تعذيب شاب بعد توقيفه خلال اعتصام في يوم المرأة العالمي


2024-03-12    |   

تعذيب شاب بعد توقيفه خلال اعتصام في يوم المرأة العالمي

“خطف، تعذيب، انتزاع اعتراف وانتهاك صارخ للحقوق الإنسانيّة والقانونيّة”، هي الأوصاف التي أطلقها شهود عيان على توقيف شاب يبلغ من العمر 23 عامًا لنحو ست ساعات لدى مخابرات الجيش، وهو  من الجنسية السورية ومن ذوي الاحتياجات الخاصّة. وكانت مخابرات الجيش قد ألقت القبض عليه بعد مشاركته في اعتصام دعمًا لنساء غزّة وفلسطين وجنوب لبنان ضحايا الجرائم الإسرائيلية، يوم الجمعة 8 آذار 2024، دعت إليه مجموعات ناشطة في دعم القضية الفلسطينية بمناسبة يوم المرأة العالمي. واختار الناشطون مكتب هيئة الأمم المتحدة للمرأة في سن الفيل “اعتراضًا على مواقف هيئة الأمم المتحدة للمرأة الداعمة للاحتلال الصهيوني” وفقًا لبيان صادر عن المشاركين. وكان من بين المشاركين في الاعتصام ناشطون لبنانيون وسوريون وفلسطينيون مقيمون في لبنان. 

توقيف “مشبوه” وتعذيب ظاهر

تواصلت “المفكرة” مع أحد المشاركين في الاعتصام الذي شاركنا شهادته، طالبًا عدم ذكر اسمه. يروي الناشط أنّ “عناصر المخابرات كانوا يتصرّفون بشكل مشبوه، إذ ترجّل عدد من الأشخاص بلباس مدني يرتدون “جيليه” مخابرات الجيش من سيارة لونها رصاصي وزجاجها داكن، وتوجهوا مباشرةً نحو الشاب، وطلبوا منه هويته إلّا أنّه لم يكن في حوزته سوى ورقة تثبت أنّه لاجئ مسجّل لدى مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة”. ويتابع أنّه “في تلك الأثناء تحرّكت سيارة كانت متوقفة على بعد أمتار، واقتربت من الشاب والعناصر ليقوم هؤلاء بنقله إليها واقتياده إلى جهة مجهولة”. 

وما أن ألقيَ القبض على الشاب حتّى بدأ الناشطون المشاركون في الاعتصام بالتواصل مع جهات من الممكن أن تُقدّم العون، بينهم محامون، دائمًا بحسب الشاهد. كما تواصلوا مع جمعيّات تعنى باللاجئين السوريين وبالدعم القانوني ومع مفوضية اللاجئين واللجنة الدولية للصليب الأحمر، ونقابة المحامين في بيروت. وعلمت “المفكرة” أنّ عدّة محامين حاولوا معرفة مكان احتجاز الشاب عبر التواصل مع أكثر من فرع لمخابرات الجيش إلّا أنّهم لم يحصلوا على إجابات. حينها بدأ الناشطون بنشر الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي في محاولة لمعرفة مصير الشاب. ووصف الناشطون توقيف الشاب بـ “الخطف” كونه لم يظهر إي إجراء قانوني يبرر التوقيف برأيهم، عدا عن أنّ مصيره بقي مجهولًا لنحو 6 ساعات قبل أن يتبيّن أنّه في عهدة مخابرات الجيش في جبل لبنان. 

ونقل بيان المجموعات المشاركة في الاعتصام أنّ الشاب بعد خروجه من الاحتجاز أفاد أنّه “تعرّض  للتعذيب بالكهرباء والرّكل بالأرجل والضرب بأعقاب المسدسات على مختلف أنحاء جسده، ثم انتزاع إفادة منه بالقوّة وإجباره على التوقيع على محضر يقول فيه إنّه إرهابي (ينتمي إلى داعش)”. هذه الممارسات “تركت الشاب بحالة خوف وصدمة”، بحسب سيدة شاركت في الاعتصام والتقت بالشاب قبل توقيفه وبعد خروجه من مركز المخابرات. وتقول السيدة التي طلبت عدم ذكر اسمها لـ “المفكرة” إنّه “عند خروجه كانت آثار التعذيب واضحة، فكان يعرج وتظهر الكدمات والأورام على جسده إضافة إلى حذائه الممزق، وبدى خائفًا ومصدومًا، وهو والآن يعمل على التعافي ويُفضّل عدم الحديث مع الإعلام عمّا حصل معه”. وتُضيف السيدة: “رأيته صباحًا حين أتى إلى نقطة التجمّع، كان متحمسًا وسعيدًا لمشاركته في الاعتصام كونه الأول الذي أتى ليُشارك فيه بتشجيع من شقيقاته”.    

“ممارسات على يد جهاز من المفترض أن يحمي البلاد”

استدعى الحادث خروج وكيلة الشاب المحامية ديالا شحادة برسالة فيديو عبر منصة “أخبار الساحة” روت فيها تفاصيل التوقيف. وفي اتصال مع “المفكرة” قالت شحادة إنّ العائلة “علمت بوجود ابنها لدى مخابرات الجيش في الفياضية بعد نحو أربع ساعات من اختفائه، وذلك بعدما سمح له المركز بمكالمة هاتفية مع والدته”، علمًا أنّ المادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية تُجيز للموقوفين إجراء اتصال فور احتجازهم. وعلمت شحادة لاحقًا أنّه جرى التحقيق معه من دون أن يُعرض عليه الاستعانة بمحامٍ، علمًا أنّها كانت تقف خارج مركز المخابرات في الفياضية وكانت قد أعلمتهم بوجودها، وحين طلبت مقابلته لم يتجاوبوا معها وأبقوها منتظرة لنحو ساعة ونصف إلى حين إخراجه. وتتابع شحادة أنّه حين خرج أعلمها أنّه “جرى تسطير محضر بحقه وانتزاع اعتراف منه تحت التعذيب بأنّه ينتمي لجماعة إرهابية، وكلّ ذلك من دون وجود محام معه بشكل يُخالف القانون” وتحديدًا المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية التي تضمن حق الموقوف بحضور محام معه خلال التحقيق. 

وتشير شحادة إلى أنّه بعد الإفراج عنه، “أخذنا الشاب مباشرة لعرضه على طبيب شرعي، فكتب تقريرًا يُفيد بوجود رضوض وإصابات على مختلف أنحاء جسده من بينها إصابة في العنق وتشنج في الرقبة، واحتقان الشفة السفلية، واحتقان واحمرار المعصمين، وإصابات في الفخذين والقدمين سببت له العرج”. وتلفت إلى أنّ “التقرير أكدّ تعرّضه للصدم والارتطام والضرب بآلات حادّة”. وتشرح أنّ الحادثة أثّرت على وضع الشاب النفسي بشكل عميق. وحتّى اللحظة من غير الواضح ما إذا حصل هذا التوقيف تحت إشراف القضاء وما هي طبيعة المحضر الذي وقّع عليه الشاب خلال وجوده لدى مخابرات الجيش. وتستنكر شحادة “أسلوب التوقيف الذي يوصف بالخطف، نظرًا لعدم وجود الجرم المشهود أو أي محضر عدلي بحقه، عدا عن أنّ العناصر لم يعرّفوا عن أنفسهم وقاموا بعصب عينيه وبدأوا بضربه منذ لحظة وضعه في السيارة”.  

وشددت شحادة في رسالتها المسجّلة على أنّه “من المحزن أن يحصل هذا الأمر على يد جهاز من المفترض أنه يقوم بحماية البلد”. وطالبت بـ “إيقاف هذه الممارسات من قبل الأجهزة الأمنية بمن فيها جهاز المخابرات خصوصًا في الوقت الذي يتعرّض له البلد لجرائم بشعة من العدو الصهيوني، كما والتوقف عن هذه الممارسات المنحرفة عن القانون والعدالة لأنّها لن تؤدي إلى إيقاف الناس عن التعبير عن رأيها بل ستؤدي إلى فقدان الثقة في الأجهزة الأمنية”.

وهذه ليست المرّة الأولى التي تُستخدم فيها “تُهم الإرهاب” بوجه أشخاص شاركوا في تظاهرات، عدا عن أنّ سمعة جهاز المخابرات لدى الجيش اللبناني باتت مرتبطة  بـ “التعذيب” حسبما نقل العديد من الّذين ذاقوا التوقيف لدى هذا الجهاز. وكانت “المفكرة” قد وثّقت عدّة حالات إخفاء قسري وتعذيب تعرّض لها متظاهرون لدى مخابرات الجيش، ومن بينهم متظاهرون في بيروت وبعبدا وطرابلس في نهاية العام 2019، وفي طرابلس وصيدا في نيسان 2020 وكانون الثاني 2021، ممّا دفع المحامين حينها إلى تقديم إخبارات أمام النيابة العامّة التمييزية في بيروت بجرم الإخفاء القسري لعشرات المتظاهرين. وكانت المفاجأة في شباط 2021 حين ادعت النيابة العامّة العسكريّة (القاضي فادي عقيقي) على المتظاهرين الموقوفين بجرائم الإرهاب، وهو ما اعتبره ائتلاف استقلال القضاء “مسًّا خطيرًا بحرّية التظاهر الدستورية (…) وتطوّرًا يقرّب لبنان من الأنظمة الشمولية في المنطقة، حيث بات الإرهاب تهمة جاهزة لوصم مختلف أشكال المعارضة”. إلّا أنّ قاضي التحقيق العسكري (مارسيل باسيل) أخلى سبيل جميع هؤلاء الموقوفين بعد استجوابهم من دون أن يصدر أي اتهام بحقهم لغاية الآن. 

فرغم الضمانات القانونية لحقوق الدفاع التي كرّسها التعديل الأخير للمادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية في العام 2020، لم تزل الأجهزة الأمنية والعسكرية تمتنع عن تطبيقها بشكل فعّال بخاصّة بالنسبة للفئات الاجتماعية المهمشة. كما تبقى العديد من هذه المخالفات وممارسات التعذيب من دون أي محاسبة جديّة لغاية اليوم، مما يؤدّي إلى تهديد سلامة الموقوفين بشكل خطير وتعميم ثقافة التعدّي على الحقوق المدنية والإفلات من العقاب.

انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد القضائي ، أجهزة أمنية ، حركات اجتماعية ، محاكمة عادلة وتعذيب ، لبنان ، مقالات ، حراكات اجتماعية ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، محاكمة عادلة



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني