تقاعد سوبرمان العدليّة و… الانقلاب: وداعًا غسان عويدات


2024-02-24    |   

تقاعد سوبرمان العدليّة و… الانقلاب: وداعًا غسان عويدات
رسم رائد شرف

أنهى النائب العام التمييزي غسان عويدات أول أمس عمله في القضاء تبعًا لبلوغه سنّ التقاعد. وكما العديد من أسلافه، ارتبط اسم عويدات، بفعل الصلاحيات الواسعة المناطة برئاسة النيابات العامة، بأبرز القضايا العامّة التي شهدتها فترة ولايته (2019- 2024)، وإن اصطدمتْ هذه الولاية بتحدّيات أكثر جسامة، بعدما وجد معظم اللبنانيّين أنفسهم بفعل الانهيار المالي والاقتصاديّ في موقع الضّحايا لنظام أوليغارشي لم يُحاسب أيٌّ من أعضائه. وقد تفاقمتْ جسامة التحدّيات التي واجهها عويدات تبعًا لتفجير مرفأ بيروت ومعه أحياء واسعة من العاصمة، وبخاصة بعدما برزت أدلّة على تورطه في هذه القضية نتيجة إهماله اتخاذ التدابير اللازمة في شأن أطنان النترات المخزنة على أمتار من العاصمة. وقد بلغتْ هذه التحدّيات أوجّها في مشهدية الانقلاب الذي اندفع إليه بعد الادّعاء عليه في هذه القضيّة، وهي المشهدية التي ستبقى الأكثر تعبيرا عن ولايته. وسنحاول في هذا المقال التوقّف عند أبرز المحطّات التي طبعتْ هذه الولاية.

“الأمر لي”

بعد أيام قليلة من تعيينه في منصبه، وتحديداً في 23 أيلول 2019، سارع غسّان عويدات إلى توجيه مراسلة معبّرة للمدّعين العامّين كافّة، طلب فيها منهم إعلامه مسبقاً بكلّ إجراء قضائي يتناول الإدارات والمؤسسات العامّة والبلديات والإحالة بواسطته لكلّ طلب للحصول على إذن بالملاحقة من أجل تمكينه من إعطاء تعليماته بهذا الشأن. وقد لاقاه بعد 3 أيام رئيس مجلس الوزراء آنذاك سعد الحريري بإصداره تعميماً طلب فيه من جميع الإدارات والمؤسّسات العامّة والبلديات واتّحادات البلديات حصر مراسلة قضاة النيابات العامّة على اختلافها، من خلال النائب العام التمييزي. وبفعل هذين التعميميْن المتناسقيْن في التوقيت والأسلوب والتعليل، اكتملتْ الحلقة: النائب العام التمييزي يأمر النيابات العامّة بالتقيّد بتوجيه مراسلاتها إلى الهيئات العامّة من خلاله وتبعاً لتوجيهاته، ليعود الحريري ليأمر الهيئات العامّة بحصر مراسلاتها مع النيابات العامّة بالنائب العام التمييزي. ومؤدّى هذين التعميميْن، إيلاء النائب العام التمييزي صلاحية حصرية في مباشرة الملاحقة أو وقفها بكلّ ما يتّصل بالمخالفات الجزائية المرتكبة من أي من المسؤولين أو العاملين في القطاع العامّ. هذا مع العلم أنّ عويدات ضمّن كتابه بنوداً أخرى ذهبت في الاتّجاه نفسه، أي في اتّجاه إحكام هذه الهرمية والمركزية، ومن أبرزها وجوب مراجعته “في كلّ قضية ذات شأن عامّ”، وأيضاً وجوب مراجعته بكلّ قضية تثار في الرأي العام (صحافة أو غيره) ويشار فيها إلى سوء ممارسة الأجهزة الأمنيّة أو القضاء لإعطاء التوجيهات اللازمة.

وعليه، هدف عويدات منذ بداية ولايته إلى توسيع سلطته الهرمية من خلال توسيع مجال الجرائم التي يترتّب على قضاة النيابة العامّة إعلامه بها مسبقاً، تمهيداً للعمل بتوجيهاته بشأنها. ففيما شملت صلاحيات النيابة العامة التمييزية الموروثة من زمن الوصاية السورية على وجوب إعلامه بالجرائم الخطيرة، فإنّ التعميم الصادر في 23 أيلول 2019 فرض إعلامه قبل القيام بأيّ إجراء في أيّ قضية تتّصل بالقطاع العام أو حتى ب “الشأن العام”. وهو بذلك بدا كأنّه استغلّ وجود مفهوم مطّاط (الجرائم الخطيرة) ليوسّع تعريفه على نحو يشمل مجمل جرائم الفساد وجرائم الشأن العام. وما يُفاقم من هذا الأمر هو أنّ مفهوم الشأن العامّ لا يقلّ ضبابية عن مفهوم الجرائم الخطيرة، وهو يقبل بدوره التوسيع ليشمل مجمل القضايا الحيوية ذات الأبعاد العامّة، وقضايا صرف النفوذ أو قضايا التعرّض للبيئة أو الملك العام أو الأموال العامّة أو التهميش أو الاعتداء على حرية التعبير أو الحرّيات النقابية أو الرّشوة الانتخابية…إلخ. ويستشفّ من ذلك أن عويدات عدّ خطورة الجرم قائمة ليست بفعل ماهية الجرم (حيث أن جرائم الإخلال بالوظيفة العامة أو الفساد تعدّ جرائم عادية وفق المنطق القانونية)، إنما بفعل مدى اهتمام الرأي العام به أو هوية الشخص المُشتبه بارتكابه.

وسرعان ما تترجم هذا التعميم في انتفاضة عويدات تبعا لادّعاء النائبة العامة الاستئنافية في جبل لبنان على نجيب ميقاتي بجرم الإثراء غير المشروع في تشرين الأول 2019 (وهو التطبيق الأول من نوعه بعد 66 سنة منذ استحداث هذا الجرم في 1953)، بعدما اعتبر عويدات أن هذا الجرم يدخل ضمن تعريفه للجرائم الخطيرة التي يجدر مراجعته بشأنها قبل اتخاذ أيّ إجراء فيها. ولم يكتفِ عويدات هنا بما صرّح به لوسائل الإعلام بأنّ ادّعاء عون على ميقاتي مشوبٌ بأخطاء جسيمة أبرزها أنّها تجاوزته ولم تعبُر من خلاله، بل ذهب إلى حدّ توجيه أوامر للضابطة العدلية بالامتناع عن تلقّي أي أوامر أو توجيهات منها، بما يشكّل تدبيراً عقابياً بحقها، وذلك في تجاوز لحدود السلطة المُناطة به بموجب المادة 16 من قانون أصول المحاكمات الجزائية.

كما تترجم توجهه لاحتكار القضايا العامة وبخاصة قضايا الفساد لاحقا في تعميم آخر صدر في 4 آب 2020 كردّة فعل على قرارات قضائية باعتبار ملاحقة حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة قانونية من دون الحاجة لأيّ إذن مسبق. وقد طلب التعميم ليس فقط من النيابات العامة بل أيضا من قضاة التحقيق والقضاة المنفردين الجزائيين وجوب إحالة الشكاوى المباشرة التي تردهم ضدّ أي موظف عام إلى النيابات العامة الاستئنافية المختصة فور ورودها وقبل اتّخاذ أيّ إجراء قضائي أو إداري. وهو تعميم سارعتْ القاضية المنفردة الجزائية لارا عبد الصمد بتاريخ 14/4/2021 إلى إعلان عدم قانونيته ردّا على تذرع سلامة به، بعدما ذكّرت أن “النيابة العامة خصم في الدعوى العامة، وبالتالي فلا يجوز أن يعمم الخصم في الدعوى على قاضي الحكم ما يجب فعله، وإلا زالت استقلالية القضاء من جذورها”.
ولم يكتفِ عويدات بإعلان مرجعيته في كل قضايا الشأن العام والفساد، بل أنّه سعى إلى فرضها من خلال قرارات أخذها لاحقا واستهدفتْ أيا من أعضاء النيابة العامة ممن يخرج عن تعليماته، حتى ولو لم تكن قانونيّة. وقد هدف من خلال ذلك إلى تحويل سلطة النيابة العامّة التمييزية من سلطة إشراف توجيهية ورقابية إلى سلطة تدخّل مباشر. ومن أبرز الشواهد على ذلك، ما فعله عويدات في الاستيلاء على صلاحيات النيابة العامة الاستئنافية، وعمليّا تقويض مبدأ التنظيم التسلسلي للنيابات العامة، كل ذلك خلافا لقانون تنظيم القضاء العدلي. وقد حصل ذلك بشكلٍ خاصّ حين عمد عويدات إلى كفّ يد النائبة العامّة الاستئنافية في جبل لبنان غادة عون وهي في معرض إجراء مداهمة على مكاتب هذه الشركة في 15 نيسان 2021 عن هذه القضية كما عن مجمل القضايا المالية الهامّة، في إطار ما أسماه إعادة توزيع أعمال النيابة العامة في جبل لبنان.

ومن نافل القول إنّ توجّهات كهذه أدّت إلى شخصنة الحقّ العام، بعدما تمّ احتكار تحريك أو عدم تحريك الدعوى العامّة في مجموعة كبيرة من الجرائم وعمليا في مجمل جرائم الشأن العام، من قبل عويدات، مع ما استتبع ذلك من ربط المحاسبة بإرادته وتوجّهاته وارتباطاته والضغوط التي قد تمارس عليه على اختلافها، كلّ ذلك في غياب أي ضوابط أو توجّهات عامّة تحدّ من تعسّفه في استخدام سلطته هذه. وهذا ما يسمح لنا بالانتقال إلى الجزء الثاني من هذا المقال والذي نذكر فيه بأبرز الحالات التي تماهى فيها عويدات مع أصحاب النفوذ والحصانات.

الحقّ العامّ تحت سقف أصحاب النفوذ والحصانات: أو تعميم الإفلات من العقاب

من المؤكّد أنّ عويدات ليس النائب العام التمييزي الأول الذي ضمن إفلات أصحاب النفوذ من العقاب، لكن يبقى أنه هنا أيضا لم يجدْ حرجا في المجاهرة في ذلك من خلال خطوات وقرارات فاقعة، وصل بعضها إلى مستوى غير مسبوق من الكاريكاتورية.

ولعلّ أكثر الشواهد تعبيرًا عن ذلك، المحضر الذي نظّمه عويدات مع ممثّلي جمعيّة المصارف، تبعًا لشكاوى عدة وردتْ ضدّها، أهمها الشكوى التي عزتْ إليها تحوّلها إلى “جمعية أشرار”. وأول ما يسجّل في هذا المضمار هو أنه للمرة الأولى ربما في تاريخ النيابة العامة، سمّي المحضر “محضر اجتماع” كأننا في سياق مناسبة اجتماعية تشترك فيها النيابة العامة على سبيل العلاقات العامة وخارج أي من صلاحياتها أو تقاليدها المتعارف عليها، وليس في سياق تحقيق في جريمة جزائية، وهو السياق الوحيد الذي يجعل النيابة العامة صالحة لمجالسة ممثلي جمعية المصارف بصورة رسمية. وتتفاقم غرابة المنحى الذي ذهب فيه عويدات عند التدقيق في مضمون المحضر، حيث دوّن الحاضرون أصول تعامل المصارف مع المودعين وتحديدا أصول تقييد حقوق هؤلاء، وفق الاتفاق الذي توصّلوا إليه، على نحو يظهر بصورة واضحة أنّ النيابة العامّة انكفأتْ تماما عن اعتماد المقاربة العقابية مع المصارف مؤثرة في المقابل اعتماد المقاربة التفاوضية، فلا يفرض على المصارف تطبيق القانون إلّا بالحدود التي ترضى بها. ومن نافل القول أنّ من شأن هذه المقاربة أن تحوّل النيابة العامة من جهاز يهدف لحماية المجتمع والأفراد من الاعتداءات ضدّهم، إلى ما يشبه الوسيط الاجتماعي في أحسن الأحوال أو أيضا إلى جهاز يتولّى تشريع الاعتداءات المشكو منها في أسوئها (وهذا ما حصل في هذه القضية حيث شكل هذا المحضر أول سند رسمي لنظام الكابيتال كونترول). واللافت أنّ هذا الاجتماع حصل في نفس اليوم الذي تدخّل فيه عويدات لإرغام النائب العام المالي علي إبراهيم على تجميد قرار منع تصرّف المصارف وأعضاء مجالس إدارتها بعقاراتهم وأسهمهم.

الاتجاه نفسه، شهدناه في تعامل النيابة العامة التمييزية مع ملفّ الاعتداءات على الأملاك البحرية الحاصلة خلال حرب 1975-1990 ومن بعدها. فرغم إعراض العديد من الجهات المعتدية عن تقديم طلب معالجة ضمن المهل القانونية وفق أحكام قانون 66/2017، امتنعت النيابة العامة التمييزية عن استرداد الأملاك المعتدى عليها، مبررة ذلك في كتاب صدر عنها في 7 أيار 2020 بأنّ وضع حدّ للاعتداء على الملك العامّ لا يشكل استحقاقًا فوريًا تقتضيه وظيفة الحفاظ على أملاك الدولة وبخاصة العامة منها، إنما يكون كذلك فقط في حال اقتضتْه الضرورات والمصالح التي تحدّدها الإدارات العامة. وقد تجلى هذا التوجه لاحقا بوضوح كلّي في اجتماع آخر عقدته النيابة العامة هذه المرة مع وزارتي الأشغال العامة والمالية، حيث تمّ ربط استرداد الأملاك المعتدى عليها بإمكانيّة إستثمارِها لاحقا من قبل الدولة تحقيقا للإيرادات. وعليه، وجّهتْ النيابة العامة وزارة الأشغال العامة في خاتمة كتابها بوضع دفاتر شروط والبتّ فيها في دائرة المناقصات، كل ذلك في تجاوز لواجبها الذي يفترض أن يقتصر على ملاحقة الاستيلاء على الملك العام، بمعزل عن كيفية استثماره. ونتيجة ذلك، استمرّتْ الاعتداءات المذكورة على الأملاك البحريّة من دون أي مسعى لوضع حدّ لها، وعلى نحو يعكس بصورة فاقعة حالة الإفلات المعمم من العقاب.

الأمر نفسه شهدناه مع تماهي النيابة العامة التمييزية مع إدلاء الوزراء المدّعى عليهم في قضية تفجير المرفأ بعدم صلاحية القضاء العادي محاكمتهم على خلفية تسببهم به عملا بالمادة 70 من الدستورْ. وإذ تجلى ذلك في مجمل المطالعات التي قدّمتها النيابة العامة التمييزية منذ مباشرة تحقيقاتها في القضية إلى اليوم، بدتْ النيابة العامة في كل ذلك أكثر اهتماما في مجاملة أصحاب الحصانات من تمثيل الحق العامّ والسعي لضمان محاسبة المسؤولين في إحدى أخطر الجرائم المرتكبة على الأرض اللبنانية على الإطلاق. ولم تكتفِ النيابة العامة بذلك، بل هي امتنعت من ثمّ عن قبول أي من طلبات المحقق العدلي بمنحِه الإذن بملاحقة أيّ من الموظفين العامّين كما اسهبنا في تبيانه على طول متابعة مجريات هذه القضية, وهذا ما يسمح لنا بالانتقال إلى الجزء الثالث من هذا المقال المخصص لمشهديّة الانقلاب الكبير. 

عويدات وسط مواكبة أمنية

الانقلاب الكبير

أخيرا، وبما لا يقلّ خطورة، سجّل عويدات منحى انقلابيّا لم تشهده العدلية من قبل وعكس بصورة فاقعة جهوزيّة الرجل لتحوير السلطة الفعلية المُناطة به بترؤّس النيابات العامة والضابطة العدلية من أجل إحكام يده على النظام الجزائيّ برمّته، من دون أن يجد أيّ حرج في تجاوز حدود صلاحياته القانونية. حصل ذلك بعد ساعات قليلة من قرار المحقق العدلي في قضيّة تفجير المرفأ طارق بيطار باستئناف تحقيقاته وبالادّعاء على مجموعة من الأشخاص منهم عويدات ذاته.

وقد تمثّل المظهر الأول لانقلاب عويدات في الكتاب الذي وجّهه عويدات إلى المحقّق العدلي والذي تضمّن آيات منقولة من القرآن والإنجيل، تكاد تكون مقدّمة لما تبعه من إجراءات. الآية القرآنية هي “إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا. لا تنفذون إلا بسلطان”. ويُفهم من استخدامها في هذا الظرف أن عويدات أراد منها إبلاغ المحقق العدلي أنه مهما فعل، فإنّه لن يكون قادرا على النفاذ من سلطان النظام الحاكم الذي يحاصره. أما الآية الثانية والمستمدّة من الإنجيل فقد جاء فيها: “بالكيل الذي تكيلون به يكال لكم ويزاد لكم أيها السامعون”، ويفهم من استخدامها في هذا الظرف أن عويدات توعّد بيطار بأنه سيكيل له مثل ما كاله له وبنفس الكيل وزيادة أي أنه سيدعي على بيطار ردّا على ادعائه عليه. وقد وجدتْ هاتان الآيتان ترجمتهما بسرعة، بحيث لم يكتفِ عويدات بالادّعاء على بيطار بعدما استعاد صلاحيّته كمدعٍّ عامّ، إنما أصدر بحقه قرارا بمنع من السفر وكأنه يفهمه أنّه سيبقى تحت رحمة من يسيطر على الواقع اللبناني من دون إمكانية التحرّر منه. وبذلك، بدا عويدات وكأنه يقلب الأدوار، ليتحوّل من مدعّى عليه إلى مدّعٍ ضدّ المحقّق العدلي الذي ادّعى عليه. هذا مع العلم أن عويدات ما كان مخولا اتخاذ أي قرار في هذا الملفّ لولا انقلابه على قرار قرار محكمة التمييز التي كانت وافقتْ على عرضه التنحّي عن أيّ دورٍ كمدّعٍ عامّ في هذه القضية على خلفيّة أن نسيبه (شقيق زوجته غازي زعيتر) تم الادّعاء عليه فيها. وهو فعل ذلك في لحظة إبلاغه سببا إضافيا يستوجب تنحيه وبصورة قاطعة وهو أنّه بات مدّعى عليه في هذه القضية. وعليه، وبفعل هذا الانقلاب، وصلنا إلى نتيجة غير مسبوقة وهي اجتماع صفتيْ المدّعى عليه والمدّعي العامّ (بل رئيس النيابات العامة) في هذه القضية في شخص واحد.

ولم يكتفِ عويدات بهذه الإجراءات إنما عمد إلى الاستيلاء على صلاحيات المحقق العدلي من دون أيّ صلاحية قانونيّة، من خلال الإفراج عن مجمل الموقوفين في القضية رغم تعارضها التامّ مع النظام القانوني القضائي. وقد أتى مشهد زياد العوف (أحد المدعى عليهم المفرج عنهم بقرار عويدات) وهو يستقلّ طيارة بعد ساعات من الإفراج عنه بمثابة دليل آخر على قدرة عويدات على تطويع القانون كما يشاء، كل ذلك في موازاة تأكيد مدّعى عليه ثانٍ (المدير العام للأمن العام آنذاك عباس إبراهيم) وضعه مذكرة عويدات بمنع بيطار من السفر موضع تنفيذ، كل ذلك تحت عنوان مفاده: “بيروت أمّ الشرائع”.

وقد بلغت مشهدية الانقلاب أوجّها في صورة تمّ تسريبها وتعميمها لعويدات وهو يصعد على الدرج العريض للعدليّة مُحاطا بقرابة 20 عنصرا كتب على ظهورهم “أمن دولة”. إذ أن المشهد الذي تمّ تركيبه وتسريبه عمدا إنما يشكّل دلالة أخرى على التفاف أمن الدولة (برئاسة مدعى عليه آخر هو طوني صليبا) مثل جميع الأجهزة الأمنية حول عويدات الذي يستمدّ منها سلطانه ضد المحقق العدلي منها. وهذا أيضا ما أكّده الخبر المسرّب في 4 شباط نقلًا عن مصدر في أمن الدولة أنه في حال سطّر عويدات مذكّرة إحضار بحقّ بيطار، فإن هذا الجهاز سوف يتقيّد بالإجراء وينفّذ المذكرة. بقي أن نذكر أن هذا الانقلاب أدّى عمليا إلى تجميد التحقيق مجددا مع أسئلة كثيرة حول إمكانية مواصلته الآن وقد تقاعد صاحب الانقلاب.  

هذا هو عويدات الذي تقاعد أول أمس في أهم صوره ولقطاته. وداعا.   

انشر المقال

متوفر من خلال:

المهن القانونية ، قضاء ، المرصد القضائي ، لبنان ، مقالات



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية