49 صحافيًّا استشهدوا في غزة: إسرائيل ترتكب إبادة جماعية بيد وتطفئ الأضواء بيد أخرى


2023-11-11    |   

49 صحافيًّا استشهدوا في غزة: إسرائيل ترتكب إبادة جماعية بيد وتطفئ الأضواء بيد أخرى
صحافيون فلسطينيون يحملون توابيت وهمية لزملائهم الذين قتلوا خلال الحرب الحالية على غزة خلال جنازة رمزية أمام مكتب الأمم المتحدة في مدينة رام الله

تصاعد التحريض الإسرائيلي خلال هذا الأسبوع ضد صحافيي قطاع غزة وعاملي قطاع الإعلام فيه. وبينما وصلت حصيلة الشهداء منهم إلى 49، قاد الإعلام الإسرائيلي والإعلام الموالي لإسرائيل حملة تحريض ضدّهم وضدّ مؤسساتهم، تشكّك في استقلاليّتهم ومصداقيّتهم، في محاولة لنزع الصفة الصحافية عنهم لتبرير قتلهم، على غرار ما كان فعله الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتزوغ في محاولته نزع الصفة المدنية عن المدنيين بحجة عدم حياديّتهم. واتّهم الوزير في حكومة الطوارئ الإسرائيلية، بيني غانتس، صحافيين فلسطينيين بأنّهم رافقوا كتائب القسّام في عملية “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأوّل لذلك فإنّهم “لا يختلفون عن الإرهابيين وعقوبتهم واحدة”، فيما بعث مكتب الصحافة الحكوميّ كتبًا إلى المؤسسات الدولية المتعاقدة معهم يطالبها بـ “اتخاذ إجراءات فورية” ضدّهم. إذًا الصحافيون “مرتكبو جرائم” بسبب التغطية الصحافية للتطورات العسكرية صباح 7 تشرين الأوّل. وفجر اليوم الجمعة، وصلت قذائف الاحتلال إلى خيَم الصحافيين التي نزحوا إليها في مستشفى الشفاء في رسالة واضحة لهم وللمستشفى، بأنّ إسرائيل مستعدّة لتجاوز المزيد من الخطوط الحمراء في حربها. وظهر اليوم، أظهرت الصور خروج عشرات الصحافيين بينهم مراسل “الجزيرة” وائل الدحدوح الذي سمعناه يقول بغصّة: “الخروج من الديار صعب”. كذلك غادر الصحافي المستقل معتز العزايزة الذي وثّق لقاءه بالصحافيين علي جاد الله وهند خضري ومحمد المصري على طريق التهجير القسري من غزّة المدينة، باتجاه جنوب القطاع، تحت تهديد نار الاحتلال. وذلك في ظلّ الرفض الإسرائيلي لضمان حماية أيّ من الصحافيين خلال حربه التي دخلت يومها الـ 36. 

وبينما تشهد غزة حرب إبادة جماعية، قتلت إسرائيل حتى هذه اللحظة نحو 5% من صحافيي غزة الذين يقدّر مجموعهم بـ 1000. وتحاول إسرائيل جاهدة الإطباق على صوت الفلسطينيين فيما يكافحون بما تبقى لهم من طاقة من أجل إخبار العالم حكايتهم. ففي هذه المدينة الصغيرة التي أغرقها الاحتلال نارًا وبارودًا ودماءً، يجهد الصحافيون لتوثيق الحرب وهم هدف نيرانها في الوقت عينه، إذ يشكّل مجرّد وجودهم وعملهم تهديدًا لسعي مرتكبي الإبادة إلى التعتيم على جرائمهم أمام العالم، وكذلك منع توثيقها. والأهم أنّ إسرائيل تدرك أنّ مئات آلاف المتظاهرين المناصرين لغزة في العواصم الغربية من أميركا إلى أوروبا خلافًا للموقف الرسمي لدولهم، قد عرفوا بجريمة الإبادة الجماعية والتطهير العرقي بفضل قصص الصحافيين وكاميراتهم وأقلامهم وأصواتهم.   

ترصد هذه المادة الصحافية كيف أن قتل الصحافيين ليس مجرّد عمل منعزل من أعمال كتم الصوت، ولكنه دليل إضافي على نوايا الإبادة الجماعية. فكل صحافي يُقتل أثناء أداء واجبه أو تحت ركام منزله، أو تستهدف عائلته، وكل مؤسسة إعلامية سُوّيت بالأرض، وكلّ مراسل نازح، وكل خط اتصال مقطوع، وكل حملة تحريض عليهم، ليس سوى إثباتٍ على النية التي تقود الحرب عليهم. ويندرج هذا الاستهداف الممنهج للصحافيين ومؤسّساتهم وأماكن سكنهم وعائلاتهم، والمنع الصارم لدخول الصحافة الأجنبية، والتهديدات المشؤومة التي تلوح في الأفق حول سلامتهم الشخصية، ضمن فصل من الانتهاكات هو الأحلك في تاريخ البشرية. وكأنّ إسرائيل في ذلك تتبع دليلًا خبيثًا عنوانه “كيف ترتكب إبادة جماعية وتمنع توثيقها”.

القتل: صحافي يقتل كلّ 16 ساعة منذ بدء الحرب

تقتل إسرائيل المزيد من الصحافيين في غزة كل يوم، في جرائم حرب وثق كثير منها بالصوت والصورة، وخلال التغطية المباشرة. نعى الثلاثاء الماضي المكتب الإعلامي الحكومي في القطاع 48 شهيدًا من الصحافيين، يضاف إليهم الشهيد محمد أبو حصيرة من وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية “وفا” الذي استشهد في وقت لاحق من اليوم نفسه، لتبلغ الحصيلة لغاية الساعة 49 شهيدًا ومفقودين اثنين هما الصحفيان هيثم عبد الواحد ونضال الوحيدي إضافة إلى الشهيد عصام عبدالله الذي قضى باستهداف إسرائيلي خلال تغطيته على الحدود الجنوبية للبنان. وبالتالي قتلت إسرائيل صحافيًّا كل 16 ساعة منذ إعلانها الحرب على القطاع في 7 تشرين الأوّل. 

49 استشهدوا، لكلّ منهم قصّته التي لم يتسنّ له كتابة آخر فصولها. بدل ذلك، قتلتهم قنابل الاحتلال وصواريخه، بعضهم ترك زوجًا أو زوجة أو أولادًا، وبعضهم ترك أمًا ثكلى أو أبًا مفجوعًا، فيما كثرٌ منهم قتلوا مع عائلاتهم في استهداف بيوتهم. وقد كان العالم بأمسّ الحاجة لكلّ صحافي وصحافية من هؤلاء، ليكونوا عيونه وآذانه في قلب غزة وبين أزقتها التي تتعرّض لعنف إجرامي غير مسبوق.

نستعيد هنا حقيقة أنّ من أوائل الشهداء الذين وصل خبر استشهادهم إلى العالم في الحرب على غزة كان مصوّرًا صحافيًا، هو محمد صالحي الذي قتل بنيران إسرائيلية على معبر بيت حانون المعروف إسرائيليًا بـ “إيريز” مرتديًا سترته الصحافية، وفيما كان ينقل عبر البث المباشر الساعات الأولى لعملية “طوفان الأقصى” صباح السبت 7 تشرين الأوّل. اغتيال صالحي كان أول المؤشرات على أنّ إسرائيل تحبّذ تنفيذ عملياتها في العتمة، وقتل الصحافيين حجر أساس في هذا المخطط.

وإن كان صالحي قد ترك زوجته مايا التي أطفأت معه قبل شهرين فقط شمعة سنة زواجهما الأولى، فإنّ الصحافية سلام ميما رحلت مع زوجها وابنها وصهرها، بعد أن قضوا ليلتين أحياء تحت الأنقاض، بينما لا تزال ابنتها مفقودة. بدورها، مسحت غارة إسرائيلية عائلة الصحافي أحمد شهاب، من إذاعة صوت الأسرى، لتشطب أفرادها الـ 44 من السجل المدني. أما الصحافي أبو حصيرة، آخر شهداء الجسم الصحافي، فقد قضى مع 42 من أفراد عائلته باستهداف منزله غربي غزة.

والهدف من قتل الصحافيين ليس فقط إزاحتهم من المشهد بل ترهيب زملائهم أيضًا، في إطار الحصار الإعلامي المُطبق. رغم ذلك يُظهر الصحافيون الفلسطينيون شجاعة وإصرارًا على تحدّي هذا الترهيب الجبّار من خلال الاستمرار في ممارسة مهنتهم بكفاءة وشجاعة. يقومون بتحقيقات ميدانية دقيقة وتوثيق الأحداث وتقديمها للعالم أجمع ليكون على دراية بحجم الجرائم المرتكبة. ولعلّ إصرارهم على الاستمرار في تقديم التغطية الصحافية يعكس التزامهم بمبادئ الحرية الصحافية والنقل الحر والشفافية ومعها مسؤوليتهم المهنية.

الترهيب بقتل الأقارب: الصواريخ الإسرائيلية تستهدف منازل الصحافيين وأسرهم

وإلى جانب قتل الصحافيين، يحاصر جيش الاحتلال الأحياء منهم بالدمار والدم. وثقت مراسلة “الجزيرة” الإنكليزية يمنى السيّد اتصالًا من الجيش الإسرائيلي هدّدها فيه بالاستهداف المباشر إن لم تُخلِ منزلها، فيما اضطرّ الصحافيون الفلسطينيون إلى ترك منازلهم في شمال غزة ووسطها مع القرار الإسرائيلي بتهجير كامل السكان. وحتى اللحظة، دمّرت إسرائيل 70 منزلًا لصحافيين وعائلاتهم على الأقلّ، ما اعتبرته نقابة الصحافيين الفلسطينيين استهدافًا مقصودًا، فيما فقد الصحافيون 200 شهيد من أسرهم، وشاهدوا أصدقاء وجيرانا لهم قتلى أو جرحى بإصابات متنوعة تصل إلى الحروق العميقة والتشوهات وبتر الأطراف، خصوصًا مع توثيق مقتل وجرح وفقدان 2% من سكان قطاع غزة، حتى لحظة كتابة هذه السطور.

وقد رأينا عشرات الصحافيين وهم يتلقّون نبأ استهداف منازلهم بالغارات التي قتلت أفرادًا من أسرهم، لكنّهم أكملوا التغطية، يتصدّرهم مراسل قناة “الجزيرة” وائل الدحدوح بكلمة “مَعِلش” التي واجه بها خبر استشهاد أفراد عائلته إثر استهدافهم بعد نزوحهم إلى وسط غزة. وقال الدحدوح “إنهم ينتقمون منّا بالأولاد، معلش”، مع شدّة بقوّة الألم على حرف الشين، فيما كان يلقي النظرة الأخيرة على زوجته وابنته وابنه وحفيده. 

وصحافيو غزة لحم ودم. وهم إذ يواجهون الإبادة بأصواتهم وكاميراتهم وأقلامهم، فإنّ قلوبهم تنكسر أمام هول ما يرونه. مع استهداف أسرة الدحدوح، نشر المصوّر الصحافي معتز عزايزة رسالة إلى العالم، تقول: “رأيت مراسل قناة الجزيرة عندما فقد عائلته بأكملها.. صدقوا أو لا تُصدّقوا كنت سأحذف كل شيء هنا، لا أريد أن أخسر المزيد لمجرّد إظهار ما يحدث للعالم”. 

والعزايزة بدوره خسر 15 من أفراد عائلته في مجزرة إسرائيلية استهدفت منزله، وأكمل. وقد رأيناه أيضًا يطلّ من على أنقاض منزله في شارع العزايزة في دير البلح الذي استهدفته الغارات الإسرائيلية، مع دبدوب أحمر كبير أنقذه من تحت الأنقاض فيما كان يتعرّف على أشلاء الشهداء. وهو إذ نعاهم فردًا فردًا، أبكانا وهو يسترجع ذكرياته معهم، مختصرًا كلامه بـ “كنا عائلة مترابطة”، روابط عائلية سحقت تحت ثقل القنابل الإسرائيلية التي هوت على رؤوسهم.

وعلى “إنستغرام”، لا تزال حسابات معتزّ توثق دموع غزة وصمودها، ويشاهده أكثر من 13.5 مليون متابع حول العالم يستمعون إلى صرخته من قلب الحدث، يشاطرونه الألم ويدعمونه بكلمات الشجب والتضامن.

معتز العزايزة فوق انقاض منزله الذي دمره القصف الإسرائيلي قاتلًا 15 من أفراد عائلته

استهداف المؤسّسات الإعلامية

وحينما يقال “لم يعد هناك مكان آمن في غزة”، فذلك لا يدلّل فقط على شمولية الحرب على القطاع والفلسطينيين فيه، كأرض وشعب، بما يكشف دوافع ارتكاب إبادة جماعية وتطهير عرقي، بل هو يشمل أيضًا مؤسسات الصحافيين وأماكن عملهم، التي إما دمرها الاحتلال، أو هجّر العاملين فيها بأوامر إخلاء أو بقصف مباشر أدى إلى تدمير جزئي. وقد استهدفت غارات الاحتلال 62 مؤسسة إعلامية بالقصف والتدمير الكلي أو الجزئي في قطاع غزة، فيما شُرّد الصحافيون في الشوارع والمستشفيات والمنازل، المهددة كلّها بالقصف. 

ودمّرت الغارات الإسرائيلية برجَي “فلسطين” و”وطن” اللذين يضمّان وكالة “شهاب”، ومكتب صحيفة “الأيام”، ومقرّي إذاعة “غزة Fm”، وإذاعة القرآن الكريم، والهيئة الفلسطينية المستقلّة لتوثيق انتهاكات وجرائم الاحتلال “توثيق”، وكذلك مقرّات وكالة “معًا” الإخبارية. كما دمّر بشكل كامل مكتبي وكالة APA وشبكة “الجزيرة” في مبنى حجّي، إضافة إلى تدمير مقرّ “وكالة شمس نيوز” وتضرّر مقرّ تلفزيون فلسطين ومكتب وكالة الصحافة الفرنسية في مبنى الهيثم، إضافة إلى عدد من المكاتب الإعلامية المحلية. وأعلنت مراسلة وكالة الصحافة الفرنسية روزي سكاميل تضرّر مكتب الوكالة في مبنى برج الغفري يوم الجمعة 3 تشرين الثاني، بصاروخ موجّه استهدفه، مهدّدًا مكاتب “رويترز” و”الميادين” وعشرات المؤسسات الأخرى في المبنى نفسه. وقد توقفت عشرات وسائل الإعلام عن العمل، أو تأثّرت تغطيتها، بفعل استهداف مراكزها وقطع الكهرباء عنها، أو قتل وتهجير صحافييها، بينها 24 إذاعة فلسطينية انقطع بثها على أثير غزة. 

صاروخ موجه حوّل مكتب وكالة الصحافة الفرنسية في غزة إلى ركام

ومع استهداف المؤسسات الإعلامية بعد البيوت، توثق شهادات الصحافيين في غزة لـ “المفكرة القانونية” كيف يعيش كثير منهم إما في سياراتهم وفي الشوارع، أو يفترشون الكنبات والأرض في منازل أقارب أو أصدقاء، فيما يفضّل كثيرون منهم العيش في المستشفيات حيث يتوفّر التيار الكهربائي بفعل مولّداتها الخاصة، ليعيشوا جنبًا إلى جنب مع النازحين ويشاركونهم ضيق المساحات وشحّ الإمدادات. ويتقاسم الصحافيون مواقف المستشفيات وحدائقها وأروقتها مع عشرات آلاف النازحين، ويواجه الفلسطينيون في هذه المساحات التي تحوّلت إلى مراكز إيواء، ظروفًا مستحيلة، حيث تقسم حصة الآلاف من كمية محدودة من الطعام ومرحاضًا واحدًا يتداورون عليه بالساعات وفي طوابير لم يشهد العالم لها مثيلا فيما مياه الشرب شبه مقطوعة. ومع بدء الاحتلال الإسرائيلي تهديداته للمستشفيات منذ بداية العدوان، وصولًا إلى استهدافها بشكل متكرّر، يفقد الصحافيون كما النازحون آخر مأوى آمن لهم، فيما تهدّد أوامر الإخلاء والقصف المتكرّر حياة المرضى والجرحى وحقهم في الحياة. 

ويلاحق القصف الإسرائيلي الصحافيين حتى إلى أماكن تهجيرهم، قبل الاستهداف الذي شهده مستشفى الشفاء فجر يوم الجمعة 10 تشرين الثاني 2023، حيث استشهد 6 مواطنين وأصيب آخرون. دمرت غارة جوية في 19 تشرين الأوّل الماضي، خيمة مؤقتة تؤوي فرق “بي بي سي” و”رويترز” و”الجزيرة” و”وكالة فرانس برس” ووكالات الأنباء المحلية، بالقرب من مستشفى ناصر في خان يونس. وجاء هذا الاستهداف بعد أن رفض الجيش الاسرائيلي طلبًا من عدد من وسائل الإعلام الدولية بضمان عدم استهداف صحافييهم، قائلًا في رسالة مكتوبة وصلت “رويترز” ووكالة الصحافة الفرنسية إنّه “في ظلّ هذه الظروف، لا يمكننا ضمان سلامة موظفيكم”. 

وحماية الصحافيين في الحروب هي واجب يفرضه القانون الدولي الإنساني، وليست خيارًا، على ما يؤكد مدير مكتب الشرق الأوسط في مراسلون بلا حدود، جوناثان داغر، الذي يقول لـ “المفكرة” إنّ رسالة الجيش الإسرائيلي “غير مقبولة على كلّ الصعد”، وهي “تفضح تهاونًا واستخفافًا بحياة الصحافيين وتعمدًا لعدم أخذ سلامتهم بعين الاعتبار”. وإذ توثق مراسلون بلا حدود استشهاد صحافيي غزة تباعًا، تؤكد أنّ هؤلاء يُقتلون أو يُصابون “في هجمات ترقى إلى جرائم حرب”، وهو ما دفعها إلى رفع دعوى قضائية أمام المحكمة الجنائية الدولية يوم الأربعاء 1 تشرين الثاني 2023، معتبرة أنّ “حجم الجرائم الدولية التي ترتكب بحق الصحافيين، خاصة في غزة، وخطورتها وطبيعتها المتكررة، أمر يستدعي إعطاء الأولوية لإجراء تحقيق من قبل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية”. ويدين داغر “تقاعس المجتمع الدولي عن القيام بأي خطوات فعّالة لردع القوات الإسرائيلية عن استكمال هذه الجريمة بحق الصحافيين والصحافة، بينما يستمر قتل المزيد من الصحافيين في غزة بنيران إسرائيلية”.

صحافيون يبكون زملاءهم، تصوير مصطفى حسونة

قطع الاتصالات عن غزة بعد المواصلات: إحكام للطوق

منذ السابع من تشرين الأول 2023، بدأت إسرائيل حربها بتدمير الشبكات والبنية التحتية للاتصالات في القطاع، وهو ما وثقته شركة الاتصالات الفلسطينية “جوّال” في ورقة حقائق أكدت أنّ الضربات طالت 50% من بنيتها التحتية في الأيام العشرة الأولى من الحرب فقط. يترجم هذا الواقع من خلال انقطاع جزئي متواصل للشبكة وضعف الخدمة وتردّيها إلى حدود الانعدام، فيما أدخل الاحتلال تصعيدًا جديدًا يتمثّل بلجوئه مرات عدة إلى قطع كامل لخدمات الاتصالات الثابتة والمتنقلة والإنترنت عن القطاع، وهو ما حدث للمرة الأولى مع بدء الهجمة البرية على القطاع، ودام 36 ساعة حتى عصر الأحد 29 تشرين الأوّل. وتتحكّم إسرائيل بكامل شبكات الاتصالات في فلسطين، من خلال سيطرتها على كابلات الاتصالات بين غزة والضفة الغربية المحتلة، إضافة إلى سيطرتها المباشرة على الكابلات الدولية في بحر غزة المحتل بدوره. وإذ يعد قطع الاتصالات عن غزة وأهلها جريمة في ضوء القوانين الدولية تمس حقهم البديهي بالوصول إلى وسائل الاتصال وحرية التعبير والحق في تلقّي المعلومات ونقلها، فإنّها جريمة تتكرر مع كل تصعيد إسرائيلي، ليعيش الفلسطينيون ساعات من القصف المكثّف، بدون قدرة على التواصل مع أحبائهم أو معرفة مصيرهم، أو طلب النجدة تحت ركام مبنى أو في غارة على حي سكني أو مستشفى.

تلك الهجمات الوحشية على البنية التحتية للاتصالات ليست مجرّد هجمات عابرة، بل هي تكتيك مدروس يستهدف تقويض القدرة على نقل الحقائق والأحداث. فأوّلًا وقبل كل شيء، يعيق هذا الانتهاك الخطير وصول الصحافيين إلى مصادر المعلومات وإلى الشهود، خصوصًا مع منع دخول الوقود وتعطل المواصلات، فضلًا عن خطر التنقل على شوارع القطاع. ثانيًا، يجعل انقطاع الاتصالات من المستحيل التواصل مع الصحافيين الموجودين في الميدان، مما يؤدي إلى عزلهم وتقييدهم في نطاق محدود، مما يجعل من الصعب عليهم تغطية الأحداث بشكل شامل ومستمر. ثالثًا، يصعّب نقل المعلومات والصور والفيديوهات إلى الخارج، ممّا يقيّد الصحافيين ويحجب نقل الحقائق بشفافية ومعها الصور الواقعية لما يحدث على أرض غزة. وفي النهاية، فإنّ هذا الانتهاك لا يستهدف فقط الصحافيين ووسائل الإعلام، بل يستهدف أساسًا حق العالم في معرفة الحقيقة والوصول إلى المعلومات. إن استهداف البنية التحتية للاتصالات هو محاولة لتكميم أصوات الضحايا وتشويه الحقائق ومنع نشر الحقيقة الصادقة.  

صور شهداء الصحافة في غزة خلال تظاهرة للصحافيين في رام الله

تجريم الهوية الفلسطينية يشمل الصحافيين 

تحاول إسرائيل عبر حربها على الصحافيين الفلسطينيين، تجريمهم لمجرّد كونهم فلسطينيين، من خلال حملتها التي تضع أهل غزة كلّهم في خانة مقاتلي حركة “حماس”، وترفض وجود مدنيين بينهم، وتروّج لأنّ كلّ شيء في غزة هو مقرّات للحركة بما في ذلك المستشفيات والمدارس والجامعات والمنازل. ثمّ تتّهم إسرائيل “حماس” بأنّها تابعة لـ “تنظيم الدولة الإسلامية” تارة، و”قوات نازية” تارة أخرى. وإن كان هذا التكتيك يهدف إلى تبرير استهداف غزة، كل غزة، بشكل شامل وصولًا إلى استكمال جريمتي الإبادة الجماعية والتطهير العرقي بحق أهلها، فإنّه حينما يطال الصحافيين، فإنّه يهدف إلى تبرير قتلهم أولًا، ودفع العالم إلى إقفال آذانه عن تغطيتهم وشهاداتهم، وعن عملهم الصحافي كما التشكيك فيه. رأينا هذا من خلال حملة صحيفة “جيروزاليم بوست” الإسرائيلية ضدّ عدد من الصحافيين والناشطين الفلسطينيين المتحدّثين بالإنكليزية من الأكثر متابعة على منصات التواصل الاجتماعي، والذين غالبًا ما يظهرون في مقابلات تلفزيونية أجنبية، لتتّهمهم بأنّهم “تابعون لحماس”. وعنونت الصحيفة الإسرائيلية مقالًا لها في تاريخ 2 تشرين الثاني “فريق الدعاية التابع لحماس: هل هؤلاء الأفراد صحافيون مستقلون أم أنهم مرتبطون بحماس؟” وقد اتهمت الصحيفة هؤلاء الصحافيين بـ”نشر نسخة حماس من الرواية”، مقدّمة شواهد بعيدة عن الحركة، وترتبط بشكل رئيسي بتوثيق هؤلاء الصحافيين للجرائم المرتكبة بحق الفلسطينيين، مثل استهداف المستشفيات وقتل زملائهم. وقد أوردت الصحيفة أسماء 6 صحافيين من أصل 15 صحافيًا وناشطًا فلسطينيًا بمجموع 100 مليون متابع، قالت إنّها ستنشر عنهم تباعًا. وقد هاجمت الصحيفة وسائل الإعلام الأجنبية التي استضافت هؤلاء الصحافيين، ما يبعث برسالة إلى هذه المؤسسات بأنّ إعطاءهم صوتًا على شاشاتها يعرّضهم لاتهامات إسرائيلية بالتعاون مع “حماس”.

شكل آخر من أشكال تجريم الصحافيين الفلسطينيين، ظهر مع رسالة المكتب الحكومي الإسرائيلي يوم أمس الخميس، إلى عدد من وسائل الإعلام الغربية، اتهمها بـ “تشغيل مصوّرين صحافيين من حركة حماس” في قطاع غزة، مطالبًا هذه الوسائل باتخاذ إجراءات فورية بحقهم. ولم يتردّد المكتب باتهام الصحافيين الفلسطينيين بأنّهم “شركاء في جرائم ضد الإنسانية”. 

متظاهرون أمام “نيويورك تايمز” يطبعون جريدة تحمل عنوان “جرائم نيويورك تايمز وفي هذه الصفحة أسماء عدد من الصحافيين الشهداء في غزة

إطباقًا للحصار: منع دخول الصحافيين الأجانب

وبالتوازي مع قتل الصحافيين المتواجدين في غزة، وملاحقتهم جسديًا ومعنويًا، يبرز منع إسرائيل الصارم لدخول صحافيين أجانب إلى القطاع، رغم مطالبات رفعها المئات منهم بضرورة فتح الحدود أمامهم. وإذ يتواجد في القطاع صحافيون أجانب يستقرّون فيه، فإنه عادة ما ترسل المؤسّسات الصحافية حول العالم مراسلين إلى مناطق الحروب، لتغطيتها، وتوثيق ما يحصل من أجل جمهورها، وهو ما حظرته قوات الاحتلال، مع إعلانها تشديد الحصار على القطاع فور انطلاق عملياتها العسكرية.

وقد وقّع أكثر من مئة صحافي فرنسي، إضافة إلى 35 آخرين من كبرى وسائل الإعلام والمنظمات الصحافية الفرنسية، رسالة مفتوحة تطالب بفتح الحدود للصحافيين، ووُقِّعت عريضة مماثلة عالميًا، انضم إليها عدد من وسائل الإعلام والجمعيات والمنظمات الدولية المعنية بالصحافة، إلى جانب أكثر من 450 صحافيًا من 39 دولة في القارات الستّ. وقد تضمّنت الرسالة الفرنسية المفتوحة مطالبة بتحقيق دولي مستقل بجرائم قتل الصحافيين المرتكبة على يد إسرائيل. وأكد الموقّعون على العريضة العالمية أنّ “السماح بالوصول إلى غزة لتغطية الحرب ذات أهمية حيوية لبلداننا ومستقبلنا”، معتبرين أنّ “هذا ليس مجرّد طلب لنا نحن الصحافيين، بل نداء للدفاع عن المبادئ الأساسية التي يقوم عليها كل مجتمع حر وديمقراطي”.

وشدّدت العريضة على حرية التعبير، وأهمية التغطية الإخبارية في أوقات الحرب، والحق في الإعلام والحصول على المعلومات، مشيرة إلى أنّ “الحرب المستمرة على غزة … تؤثر أيضًا على مصيرنا جميعًا أينما كنا. إنّها حرب تؤثر على مستقبلنا، وهي تشكل العالم الذي ستنمو فيه الأجيال المقبلة”، معتبرة أنّ منع إسرائيل دخول الصحافيين الأجانب “ليس مجرّد ظلم للصحافيين، بل ظلم لجميع مواطني العالم”.

بدورهم صحافيو لبنان طالبوا من خلال بيان لتجمّع نقابة الصحافة البديلة بفتح الحدود أمام الصحافيين الأجانب لتغطية الحرب على غزة. وناشد البيان الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش والمديرة العامة لليونيسكو أودري أزولاي، بالضغط على السلطات الإسرائيلية لوقف جرائم قتل الصحافيين وفتح الحدود أمام الصحافيين الأجانب، كما طالبوا السلطات المصرية بتسهيل دخولهم “لتخفيف الضغط والعبء عن زملائنا وزميلاتنا في فلسطين ولنقل واقع ما يحدث في غزة”.

يعكس منع إسرائيل للإعلام العالمي من الوصول إلى غزة استراتيجية مدروسة، مدفوعًة بتستّر شديد على ما ترتكبه في غزة. ودائمًا ما يسعى المعتدون إلى إشاعة الأفكار والرؤى التي تدعم أجندتهم، بمختلف وسائل القمع والحظر. وبمنع دخول الصحافيين الأجانب، تتجنّب إسرائيل إضافة شهادات هؤلاء إلى شهادات زملائهم الفلسطينيين، بما قد يعرّي حقائق ما يجري هناك، حقائق تحمل في طيّاتها الانتهاكات والجرائم التي تمارس على شعب بأكمله، بعيدًا عن التساؤلات والانتقادات الدولية، إضافة إلى تقويض جهود التحقيق والمساءلة. 

في المقابل، ينظّم الاحتلال الإسرائيلي جولات للصحافيين الأجانب في غلاف غزة، ليضمن تغطية عالمية من منظاره للأحداث تنقل روايته فقط مستبعدًا الفلسطينيين من الصورة، ما يبقيهم رقمًا بلا صوت وصورة خلف جدرانه التي تحاصر القطاع.  يوم الخميس 2 تشرين الثاني، استشهد مراسل تلفزيون “فلسطين” محمد أبو حطب و11 فردًا من عائلته بغارة إسرائيلية استهدفت منزله في خان يونس جنوب غزة، وفيما كان زميله المراسل سلمان البشير في خضم رسالته، خلع السترة الصحافية والخوذة ورماهما أرضًا، وهو يقول: “إنّها مجرد شعارات نرتديها. هي لا تحمي أيّ صحافي على الإطلاق، نحن هنا ضحايا على الهواء مباشرة نفقد الأرواح تلو الأخرى، ننتظر الدور واحداً تلو الآخر”.

لقراءة المقال باللغة الانكليزية

انشر المقال

متوفر من خلال:

الحق في الحياة ، مقالات ، فلسطين ، إعلام



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية