، والحركة القضائية عام 2019-2020 بتاريخ 29 أوت 2019.

[2]  يمكن لرئيس الجمهورية الاعتراض على تسمية أو تعيين أو ترقية أو نقلة كل قاض بناء على تقرير معلل من رئيس الحكومة أو وزير العدل، مع لزوم المجلس المؤقت بإعادة النظر في موضوع الاعتراض باستبدال التسمية أو التعيين أو الترقية أو النقل في أجل أقصاه 10 أيام من تاريخ الاعتراض . وتتمادى صلاحية الاعتراض في الخطط القضائية السامية، في أقصاها، إلى مباشرة رئيس الدولة التعيين بنفسه.

[3] يمكن لرئيس الدولة ممارسة حقّ الاعتراض على مشروع الحركة القضائية في أجل 21 يومًا من تاريخ تلقيها، وعلى المجلس الأعلى المؤقت إعادة النظر في موضوع الاعتراض في أجل 10 أيام من تاريخ التوصّل بالاعتراض.

انشر المقال

متوفر من خلال:

قضاء ، قرارات قضائية ، استقلال القضاء ، مقالات ، تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية