“معلِشّ” وائل الدحدوح التي تختصر حكاية غزة


2023-10-26    |   

“معلِشّ” وائل الدحدوح التي تختصر حكاية غزة

“إيش اللي صار، إيش اللي صار يمّا، قاعدين محلانا انقصفت علينا الدار ماتوا ولادي” عبارات شاركها الصحافي وائل الدحدوح على صفحته على فيسبوك منذ أيّام، ليجد نفسه أمس يسأل السؤال نفسه، السؤال الذي كان يعرف إجابته حتمًا. كيف لا يعرف الجواب، وهو نفسه الذي كان يُغطي قبل دقائق الغارات الإسرائيلية المتواصلة على القطاع ومنها على المنطقة التي لجأت إليها عائلته بمخيّم النصيرات وسط القطاع، وهي من المناطق التي طلب الاحتلال من السكان التوجّه إليها، لتجنّب القصف. كيف لا يعرف الجواب، وهو العارف بأنّ لا مكان آمنا في غزّة.

 كان الدحدوح (53 عامًا)  يُريد فقط أن يعرف ما إذا كان بقي من أبنائه أحد على قيد الحياة، أن يعرف من منهم استشهد، من وصل إلى المستشفى، ومن بقي تحت الأنقاض، وهو الذي اعتاد أن يوزّع أبناءه عند حدوث عدوان إسرائيلي على 3 بيوت لأقاربه، تمامًا كما يفعل معظم الغزّاويين “لعلّه يبقى منهم أحد حيًّا لو استهدفهم الاحتلال”. هرع الدحدوح بعد رسالته المباشرة من مكتب “الجزيرة” في غزة إلى مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، وهناك عرف أنّ زوجته آمنة وابنه محمود (16 عامًا) وابنته شام (6 أعوام) وحفيده آدم الرضيع قد استشهدوا. ومن المستشفى نقل الخبر لنا “كان لدينا بعض الشكوك بأنّ الاحتلال الإسرائيلي لن يترك هؤلاء دون عقاب، ومع الأسف هذا الذي حدث، وهذه هي المنطقة التي قال عنها الاحتلال “الأخلاقي” إنّها آمنة”، مضيفًا: “القصف الإسرائيلي استهدف عائلتي في منطقة بعيدة عن شمال غزة الذي طلب جيش الاحتلال إخلاءه”.

وائل بعد استشهاد أفراد من عائلته في القصف الاسرائيلي

كيف استطاع وائل الدحدوح في تلك اللحظة أن يكون أكثر صلابة منّا، كيف استطاع اليوم أن يؤمّ الصلاة خلال تشييع عائلته، وكيف استكمل عمله؟ كيف له أنّ يُردّد بالأمس “بتنتقموا منّا بالولاد؟ معلِشّ..” سؤال وحدهم أهل غزة يعرفون إجابته  فالـ “معلِشّ” التي قالها هي كلمة السرّ بينهم، كان يُخاطبهم ويُخاطب عدوّه وعدوّهم. فكم من “معلِشّ” قالها وائل أو سمعها من أمهات وآباء وأطفال ودّعوا أحبّاءهم شهداء، أو خسروا منازلهم أو اعتادوا على المبيت جائعين من حصار يُفرض عليهم، وهو الذي بدأ مشواره المهني مراسلًا في قطاع غزة لوسائل إعلام فلسطينية عدّة قبل أن يلتحق العام 2004 بمكتب الجزيرة في فلسطين مراسلًا ومن ثمّ مديرًا لمكتبها في غزة. 

“ما حصل أنّ مسلسل استهداف الأطفال والنساء والمدنيين مستمر” قال الدحدوح من المستشفى عندما سُئل عمّا أصاب عائلته، ليضيف بما قد يكون تفسيرًا  للـ “معلِش”: “هذا هو قدرنا وهذا هو خيارنا وهذا هو صبرنا ولن نحيد عن هذه الطريق وليخسأ جيش الاحتلال، وليخسأ نتنياهو”. قال وائل هذه العبارات بثقة العارف المجرّب لـ “الجيش الأخلاقي” الذي قتل خلال حروبه نحو 20 من أقارب الدحدوح بينهم أخوته وأبناء عمومته وأبناء عمّته، ليُضاف إليهم أمس 22 شهيدًا من عائلته بينهم زوجته وابنته وابنه وأحفاد أخيه جميعًا.

أبناء الدحدوح الست الذين بقيوا على قيد الحياة أصيبوا جميعًا في القصف الذي استهدف منزلًا نزحوا إليه، بعضهم إصابته متوسّطة وبعضهم خطيرة مثل ابنه يحيى الذي أجريت له بالأمس عملية جراحيّة في رأسه دامت نحو ساعة، من دون تعقيم أو تجهيزات إذ لم يجد الأطباء حتى خيوطًا لتضميد جروحه، فالقطاع الصحي منهار في غزّة، معلومة أيضًا كان نقلها الدحدوح للعالم قبل أيام.

كان محمود ابن الدحدوح، يُريد أن يكون صحافيًا هكذا أخبرنا وائل أقلّه مرتين، مرّة عندما نشر صورة له على صفحته على فيسبوك قبل أعوام كاتبًا “أصرّ محمود اليوم على مساعدتي في العمل على الحدود” ومرّة يوم أمس حين اقترب منه وهو ملقى شهيدًا على الأرض قائلًا له:” مش كنت بدك تطلع صحافي”. الصحافة التي دفع ثمنها الدحدوح وعائلته كغيره من مئات الصحافيين الذين استهدفهم الجيش الإسرائيلي أو استهدف عائلاتهم. فبالأمس أيضًا نقلت القناة 13 الإسرائيلية تأكيد محرّر الشؤون الفلسطينية لديها تسفي يحزقيلي بأنّ عائلة وائل الدحدوح كانت هدفًا لقصف الجيش، فقد قال يحزقيلي عن الجيش الإسرائيلي: “إنّهم يعرفون ما يضربون بالضبط”.

حلم محمود بالصحافة لم يكن حلم أبيه، أذكر أنّني سمعت يومًا أنّ الصحافة لم تكن خيار الدحدوح الأوّل، إذ كانت أمنيته أن يدرس الطبّ، أمنية حرمته منها قوّات الاحتلال الإسرائيليّة حين اعتقلته قبل أيّام من موعد سفره إلى العراق حيث حصل على منحة لدراسة الطبّ عام 1988، بسبب مشاركته في الانتفاضة الفلسطينية الأولى. أمس فقط تذكّرت هذا الأمر، فكّرت هل كنّا نحن مشاهدي غزّة عن بعد لنعرف الدحدوح لو كان طبيبًا، هل كنّا سنراه حاملًا ابنه شهيدًا بين يديه؟ ربما نعم، ما من شيء كان سيتغيّر سوى بزة الصحافة التي سيكون ثوب الطبيب الأبيض مكانها، “فهذه هي صعوبة غزّة وصعوبة الحياة في غزّة في ظلّ الحروب” كما يقول الدحدوح في إحدى مقابلاته.

لماذا الصحافة؟ يجيب الدحدوح في إحدى مقابلاته أنّه اختارها بعد خروجه من السجون الإسرائيليّة التي أمضى فيها 7 سنوات، لأنّّها كانت الأقرب إليه بما تحمله من رسالة إنسانيّة ومهنيّة. مهنيّة حاضرة في كلّ رسالة يخرج بها إلينا، يُعطينا عبرها تفاصيل تجعلنا نشعر كأنّنا نعرف شوارع غزّة قبل القصف، نحزن عليها كأماكن اعتدناها. مهنيّة قد يكون من الصعب لأيّ صحافي الحفاظ عليها في ساحة حرب كعزّة حيث ضاقت المستشفيات بالجرحى، والمدافن بالشهداء، وحيث الموت خبر يومي. فمن منّا لا يذكر مثلًا رجاءه المصوّر ألّا يُظهر أشلاء الشهداء في مستشفى المعمداني، إذ كان الدحدوح وبينما يُعطينا تفاصيل الاستهداف ويخبرنا عن المشاهد المرعبة وعن وحشيّة الاحتلال، يتوقّف قليلًا ويقول للمصور “عن بعد عن بعد”.

كان يحاول ومع تكراره عبارة “عن بعد عن بعد” أن يحترم حرمة الضحايا وألّا يعرّض المشاهدين للصدمة، وهو الذي اعتدناه يختار كلماته بذكاء وخبرة ويقولها بهدوء من يُريد تحضيرنا كمشاهدين للخبر السيئ الذي يُريد إخبارنا إيّاه، حتى أنّه يبدو في بعض الأحيان وكانّه يعتذر منّا سلفًا.

بالأمس انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي مقطع فيديو لوائل الدحدوح وعائلته يتحلّقون حول النار، يشربون الشاي ويغنّون معًا “بكتب إسمك يا بلادي”. كان صوت الدحدوح يعلو وهو مبتسم ليقول “لا مالي ولا ولادي على حبِّك ما في حبيب”، وبالأمس أيضًا ظهر الدحدوح ولكن هذه المرّة من دون ابتسامة وقال: “هذا لا بدّ منه، هي أوقات صعبة صعبة على الجميع، صعبة على الشعب الفلسطيني، على كلّ طفل كلّ امراة على كلّ مدني على كلّ واهم أنّ جيش الاحتلال الاسرائيلي يمكن أن يرحم أحدًا، الناس اعتقدوا أنّ هناك بقايا أخلاق لدى هذا الجيش، أشقائي وأولاد عمي وبناتي كلهنّ مصابات، بقي لنا شيء، بقي لنا وطن وبقي لنا كرامة”.

بعد التشييع مباشرة عاد الدحدوح إلى الهواء لأنّه “ما من مفرّ بهذه اللحظات التاريخيّة أو الاستثنائيّة إلّا استمرار القيام بالواجب والقيام بهذه التغطية بكل مهنية” كما قال سريعًا قبل البدء بنقل تطوّرات غزّة كما فعل في الأيام الماضية، والتي كانت عائلته بالأمس جزءًا منها، تمامًا مثل آلاف العائلات.

انشر المقال

متوفر من خلال:

إعلام ، تحقيقات ، مؤسسات إعلامية ، الحق في الحياة ، مقالات ، فلسطين



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية