قرار قضائيّ جديد يبطل تعميم عويدات


2021-05-04    |   

قرار قضائيّ جديد يبطل تعميم عويدات

بتاريخ 14/4/2021، أصدرت القاضية المنفردة الجزائية في بيروت لارا عبد الصمد قرارا بردّ الدفوع التي تقدّم بها رياض سلامة لعدم السير بالدعوى الجزائية المرفوعة ضدّه. وكانت الدائرة القانونية في مجموعة “الشعب يُريد إصلاح النظام” تقدمت بهذه الدعوى معتبرة أن سلامة ارتكب جرائم عدة، هي جرائم النيل من مكانة الدولة المالية والإخلال بالواجبات الوظيفية والاختلاس وارتكاب الخطأ الجسيم في إدارة مال منقول تابع لهيئة عامة والفساد في إدارة المال العام.[1] وتجدر الإشارة هنا إلى أن الدفوع التي تقدم بها سلامة اتّصلت في معظمها بالحصانة الوظيفية وضمنًا الحصانة المطلقة كما نفصّل أدناه.

يأتي هذا القرار ليضاف إلى قرارين قضائيين سابقين ردّا تذرع سلامة بالحصانة الوظيفية لدفع الدعاوى الجزائية المقامة ضده أو لتجريدها من أي مفعول. هذان القراران هما: قرار قاضي التحقيق في جبل لبنان زياد مكنا وذلك في إطار دعوى جزائية مشابهة رفعت لديه، وقرار رئيس دائرة التنفيذ في بيروت فيصل مكي وذلك في إطار معاملة حجز احتياطي أقيمت لديه ضمانا للحقوق التي قد تسفر عنها الدعوى الجزائية التي تنظر بها عبد الصمد. وفيما تشابهت معظم دفوع سلامة في هذه الدعاوى، فإنه أضاف إليها في هذه الدعوى تذرعه بالتعميم الذي أصدره النائب العام التمييزي غسّان عويدات في 4 آب 2020 والذي هدف في عمقه إلى تعزيز تحكّم هذا الأخير بمسار الدعاوى المقامة ضد القائمين بوظيفة عامة وضمنها سلامة. هذا ما سنحاول تبيانه أدناه.

بعد مكّي ومكنا، عبد الصمد تسقط تذرع سلامة بالحصانة

قدّم سلامة بواسطة محاميه عددا من الدفوع خلال الجلسة الأولى المخصصة للنظر في هذه الدعوى للمطالبة بعدم السير بها. ومن أبرز هذه الدفوع التي سنعرضها في سياق تبيان موقف القاضية عبد الصمد منها، الآتية:

  • الدفع الأول الذي تذرّع به سلامة اتصل بأنه يترأس هيئة التحقيق الخاصة لدى مصرف لبنان، مما يمنحه حصانة مطلقة من الملاحقة، علما أنها حجة كان أثارها أمام مكنا. بدورها، تصدّت القاضية عبد الصمد لذلك مكررة ما كان خلص إليه هذا الأخير. وعليه، اعتبرت أنّ الأفعال المدعى بها قام بها سلامة بصفته حاكمًا للمصرف المركزي من دون أن يكون لها أي صلة بمهام هيئة التحقيق الخاصة. وقد أنهت عبد الصمد قرارها لهذه الجهة مؤكدةً أنّه لا يُمكن بأي شكل من الأشكال توسيع نطاق الحصانة المقررة له كرئيس هيئة التحقيق الخاصة، لأن الحصانة تشكّل استثناءً على القاعدة العامة ولا يجوز التوسّع في تفسيرها. وفي هذا الخصوص، لم تكتفِ القاضية برد الدفع بل سبقت ذلك بشرح مفهوم الحصانة ككل. فقد أكدت أنّ الحصانة لا تعني انعدام المحاسبة أو استحالة التقاضي والذي يُعتبر مبدأً دستوريًا، بل هي فقط تعني الخروج عن الطريق العادي والعام للمحاسبة بل سلوك طريقٍ خاص له. وقد خلُصت عبد الصمد إلى اعتبار أنّ أي حصانة مطلقة ( لطالما حاول سلامة اعتبار نفسه متمتّعًا بها) لا تشير إلى باب من أبواب المحاسبة تكون خارقة للدستور والمواثيق الدولية.
  • الدفع الثاني اتصل بخصوصية حاكم مصرف لبنان، وبخاصة لجهة أنه لا يُعيّن ولا يُقال إلّا وفق آلية معينة وأنّ المرجع الذي يقوم بذلك هو من يجب أن يحاسبه (مجلس الوزراء). وقد علّلت عبد الصمد موقفها بردّ هذا الدفع ب “أن ربط التعيين والإقالة بمفهوم المحاسبة لا يستقيم البتة، في دولة قانون قائمة على مبدأ الفصل بين السلطات مع تعاونها وتكاملها، إذ أنّ التعيين والإقالة للسلطة التنفيذية بطبيعة الحال، أمّا المحاسبة فهي حتمًا للسلطة القضائية”.
  • الدفع الثالث، اتصل بغياب الإذن المسبق للملاحقة. فقد رأى سلامة أنه في حال اعتباره موظفا قابلًا للملاحقة القضائية، فإن ملاحقته لا تكون مقبولة من دون الحصول مسبقا على إذن مسبق من المرجع المختص. وفي هذا الإطار، استعادت عبد الصمد الحجج التي كان مكنا ومكي استخدماها لردّه، وقوامها أن سلامة لا يخضع لنظام الموظفين بل لقانون النقد والتسليف الذي لا يمنح أي حصانة لحاكم المصرف المركزي أو يتطلب الإذن لملاحقته، وأن الحصانات والضمانات ومن ضمنها الإذن بالملاحقة تشكل شذوذا على قاعدة المساواة أمام القانون، وبالتالي فهي من قبيل الاستثناء التي لا يجوز التوسّع في تفسيرها ولا يمكن تطبيقها على حالات لا تعنيها ولا القياس عليها لتشمل حالات غير ملحوظة فيها. وفي هذا السياق، ردّت عبد الصمد تذرع سلامة بالتعميم الصادر عن عويدات بما يتّصل بالدعاوى المباشرة المقامة ضد موظفين عامين وفق ما نوضحه على حدة أدناه.
  • الدفع الرابع وقوامه أنّ ملاحقته لا تكون إلا من النيابة العامة المالية. وقد تصدّت عبد الصمد لذلك معتبرة أنّ من حق أي متضرّر أن يقدم شكوى مباشرة إلى قضاء الحكم، وأنه ليس لصلاحية النيابة العامة المالية أن تحجب هذا الحق.

فضلا عن ذلك، ردت عبد الصمد دفوعا أخرى أثارها سلامة لجهة أن المسؤولية المدعّى بها تنحصر بالمصارف التي تعاقد معها المدّعون، لأسباب عدة من أبرزها أنّ الدعوى لا تنحصر بتلاشي الودائع المصرفية فقط بل تتعدّاها إلى ارتكابات المدّعى عليه سلامة التي أدّت إلى انهيار قوة مداخيلهم واضمحلال القوة الشرائية لها.

أخيرا، أرجأت عبد الصمد النظر في دفوع أخرى لتعلقها بأساس الدعوى، كما هي حال الدفع باختصاصها على خلفية أن الأفعال المدعى بها تشكل جنايات تخرج عن صلاحيتها وليس جنحا أو أن الفعل المدعى به لا يشكّل جرمًا معاقبًا عليه في القانون كونه كان ينفذ مقرّرات المجلس المركزي.

عبد الصمد تتصدّى لتدخّل عويدات وتعميمه

كما سبق بيانه، أكثر ما ميّز دفوع سلامة في هذه الدعوى تذرّعه بالتعميم الصادر من النائب العام التمييزي غسّان عويدات في 4 آب 2020 والذي ذكّر فيه قضاة التحقيق والقضاة المنفردين الجزائيين بوجوب إحالة الشكاوى المباشرة التي تردهم ضدّ أي موظف عام إلى النيابات العامة الاستئنافية المختصة فور ورودها وقبل اتّخاذ أيّ إجراء قضائي أو إداري.

وقد بدا عويدات من خلال هذا التعميم كأنه يخطو خطوة إضافية في اتّجاه تعزيز نفوذه في قضايا الشأن العام. فبعدما أصدر عويدات عدداً من التعاميم لتعزيز سلطته الهرميّة داخل النيابات العامة في قضايا الفساد، ومن أهمها التعميم الصادر في 23 أيلول 2019 والذي طلب فيه من كل أعضاء النيابة العامة إحالة جميع الشكاوى المقدمة لديهم ضد مؤسسات عامة أو موظفين عامين إليه، ها هو يوسّع نفوذه من خلال توجيه تعميم إلى قضاة التحقيق وقضاة الحكم بوجوب إحالة جميع الشكاوى المباشرة ضد كل من يحوز على صفة موظف عام إلى النيابة العامة قبل القيام بأي إجراء. وعليه، يكون بذلك ضمن تمركز جميع قضايا الفساد في القطاع العام بين يديه سواء وصلت إلى النيابة العامة بداية (تعميم أيلول 2019) أو وصلت إلى النيابة العامة من خلال قضاء الحكم أو قضاء التحقيق (تعميم آب 2020). وهذا ما ردّت عليه القاضية عبد الصمد بحزم، مؤكّدة أنّ القانون لا يُعطي أيّ صلاحية لعويدات بإصدار تعاميم لقضاة الحكم بخاصّة أن النيابة العامة هي خصم في الدعوى العامة ولا يحق لها أن تعمّم على قضاء الحكم ما يجب فعله. وقد اعتبرت تبعا لذلك أن القول بعكس ذلك يعني أن استقلالية السلطة القضائية “زالت من جذورها”.

وتجدر هنا الإشارة إلى تاريخ صدور التعميم الذي حصل بعد قرابة أسبوعين من قرار القاضي فيصل مكي بإلقاء الحجز على أموال سلامة على خلفية الدعوى الجزائية العالقة لدى عبد الصمد، وهو القرار الذي أثار نقاشا واسعا حول مدى قانونية قرار الحجز على خلفية تمتّع سلامة بالحصانة الوظيفية. فبالنظر إلى هذا التوقيت، يرجّح أن يكون التعميم صدر لتقويض مشروعية أي إجراء قد صدر أو يصدر عن أي قاضٍ في أي دعوى مرفوعة ضد سلامة (وضمنا تعيين الجلسة في الدعوى المذكورة من قبل القاضية عبد الصمد)، درءا لتكرار مشهد الحجز على أمواله وعمليا لتطويق أي ملاحقة قضائية ضده. ففي حال التزام القضاة للتعميم، يتملك عويدات إذ ذاك ملكة تحريك الدعوى ضد سلامة أو أي موظف، وملكة تحديد ما إذا كان سلامة أو أي موظف آخر يستفيد من حصانة مطلقة أو حصانة وظيفية فضلا عن ملكة تحديد المرجع المختص لإعطاء الإذن عند الإقتضاء. وكلها صلاحيات واسعة جدا تعطي عويدات هامشا أكيدا في التحكم في مآل ملاحقات مماثلة في موازاة تجريد القضاة من أي سلطة في هذا الشأن. وما يزيد الأمور خطورة هو أن التعميم طالب القضاة بإحالة جميع الشكاوى المتصلة بالموظفين العامين أو من هم بمثابة ذلك وبمعزل عما إذا كانت أفعالهم المشكو منها مرتبطة بأداء الوظيفة أم لا.

في الختام، عينت القاضية عبد الصمد تاريخ الجلسة لاستجواب سلامة في 13/10/2021 وهو تاريخ يبدو بعيدا جدا بالنظر إلى حيوية هذه القضية ومحوريتها في ظروف المجتمع الحاضرة والتي تبقى مفتوحة خلال هذه المدة لأكثر من تغيير في هذا المجال. فلنتابع!

 

نص القرار

  1. وهي الجرائم الواردة في المواد 319، 320، 359، 360، 363، 371 من قانون العقوبات اللبناني
انشر المقال



متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، المرصد القضائي ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قرارات قضائية ، قضاء ، لبنان ، مصارف



لتعليقاتكم