ما هو أبعد من مذكّرة اللواء عثمان: الحريات في عهدة الشرطة


2022-11-30    |   

ما هو أبعد من مذكّرة اللواء عثمان: الحريات في عهدة الشرطة
الصور الأصليّة من الموقع الرسمي لقوى الأمن الداخلي

أصدر مدير عام قوى الأمن الداخلي اللواء عماد عثمان في أوائل أيلول مذكرة خدمة بقيت داخلية ولم ينشرها الإعلام إلا في أواخر الأسبوع الماضي. وتهدف هذه المذكرة حسبما يتحصّل من أسبابها الموجبة إلى معالجة ما اعتبره عثمان ظروفا استثنائية، وهي الظروف الناشئة عن اعتكاف القضاة عن العمل وتعذّر الاتصال بهم من قبل قطعات الأمن الداخلي، الأمر الذي يرتّب “تداعيات خطيرة على مسار العدالة بشكل عامّ لجهة مدة التوقيف والحفاظ على الأدلة والمعالم الجرمية أو لجهة الاستجوابات الضرورية وعلى الانتظام الأمنيّ لجهة تفلّت المجرمين من العقاب وضياع الحقوق وانعكاس ذلك على الأمن الاجتماعي”. وعليه، أتاحتْ المذكّرة لعناصر قوى الأمن الداخلي القفز فوقها عند حصول جرائم مشهودة، سواء بما يتّصل بإجراء التحقيقات أو توقيف المشتبه بهم. ففي حين يفرض قانون أصول المحاكمات الجزائية إجراء التحقيقات تحت إشراف النيابة العامة، مكّنت المذكرة عناصر قوى الأمن من ممارسة صلاحيات النيابة العامّة كاملة من دون الحاجة للحصول على أيّ إشارة منها في الحالات التي يتعذر عليها مباشرتها بنفسها. وقد ذهبتْ المذكّرة أبعد من ذلك في اتجاه منح هؤلاء العناصر سلطةً على أجساد المُشتبه بهم، مخوّلة إياهم إبقاءهم موقوفين لديها من دون الحاجة إلى أيّ إشارة قضائية إلى حين ورود هكذا إشارة بالترك أو عدمه. ويكون لعناصر قوى الأمن القيام بذلك عند تحقّق شرطيْن إثنين: الشرط الأول وهو تمنّع النيابة العامة الاستئنافية عن إعطاء الإشارة القضائية اللازمة أو الردّ على الاتصال الهاتفي، والشرط الثاني وهو تعذّر الاتّصال بالنيابة العامة التمييزية. وبذلك بدتْ المذكرة وكأنها تعالج اعتكاف عدد من قضاة النيابة العامة من خلال توسيع صلاحية عناصر قوى الأمن الداخلي في التحقيق والتوقيف، وعمليا من خلال اعتبار هؤلاء ردفاء بإمكانهم الحلول محل النيابة العامة في حال تعذر قيام هذه الأخيرة بمهامها.

وفي حين صرحت مديرة المكتب الإعلامي لوزير الداخلية بسام المولوي لصحيفة الأوريان لوجور بأنه اطلع على المذكرة ووافق عليها، عاد النائب العام التمييزي غسان عويدات تبعا للانتقادات الواسعة التي طالتها ليطلب بتاريخ أمس (29/11/2022) توجيه تعميم جديد لجميع قوى الأمن الداخلي مؤداه إبطال العمل بمذكرة الخدمة السابقة، إنما ضمنا ومن دون الإشارة صراحة إلى ذلك. فقد جاء في المذكرة أنه يتعين على عناصر الأمن في حال تعذر الاتصال بالنيابة العامة الاستئنافية الاتصال بالنيابة العامة التمييزية لأخذ التعليمات من أحد قضاة النيابة العامة من دون إمكانية إجراء التحقيقات أو إبقاء أي شخص موقوفا من تلقاء نفسه. واللافت أن كتاب عويدات أشار إلى تذرّع كثيرين باعتكاف النيابات العامة للامتناع عن القيام بجهودهم، مؤكدا إمكانية التواصل دائما بالنيابة العامة التمييزية درءا للذرائع.   

وإذ ينتظر تاليا أن يطوي كتاب عويدات المذكرة، يبقى أن مجرد صدورها بموافقة وزير الداخلية إنما يعكس خللا في مفاهيم عدة، بنتيجة إعلاء شأن الأمن مقابل التقليل من شأن الحريات والوظيفة القضائية. وهذا ما سنتطرق إليه في هذا المقال على أن نتناول في مقال لاحق مسألة اعتكاف القضاة وبخاصة النيابات العامة. ولا نبالغ إذا قلنا أن الفائدة الوحيدة من هذه المذكرة والتي تتضمن الكثير من المخالفات الجسيمة هي ربما أنها تشكل عاملا ضاغطا للإضاءة على مسألة الاعتكاف القضائي ومخاطر استمراره. وفي حين تشكّل المذكّرة ردّا غير قانوني وغير مناسب على إشكالية الاعتكاف، يبقى ضروريا إيجاد حلول مناسبة صونا لما تبقى من حريات وعدالة.  

ابحثوا عن بديل عن القاضي:

مفهوم الشرطي الرديف بالتزامن مع مفهوم القاضي الرديف

أول ما تعكسه المذكّرة هو مقاربتها لعنصر الأمن كرديف للنيابة العامة أو بديل عنه، يحلّ محلها في حال تعذّر التواصل معها ليتولى صلاحياته بما فيها التحقيق والتوقيف. واللافت أن هذه المذكرة صدرت بالتزامن مع كتاب آخر دعا فيه وزير العدل هنري خوري بتاريخ 5 أيلول 2022 وهو تعيين “محقق عدلي رديف” محلّ المحقّق العدلي في قضية المرفأ طارق بيطار، معللا ذلك أيضا بتعذّر قيام هذا الأخير بعمله بنتيجة الدعاوى المتراكمة المقدّمة ضدّه والتي تؤدّي إلى كفّ يده. فكأنّما نحن أمام منحى جديد قوامه التعامل مع القضاة على أنّهم مجرد بيادق بالإمكان استبدالهم والقفز فوقهم فور توفر عوامل تعيق قيامهم بعملهم، وكل ذلك من دون بذل أي جهد أو مسعى لإزالة هذه العوائق. بل كأنما نسلم بأن استبدال القاضي أمر جائز بل ضروري كلما تعذر عليه العمل أيا كان سببه، في موازاة التسليم على أن العوامل المعيقة لعمله عوامل غير قابلة للإزالة أو المعالجة. وهكذا، وفي حين انشغل الرأي العامّ في مناقشة قضية “القاضي الرديف”، كان اللواء عثمان يصدر هذه المذكرة في اتجاه تكريس مفهوم أكثر خطورة وهو مفهوم “الشرطي الرديف” الذي بإمكانه الحلول محل النيابة العامة وممارسة صلاحياتها بذريعة تعذّر الاتصال بها.

بالطبع، الأسباب التي تستند إليها مذكرة عثمان تختلف عن الأسباب التي يستند إليها كتاب خوري، لجهة أن تعذّر قيام أعضاء النيابة العامة عن عملهم يعود لأسباب إرادية (الاعتكاف)، في حين أن تعذر قيام بيطار بعمله يعود لأسباب خارجة عن إرادته. إلا أنّ هذا الفارق يضيق حين نعلم أنّ المذكرة خوّلت عناصر الشرطة التثبت بأنفسهم من تعذّر الاتصال بالنيابة العامة أو امتناعها عن إعطاء إشارة من دون المرور بأي مرجع آخر، الأمر الذي يفتح المجال للتعسّف في استخدام المذكرة لاختلاق حالات “التعذّر” بهدف الاستيلاء على الصلاحيات الممنوحة بموجبها. فكأنما تشكل كلا من مذكرة عثمان وكتاب خوري أبوابا لتعزيز تدخل القوى النافذة في العمل القضائي والتحكّم في مساره ومآله، سواء من خلال فرض قضاة أكثر انسجاما معها وولاء لها (وهذا ما حصل في إطار التسميات المقترحة للقاضي الرديف) أو من خلال نقل الصلاحية من القضاء إلى الشرطة التابعة تسلسليّا للسلطة السياسيّة. وهو الأمر الذي يقوّض تماما مبدأ فصل السّلطات واستقلال القضاء ويدفعنا في اتجاه تحكّم شموليّ لموازين القوى على الفضاء العامّ بمعزل عن مفهوميْ القانون والحقّ وبكلام آخر أبعد من الحق والباطل.  

الحريات تجرّد من ضماناتها الدستورية والدولية

الأمر الثاني الخطير الذي نستشفه من المذكّرة هو ما تعكسه من افتئات على الحريات وتجاوز للضمانات الدستورية والقانونية والمحيطة بها. فأن تمنح المذكّرة عناصر قوى الأمن صلاحية استبقاء الشّخص المشتبه به في جرم مشهود موقوفا إلى حين نجاح التواصل مع النيابة العامة إنما يعني أنه أصبح لهؤلاء حقّ التحكم بحريات الأشخاص عملا بإرادة اللواء عثمان ومن دون أي سند قانونيّ. ومن البديهيّ أن الذهاب في هذا المنحى إنما يجرّد الحرية الشخصية من ضمانات دستورية ودولية، قوامها عدم جواز تقييد الحرية الشخصية إلا بموجب قانون وطبقا للإجراء المقرر فيه. وهذا ما يتحصل بوضوح كلي من المادة 8 من الدستور التي تنصّ أن “الحریة الشخصیة مصونة وفي حمى القانون ولا یمكن أن یقبض على أحد أو یحبس أو یوقف إلا وفاقاً لأحكام القانون…” والمادة 9 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والذي يشكل جزءا لا يتجزأ من الدستور والتي نصت أنه “لكل فرد حق في الحرية وفى الأمان على شخصه. ولا يجوز توقيف أحد أو اعتقاله تعسفا. ولا يجوز حرمان أحد من حريّته إلا لأسبابٍ ينص عليها القانون وطبقا للإجراء المقرّر فيه”. 

ولعل أكثر القرارات السابقة قابلية للمقارنة مع المذكرة هي التعليمات الداخلية للأمن العام في قضايا الأجانب والتي فتحت بابا واسعا لممارسة التوقيف الإداري على هؤلاء، وهنا أيضا من دون أي نص قانوني. وهذا ما تصدى له القضاء في قرارات عدة، معلنا التوقيف الحاصل على أساسها مخالفا تماما للمادة 8 من الدستور. 

ومن المفيد بمكان أن تعيد مناقشة المذكرة طرح الأسئلة حول التجاوزات الحاصلة على هذا الصعيد، وبخاصة في ظلّ التجاوز المنتظم للحدّ الأقصى لتوقيف الأشخاص في مرحلة التحقيقات الأولية حتى من قبل النيابات العامة. كما من المفيد أن تعيد مناقشة المذكرة حول ضمانات الحريات الدستورية ولا سيما في ظلّ استسهال الإدارات العامة الاعتداء عليها من دون الالتزام بأي من الضوابط الدستورية أو الدولية. وليس أدلّ على ذلك القرارات الصادرة مؤخرا عن وزير الداخلية بسام المولوي باستباحة حريات التجمع والتعبير والمعتقد (وكلها حريات مضمونة دستوريا وفي المواثيق الدولية) عملا بمعتقداته الشخصية، وفي تجاوز واضح للدستور بل أيضا أحكام القضاء.

إعلاء شأن الاعتبار الأمنيّ والأجهزة الأمنيّة

أخيرا، تعكس مذكّرة اللواء عثمان مقاربة تُعلّي ليس فقط من شأن الاعتبار الأمني، إنما بالقدر نفسه من قدرة أجهزة الشرطة على إجراء تحقيقات عدلية بمفردها من دون توجيه أو رقابة من النيابات العامّة، وتقلّل في الآن نفسه من شأن هذه النيابات العامة التي يفترض وفق توصيفها أن تكون أكثر كفاءة وعلما واستقلالا. إلا أن هذه المقاربة ما كانت أصلا ممكنة لولا ممارسات مزمنة، عمدت فيها هذه الأجهزة بانتظام على مدّ اليد إلى صلاحيات ليست لها أو تخلّتْ فيها النيابات العامة طوعا عن ممارسة رقابة فعلية عليها بإيعاز سياسي أو من دونه. ومن هنا، يؤمل هنا أيضا أن تشكل هذه المذكرة مناسبة لإعادة التدقيق في حقيقة العلاقة القائمة بين الأجهزة الأمنية والنيابات العامة وما تخفيه من تفاهمات أو تدخلات سياسية.

يمكنكم/نّ هنا الاطلاع على المقال بالنسخة العربية

انشر المقال

متوفر من خلال:

قضاء ، حريات ، أجهزة أمنية ، محاكم جزائية ، سلطات إدارية ، قرارات إدارية ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني