“الشركات الأهلية” أداة لصناعة الأوهام في الاقتصاد والسياسة


2023-06-06    |   

“الشركات الأهلية” أداة لصناعة الأوهام في الاقتصاد والسياسة

لم يُغادر رئيس الجمهورية قيس سعيّد مُربّع الدعوة إلى خلق مفاهيم ومقاربات جديدة في لقائه بـ”الجماعة المعرفية” الأكاديمية الاقتصادية يوم 31 ماي 2023، مشيرا ضمن ما قال إلى الشركات الأهلية. وقد ركز مرّة أخرى على إنتاج الثروة ضمن تصوّر عامّ يتّجه نحو أسباب التمييز الاقتصادي. يلتحق سعيّد في ذلك بالطرح العامّ لمشروع البناء القاعدي المتميّز عن كلّ ما هو تقليدي والذي يشكل بالنسبة إليه المخرج الضروري من الأزمات. ويبدو الرئيس مُقتنعا بأن الشركات الأهليّة قد وضعت لبنات هذا التصور على أرض الواقع. إلا أنّ ما يشدّ الإنتباه عمليا هو هذه المسافة بين التصور والتطبيق، والتي يبدو أنّها قد تم تجاوزها من قبل الرئيس وأنصاره. من الأكيد أن التموقع في السلطة وامتلاك أدوات تركيز الأفكار وتحويلها إلى واقع يسمح بذلك، لكن عملية التجاوز ذهنية وفكرية قبل ذلك. ألم يعد “مسار 25 جويلية” بالتاريخ والجغرافيا والسياسة المتسمة جميعها بالجدّة والتمايز؟ ألم يرافق كل مرسوم أو زيارة أو قرار احتفاء خطابي يردّد وثوقية الإنجاز خلافا للواقع؟ من الجائز التساؤل إذن أين هو الواقع في السياسة القيسيّة؟ وبالأخصّ في السياسة الاقتصادية. فإذا لم يكن الإنسان “رقما بل هو قيمة”، لماذا لا تطرح السلطة اليوم سؤالا على نفسها: لماذا لم يتحول الإنسان نفسه إلى قيمة أكثر من الخطاب، خاصة عندما تواجهها الأرقام على أرض الواقع، أي تلك المؤشرات التي تُثبت عمق أزمة المواطن والإنسان التونسي؟ ونميل للقول في هذا المستوى، أن الشركات الأهلية، تَعِدُ بأكثر مما تقدر عليه، وهي أقل مما سبق وما هو موجود. إنها تُثبت أن المسافة بين التصور والتطبيق، مسافة بين الوعي والوهم. تلك المسافة التي أزاحت الوعي الأكاديمي لصالح وهم خطاب السلطة في نهاية الأمر.

ما سبق ما هو إلا مؤشر عن تبلور الاقتصاد في الشعبويات، حيث يُختزل في تغيير مأمول يحمّل مسؤولية تحقيق أهداف تتجاوزه، إلاّ أن الفورة الوجدانية للشعبوي توحي له بإمكان ما هو مستحيل عقلا ومنطقا وخلافا لواقع الأرقام والبيانات. فيتحول التصور عنه إلى شعارات كبرى أخذت في تونس من روافد الثورة الكثير لشرعنة ما تطرحه. وبجهد نظري غير كاف طرحت حلولا عديدة من أبرزها حلّ “الشركات الأهلية”. هذه الفكرة هي أيضا مؤشر على تبلور التغيير الاقتصادي في مشروع “مسار 25 جويلية” الذي يدعي أنه مواصلة للثورة التونسية وأفقها المطلبي المادي والمثالي. فجاءت الشركات الأهلية محملة بكل دلالات تغيير المنوال التنموي والعدالة الاجتماعية وإنتاج الثروة. وهو ما سيتم استعراضه في مرحلة أولى. أما في مرحلة ثانية يمكن الوقوف على هناتها الحقيقية في التنفيذ، أي عندما يواجه التصور الشعبوي الواقع كما هو. وصولا إلى بعض النتائج والمآلات الممكنة التي تستوجب الوقوف عندها في مرحلة ثالثة.

الشركات الأهلية: مفارقات التصور الاقتصادي في الشعبوية

عندما وضع مشروع البناء القاعدي مجمل تصوراته للتغيير في تونس، قدّم قراءة للتحوّلات في المجتمع التي اعتبرها مفصلية وقادرة على أن تطلق دينامية جديدة استيعابية للمشروع نفسه. هذا المشروع هو بالنسبة لأنصاره، انعكاس للمسار الثوري ككلّ وترجمة لتحولات الواقع الاجتماعي. من بين تفاصيل عملية الربط بين تحوّلات المجتمع والمشروع، نجد المحور الاقتصادي الذي ركّز على المنوال التنموي الذي يُراد له أن يكون تصعيديا ولامركزيا تلعب فيه الدولة دور الحاضنة. يفترض لذلك الرئيس وأنصاره أن الواقع أفرز الشروط الموضوعية لتحقيق هذا التغيير الاقتصادي باعتباره استجابة وانعكاسًا لتغيّر المجتمع نفسه. والحجّة الأساسية في هذا المستوى هو الحراك الثوري الذي يُقدّم دائما وبالمطلق على أنه خالٍ من المنظمات الوسيطة ومن الطبقات ومن القيادة ومن الأيديولوجيا. فالوحدة الثورية بالنسبة لهم خالية من عوامل التمييز الداخلي وانطلقت من الهوامش نحو المركز. وهي تتوفر على شروط مقاربات جديدة على كل المستويات بما فيها الاقتصادي والاجتماعي. بغضّ النظر عن دقة هذا المعطى، فإنّ النتيجة النظرية التي يعمل المشروع السياسي للرئيس على تطبيقها اليوم مُستقاة منه. فلطالما ردّد الرئيس أن الشركات الأهلية هي حلّ يتماشى مع المطالب الثورية للتونسيين عندما توحدوا منذ 17 ديسمبر وصولا إلى 14 جانفي والفترة الأولى بعد هذا التاريخ. تلك الوحدة التي تمثل بالنسبة للرئيس “حقيقة” الشعب التونسي والذي يُدافع عنه اليوم ككيان منصهر ومتضامن يتحكم بمصيره المادي والمعنوي. وهنا يعترضنا تناقض جوهري سيؤثر على تمثّل المسألة الاقتصادية والاجتماعية. فالزمن الثوري لم ينته بالنسبة للرئيس وأنصاره وإنما لا يزال متواصلا بل وحقق تغييرا عميقا ليس “مسار 25 جويلية” إلا مواصلة له. والتناقض في هذا المستوى يتمثل في عدم التمييز بين الزمن الثوري وعمليّة مأسسة التغيير تبعا له. فالأول شديد الكثافة والحدة، إلا أنه لا يملك القدرة على الاستمرار طويلا بينما الثاني استثمار في شروط وظروف التغيير عبر بنى سياسية دائمة ناتجة عنه.[1] ويشمل ذلك عملية مأسسة التغيير الاقتصادي والاجتماعي. غير أن طرح مشروع البناء القاعدي منذ بداياته لم يتجاوز الخطوط العريضة حول عمق التحولات وطبيعتها في المجتمع والدولة في تونس، والتي تمحورت حول تمجيد الشعب وقيم التضامن واللحمة والإرادة والفعل الجماعي وخاصة التنظّم الأفقي الشعبي. بالتوازي مع ذلك، كما اندفع مسار 25 جويلية في ادعاء استعادة الثورة، اندفع في التأكيد على أنه بصدد مأسسة التغيير الثوري في بنى جديدة. أي أنه استثمار في شروط موضوعية قد تحققت فعليا وتنتظر أن تتوفر شروط ديمومتها في بنى تامة. لذلك يمكن فهم الوثوقية الكبيرة في تقديم الشركات الأهلية على أنها أداة ستحقق تغييرا جذريا في إنتاج الثروة، فهي استعادة للذوات والعلاقات والبنى التي استنفرها الحراك الثوري وبالتالي ستكون أدوات إنتاج تضرب الاختلال القائم في توزيع الثروة وفق مقاربات مختلفة. من هنا حرص الرئيس على إصدار مرسوم الشركات الأهلية والاحتفاء به بصورة مبالغ فيها والتوجه إلى بني خيار بولاية نابل للإشراف بنفسه على تأسيس أول شركة أهلية. وهذا ما نستشفه أيضا من تدخلاته لجهة أن الشركات الأهلية هي خيار رئيسي لتمكين الشعب من الأدوات الحقيقية لتحقيق الثروة وفق مقاربات جديدة تستعيد قيم الثورة في الأفكار والعلاقات.

لذلك تبدو لنا الشعبوية نتيجة طبيعية اليوم في محاولة إعادة تبني الثورة وروافدها. ففي ظل العجز عموما عن إنتاج بدائل فكرية وأيديولوجية تستثمر فيها، وفي ظل التقييم السائد لمشروع البناء القاعدي وفقره النظري، تبدو الشعبوية، بما فيها من فورة عاطفية ورمزية، الأقلّ كلفة والأسهل في الربط مع كثافة التغيير الثوري، الذي أصبح يفصلنا عنه زمن طويل نسبيا في نفس الوقت. لا شكّ أنّ الثورات تنطوي على شحنة عاطفية تنبع من الظلم والغضب وغيرها من المشاعر، وعندما تلتقي بمطالب العدالة والأمن والمساواة (المطلب السياسي) تتوفر على شروط حدوثها غالبا.[2] إلا أنّ الحالة التونسية تُنبئ عن فهم مختزل للثورة في تصوّر خاصّ عن تحوّل تم سحبه على واقع المجتمع والدولة ككل من دون دليل مناسب، ثمّ الادعاء بأنّ المشروع الذي يتم تركيزه هو استجابة لهذا التحوّل. وهو مستوى من الادّعاء مبالغ فيه خصوصا بملاحظة أنه يمرّ بقوة وبصورة آحادية ويستمدّ قوّته من حالة شعبوية طاغية. بل أنّ الأخيرة تبدو لنا استثمارا في ذكرى وحنين لثورة تُعبّر عنها العاطفة الشعبوية وتُحييها كلما لزم الأمر. والحال هذه، من القصور النظري إلى الاستثمار في العواطف، تُنازع المقاربة الاقتصادية للتبلور بالصورة التي عليها اليوم حين برز قصورها في التصور كهنات وضعف في التنفيذ الذي يُشرف عليه الرئيس وحده. وهنا يمكن ملاحظة كيف أنّ الشركات الأهلية تُعرف أوليا ضمن تصور مشروع البناء القاعدي على أنها نمط إنتاج ثروة مُقترح ينطلق في أشكال التنظّم والعلاقات المرحلية خلال الثورة التي أعادت مشاعر وقيم التضامن والمشاركة. إلا أنها بالمرور إلى مأسستها اتضح أنها تنفصل عن الواقع المُتخيل شعبويا (ومدعي الثورية أيضا) لتتحول إلى تصور قانوني مُبهم وينازع من أجل الوجود برعاية الدولة لا المجتمع الذي يعيش واقعا مختلفا.

الشركات الأهلية: مفارقات التنفيذ أو الشعبوية في مواجهة الواقع

تواترت مؤخرا الأخبار عن تأسيس شركات أهلية عديدة، وإلى حدود شهر جانفي 2023 بلغ عددها 8 شركات حسب تصريح مستشار وزير الشؤون الاجتماعية المكلف بالشركات الأهلية راشد العبيدي. فيما لا تزال 30 شركة أخرى في طور التأسيس أو في مرحلة التصور والفكرة.[3] يعتبر هذا النسق بطيئا نسبيا ومخالفا للتوقعات خاصة أن فكرة الشركات الأهلية تمّ تداولها في البداية على أنها تستجيب للحراك المجتمعي الذي تمثّله أنصار البناء القاعدي كحاضنة مُفعَلة للمقاربات الجديدة في إنتاج الثروة; أي الفعل الجماعي الأفقي على المستوى المحلي بما يحمله من قيم النفع والتضامن والتشارك. فالملاحظ أنّ “الحملة التفسيرية” لا تزال متواصلة في ظل عدم التجاوب الملاحظ بل أنّ أغلب الشركات التي تمّ تأسيسها كانت تحت إشراف “المفسّرين” وبحرص شخصي منهم في جهاتهم. وهذه هي الحال في جرجيس على سبيل المثال حيث أشرف أحمد شفطر على الشركات الموجودة بالحضور الدائم في اجتماعات التحضير والتأسيس المختلفة. كما يتأكد ذلك من خلال متابعة صفحته الشخصية وصفحات الشركات. فقد أكد أنه بصدد التنقل في ولايات أخرى لنفس الأهداف.[4] هذا وقد سبق لرئيس الجمهورية أن أشرف على تأسيس أول شركة أهلية في بني خيار (مسقط رأسه) من ولاية نابل مردّدا نفس الخطوط العريضة حول فكرة الشركات الأهلية.

بملاحظة هذا الاحتضان من قبل “المفسّرين” والرئيس للشركات، يتضح أنهم بصدد الترويج لنفس التصورات الأولى حول البناء الجديد والمقاربات الجديدة في إنتاج الثروة مُدّعين دائما أن للمشروع عمقه المجتمعي رغم هذا التعطل والتأخير وعدم الاستجابة. ويستشفّ من ذلك أن مشروع البناء القاعدي يبحث له عن سبل لفرض تصوراته التي تبيّن أنها مختلة داخليا وعمليّا. وكنتيجة لذلك، فيما يخص الشركات الأهلية، تحرص جميع المؤسسات الرسمية لـ “مسار 25 جويلية” على احتضان هذه المؤسسات. فكما يحضر الرئيس، يحضر الولاة والوزراء والمعتمدون في الاجتماعات والجلسات. ما يعزز في النهاية طابع الإسقاط في المشروع الذي سيتحول إلى ارتباط وتبعية للسلطة في المرسوم عدد 15 الذي نص على صلاحيات موسعة للولاة والوزير المكلف بالاقتصاد تمس التسيير والإدارة والحلّ. وفي ذلك، يتردد صدى تجربة التعاضد في بدايات دولة الاستقلال فكأننا بصدد إعادة إنتاج الطابع الفوقي والتسلطي في خلق وإدارة التغيير الاقتصادي والاجتماعي.

في ظل عدم الاستجابة من الأوساط المجتمعية، يبدو الحلّ المناسب لهذا التعطّل الناتج عن العطالة في التصوّر تكفّل الدولة وتشجيعها على أعلى مستوى لخلق الشركات الأهلية. ويبرز ذلك جليّا في الدعم المفتوح بدءًا بمرسوم المالية لسنة 2023 الذي وضع خط تمويل خاص مفتوح لدى البنك التونسي للتضامن بقيمة 20 مليون دينار للشركات الأهلية، في انتظار جمع مصادر تمويل مُحددة بـ%20 من مداخيل الصّلح الجزائي المُتعطل إلى اليوم. إلا أن ذلك يُثبت مرة أخرى مفارقات التصور الاقتصادي وقصوره في التطبيق، حيث لا تعكس حلول التمويل وجود منظومة متكاملة مترابطة كما هي الحال في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. فالأخير مثلا، حسب القانون عدد 30 لسنة 2020 المتعلق بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني المؤرخ في 30 جوان 2020، يتوفر على منظومة تمويل قائمة الذات الهدف منها ضمان ديمومة واستقلالية قطاع كامل عبر توفير آليات متنوعة تبدأ بالحوافز والإعفاءات الجبائية وصولا إلى التأمين والضمان على القروض والتمويلات التي تتحصّل عليها المؤسسات، وذلك بهدف تشجيع البنوك التجاريّة على دعمها وتمويلها؛ من دون أن ننسى البنوك التعاضديّة التي نصّ القانون على إمكانية إحداثها ما يعني أننا نتحدث عن قطاع كامل له استقلاليته ويختلف عن بقية القطاعات.

 لكن المفارقة في الوقت ذاته هي أنّ الشركات الأهلية ليست جديدة في الحقيقة. بل هي أقرب للاقتصاد الاجتماعي والتضامني. فبمراجعة المرسوم عدد 15، يلاحظ نقاط تشابه كبيرة مع قانون الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. فبين الفصول 2 و 6 و 55 من المرسوم والفصلين 2 و4 من القانون تشابه كبير جدا في العبارات والجمل والأفكار خاصة فيما يتعلق بتعريف الشركات وأهدافها والمبادئ التي تقوم عليها. كما نجد صلب الفصل 92 من نفس المرسوم التنصيص على إعفاءات موجودة في القانون عدد 30 لسنة 2020.

بالمحصلة، يمكن القول أنّ الشركات الأهلية لا تتوفر على شروط اعتبارها قطاعا كاملا مستقلا مبنيا من الناحية النظرية على مقاربات جديدة تنبع من تحولات المجتمع، وهي تأخذ من المقاربات الموجودة سابقا المتعلقة بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني. والحال هذه، يمكن القول أيضا أن المرور من التصور المنقوص إلى التنفيذ المُستعجل يتحكم فيه اليوم مطلب سياسي رئيسي لدى النظام والرئيس خاصة. فهو بصدد المرور إلى ما يعتبره جزءًا من المشروع السياسي بما يفرض عليه التأكيد على مشروعيته السياسية (مقبولية “25 جويلية”) بمشروعية إنجاز، حتى وإن كانت غير كافية. لكن يبدو أن الاندفاع الشعبوي اليوم يتكفل بالتغطية على هذه الهنات بين المقاربة والتنفيذ، اللذيْن آلا إلى ممارسة سياسية-اقتصادية ضيّقة الأفق نظرا وتطبيقا.

الشركات الأهلية: أية نتائج ممكنة؟

بناءً على ما سبق، يمكن القول أننا بصدد الحديث عن صنف جديد ينضاف للنسيج الاقتصادي الموجود، يأخذ منه خاصة فيما يرتبط بالاقتصاد الاجتماعي والتضامني. لكن يتقدم عليه بفضل الرعاية السياسية الفوقية. فبدل تعزيز المنظومة القائمة وإصلاحها أو دمج هذه الشركات في منظومة موجودة فعلا تنتظر خاصة إصدار النصوص التطبيقية لتفعيلها، اختار المسار التركيز على خيار سياسوي بالأساس. ما يؤدي إلى المرور بجانب الأزمات الموجودة فعلا بادعاء خلق حل يبدو سحريا في نهاية الأمر.

والحال هذه، يمنع ضيق الأفق السياسي المشرف على السياسة الاقتصادية من الاستثمار في التاريخ والمراكمة عليه. فالاقتصاد الاجتماعي والتضامني تجربة اقتصادية تعود إلى فترات ما قبل الاستقلال، وطورت فيها دولة الاستقلال ولا تزال آثارها إلى اليوم. وينضاف لها قانون الاقتصاد الاجتماعي والتضامني لسنة 2020. ما يعني أننا نتحدّث عن نسيج يبلغ عمره المائة سنة تقريبا كانت عوامل فشله وهناته مرتبطة بشروط إنتاج الثروة وبالأخصّ بسيطرة دوائر الهيمنة السياسية والاقتصادية على المنظومة الاقتصادية.[5] ما يجعل توقع فشل الخيار الجديد للشركات الاهلية ممكنا حيث ألقى بالتجربة التاريخية وحافظ على عيوبها -التسلطية والفوقية- وأضاف لها طابعا شعبويا يؤطر رسم السياسات العمومية الاقتصادية.

كما يدفع المعطى السياسي وراء الاقتصادي إلى تأويل هذا الخيار كأداة تمكين للمنظومة السوسيو-السياسية عبر الإقتصاد. فاحتضان الدولة للشركات الأهلية تحت إشراف الرئيس وأنصاره يسمح بالقول أنه يمكن أن تتحول إلى أداة خلق حزام اقتصادي واجتماعي داعم للسلطة أكثر منها حلا للتشغيل والبطالة. فكأنّنا بصدد إعادة إنتاج زبونية سياسية جديدة تتلاءم مع رهانات السلطة الجديدة. غير أن الفارق اليوم هو في المعطى الجغرافي الذي ينضاف في تحديد النشاط الاقتصادي للشركات الأهلية. فإن كنا في إطار الاقتصاد الاجتماعي والتضامني نتحدث عن قطاع مرتبط بالاقتصاد والسوق الوطنيين (بل ومفتوح على القطاع الخاص عبر آلية العلامة التي يمكن أن تحصل عليها الشركات الخاصة أو الجمعيات وغيرها من المؤسسات لتصبح ضمن قطاع الاقتصاد الاجتماعي والتضامني)، فإنّ الشركات الأهلية مرتبطة بمحدد جغرافي (المعتمديات أو الولايات، حسب نوع الشركة الأهلية). يرشح هذا الحد المناطقي عن خطورة معينة بحيث يعكس تمثُلا جديدا لماهية المصلحة والمنفعة الاقتصاديين، والتي يفترض بالضرورة أنها محلية. وإذا ينضاف له البعد الأهلي (الذي يركز عليه البناء القاعدي)، تصبح فرضية عودة الارتباطات التقليدية وراء الملكية وانتاج الثروة واردة جدا. فكأننا بصدد الحديث عن شكل من أشكال “البداوة السياسية” الممكنة حيث يمتلك التقليدي أدوات اقتصادية في إطار ضيّق جغرافي ومصلحي. لعلّ أنصار البناء القاعدي يعتبرون أن هذا المعطى لا أثر له بالنظر إلى أن السياسة التنموية تصعيدية وسيتم توحيدها على المستوى المركزي، إلا أن فرضية أخرى تعترضنا. فالتوحيد على مستوى المركز لن يعني بالضرورة أنه سيحدّ من المسار المعاكس له في الشركات الأهلية (هذا لو افترضنا أنّها ستتحول إلى قطاع موسع وكبير) الذي يدفع بتمثلات ضيقة مناطقية. بل ويزداد الأمر خطورة عندما تنضاف إلى فرضية الزبونية هيمنة المركز على كل شيء-ودستور 2022″ يتوفر على كلّ شروط هيمنة الرئيس على المنظومة السياسية– فيمكن أن نتحدث عن سيناريو ممكن يكون فيه الرئيس من يمنّ على المصالح المحلية بالتبلور والتحقيق والإشباع حسب إرادته انطلاقا من المركز وممثليه سواء الوالي أو الوزير المُكلف بالاقتصاد حسب مقتضيات الباب السادس من المرسوم عدد 15 المُعنون بـ:”الإحاطة والإشراف”. وهما إحاطة وإشراف يضربان تماما استقلالية المنشأة الإقتصادية، كما يُفترض في الاقتصاد الاجتماعي والتضامني. ويتماشيان مع الطابع الرئاسوي للنظام الجديد الذي يخلق قاعدته في الحقيقة. ففي البدء، كانت كلمة شعبوية في الخطاب وهي الآن موجودة بفضل إصرار النظام على إيجادها عنوة عبر القانون والمؤسسات. [6]

يمرّ الواقع الاقتصادي والاجتماعي على هامش السياسة الاقتصادية الشعبوية من دون حلّ حقيقي. فبينما تتواصل أزمات الاقتصاد التونسي، يجد الملاحظ نفسه في مواجهة ضمور نظري يُكابر أمام الواقع والأرقام. لو كانت بعض الشعبويات قد نُسب لها الفضل أنها تُعيد الحديث عن المسكوت عنه في “الإستبلشمنت” أو في الديمقراطيات المأزومة،[7] إلا أن الشعبوية في تونس ترفض حتى أن ترى هذه القضايا كما هي، لتفضّل مغامرة محفوفة بالمخاطر، يناسب في توصيفها قول أسعد الأمير أحمد ثنائية “تحجيم الوعي-تكثيف للوهم”.[8]


[1] Francis Wade, Gayatri Spivak: ‘The Subaltern Speaks Through Dying’: A conversation on the educational empowerment of rural poor in India, and the evolution of Spivak’s thinking about state and citizen, 06/07/2021. Link: https://shorturl.at/hopBZ

[2] Dewey, Une foi commune, p. 71, in Louis Quéré, Les passions tristes du populisme, Occasional Paper 43, Paris, Institut Marcel Mauss – CEMS, 2017.

[3] تكوين 8 شركات أهلية في تونس و30 شركة أخرى في طور التأسيس، 24/01/2023. الرابط: https://shorturl.at/svzJW

[4] الصفحة الشخصية لأحمد شفتر. رابط التدوينة بخصوص الشركات الأهلية: https://shorturl.at/IMQW6

انظر كذلك: الشركة الأهلية زيان للنقل والخدمات بجرجيس. الرابط: https://shorturl.at/bAK03

[5] توفيق الذهبي، تجربة التعاضد في الستينات: السياقات والإكراهات. الرابط: https://shorturl.at/rEQV9

[6] ياسين النابلي، مهدي العش، مرسوم الشركات الأهليّة: مشروع للعدالة أم الهيمنة؟، المفكرة القانونية، 12/04/2022. الرابط: https://shorturl.at/oxCOW

[7] إيثيكييل آدموفسكي، عن معاني الشعبوية واستخداماتها، موقع الجمهورية، 2016. الرابط: https://shorturl.at/iyLQU

[8] أسعد الأمير أحمد، مثقفو الخراب: تحجيم الوعي-تكثيف الوهم، الآن للنشر وشركائه، 2022، ص43.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، اقتصاد وصناعة وزراعة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية