شبهات تعذيب وإخفاء قسري في ملفّات موقوفي احتجاجات طرابلس


2021-02-09    |   

شبهات تعذيب وإخفاء قسري في ملفّات موقوفي احتجاجات طرابلس
جانب من الوقفة الإثنين 8 شباط أمام المحكمة العسكرية.jpg

لا تبشّر المعلومات المتوفّرة حول الموقوفين على خلفيّة التظاهرات في طرابلس في نهاية شهر كانون الثاني 2021 ولا ضآلتها بالخير، لا بل تُنبئ بسوء ما ينتظرهم. فمنذ بدء حملة التوقيفات قبل أسبوعين وتحديداً بعد إحراق مبنى البلدية وجزء من سراي طرابلس، ثمّة ما يقارب 30 موقوفاً لا أحد يعرف عنهم شيئاً. فالأجهزة الأمنية التي تتولّى ضبط الشارع في طرابلس تتلكّأ في منح الموقوفين الضمانات التي تتيحها لهم المادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية لا سيّما الحق في الاتصال بعائلاتهم والاستعانة بمحامٍ ليحضر معهم التحقيقات. 

والموقوفون إمّا متواجدون لدى مخابرات الجيش أو لدى فرع المعلومات، وحين حاول المحامون التواصل مع هذه الأجهزة لمعرفة مكان تواجد الموقوفين لم يتمّ إعطاؤهم معلومات دقيقة، وهذا ما دفع المحامين المكلّفين من نقابة المحامين في طرابلس إلى تقديم إخبار أمام النيابة العامّة التمييزية يوم الجمعة 4 شباط بجرم الإخفاء القسري بنحو 25 شخصاً بينهم قاصرين على الأقل، مع وجود مؤشّرات قوية بتعرّض بعض منهم للتعذيب. 

عشرات الموقوفين ومئات الجرحى 

في الوقائع، تعرّض الموقوفين للاعتقال على أيدي القوى الأمنية التي تواجدت على الأرض خلال التظاهرات الشعبية التي شهدتها طرابلس في الأسبوع الأخير من شهر كانون الثاني 2021. وشهدت طرابلس أحداث عنف شديدة أسفرت عن إحراق بلدية طرابلس والمحكمة الشرعية المتواجدة داخل سراي طرابلس في 28 كانون الثاني. وواجه عشرات من المتظاهرين الاعتقالات على الأرض مباشرة، وتمّت مداهمة بيوت آخرين في اليوم التالي للأحداث. 

وشهدت المدينة على وفاة الشاب عمر طيبا المؤسفة جرّاء إصابته بالرصاص في تظاهرات ساحة النور في 28 كانون الثاني. ووقع عشرات الجرحى من المتظاهرين وتنوّعت الإصابات بين حالات اختناق أو إصابة برصاص مطاطي أو رضوض وكدمات نتيجة السّحل والضرب. وأسعف الصليب الأحمر اللبناني وجهاز الطوارئ والإغاثة التابع للجمعية الطبية الإسلامية نحو 300 مصاب ميداني، فيما تم نقل نحو 60 إلى المستشفيات بين تاريخ 25 و31 كانون الثاني. ورصدت منظمة اليونيسيف إصابة 70 طفلاً على الأقل خلال المواجهات بين القوى الأمنية والمتظاهرين. 

وأعلنت قيادة الجيش عن توقيف 27 شخصاً بين 27 و31 كانون الثاني وعن إحالة 10 منهم إلى النيابة العامّة العسكرية للاشتباه. وبررت قيادة الجيش بأنّ التوقيفات حصلت بسبب الاشتباه بتورّط الموقوفين بتخريب وتعدّي على الأملاك العامّة والخاصة، والاعتداء على القوى الأمنية. وأضاف البيان، أنّه “تم الاشتباه بمشاركة عدد منهم في إحراق مبنى البلدية ورمي القنابل اليدوية باتجاه سراي طرابلس”. 

ولكن ما لبثت أن توقّفت المعلومات الرسمية عند هذا الحد، إذ لم يعد الجيش إلى الإعلان عن أي اعتقالات إضافية ولم ينشر جهاز قوى الأمن الداخلي أيّة بيانات حول التوقيفات التي نفّذها فرع المعلومات، ليصطدم المحامون المتابعون لملفّات الموقوفين بصعوبات إضافية للتمكّن من الحصول على معلومات حول أماكن احتجاز الموقوفين. وتأكّدت “المفكرة” أنّه جرى توقيف ثلاثة أشخاص يوم الخميس 28 كانون الثاني، بينهم صحافيان من الجنسية السورية لليلة كاملة لدى فرع المعلومات في الشمال.  

المحامون يبحثون عن الموقوفين لدى الأجهزة الأمنية بلا جدوى

يتحدّث المحامي محمد صبلوح لـ”المفكرة القانونية” عن أحد نماذج عدم تطبيق المادة 47 خلال التوقيفات الأخيرة في احتجاجات طرابلس، فيشير إلى أنّه “يوم الجمعة في 29 كانون الثاني توجّهت إلى فرع مخابرات الجيش في القبّة بتكليف من نقابة المحامين في طرابلس للسؤال عن الموقوفين وعن أعدادهم وللتوكّل عنهم مجاناً التزاماً بالمادة 47، إلّا أنّهم أجابوني أنّ الموقوفين ليسوا لدينا”. فتوجّه صبلوح إلى الشرطة العسكريّة ليتحرّى عمّا إذا كان الموقوفون لديها، فكان الرّد بالنفي أيضاً. ويلفت إلى أنّه خلال هذا الوقت صدر أنباء عن توقيف أشخاص في طرابلس لدى مخابرات الجيش. فعاد صبلوح إلى القبّة ليسأل عن هؤلاء الموقوفين إلّا أنّ العناصر هناك نكروا مجدداً وجودهم.  

المفاجأة أنّه يوم الاثنين، خرج محمد الزّين من السجن وتواصل مع المحامي صبلوح، وأكد له أنّه لم ينقل من فرع المخابرات في القبّة قبل مساء الجمعة إلى مديرية المخابرات في وزارة الدفاع، ما يعني أنّ الشاب كان لا يزال لدى فرع المخابرات حينما سأل عنه صبلوح. وبمعنى أوضح فإنّ فرع المخابرات في القبّة، لم يصرّح بالموقوفين للمحامين المكلّفين من قبل النقابة، ما قد يشكّل جريمة إخفاء قسري. ولفت الزين إلى أنّه قبل المباشرة بالتحقيق معه طلب الاستفادة من المادة 47 إلّا أنّ المحقق أجابه: “هذه المادة لا تطبّق لدينا..”.

وفي هذا الصدد أعلنت لجنة المحامين للدفاع عن المتظاهرين في لبنان في بيان أنّها علمت أنّ مخابرات الجيش لا تسمح للموقوفين المشتبه فيهم من الاستفادة من حقوق وضمانات الدفاع وفقاً للمادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية، لا سيما حقّهم في حضور محام خلال التحقيقات معهم والاتّصال بعائلاتهم. واعتبرت اللجنة أنّ هذه الممارسات قد تشكّل أو تخفي جنايات خطيرة، لا سيّما الإخفاء القسري والتعذيب. وطالبت اللجنة النائب العام التمييزي غسان عويدات والنائب العام العسكري فادي عقيقي بإعطاء الأوامر الواضحة والصريحة لمخابرات الجيش بتنفيذ القوانين التي تضمن حقوق الدفاع لمنع ارتكاب الجرائم بحق المحتجزين.

وتعليقاً على البيان، أفادت المحامية غيدة فرنجية، العضو في اللجنة ومسؤولة قسم التقاضي في “المفكرة”، أنّ اللجنة رصدت توقيف ما يقارب 58 شخصاً على الأقلّ على خلفية الاحتجاجات في طرابلس من قبل مخابرات الجيش وشعبة المعلومات، وقد أفرج عن البعض منهم في حين يستمرّ احتجاز آخرين، كما ادّعت النيابة العامّة العسكرية لغاية الآن على 14 شخصاً على الأقل أمام قاضي التحقيق العسكري. وأكّدت أنّ هذه التوقيفات قد تخلّلتها مخالفات قانونية لحقوق الدفاع، إذ تعرّض بعض الموقوفين للضرب ولم يتمكّن العديد منهم من الاتصال بأهلهم إلّا بعد 4 أو 5 أيام على إلقاء القبض عليهم. كما منع الذين ألقي القبض عليهم من الاستعانة بالمحامين المكّلفين من قبل نقابتي المحامين في طرابلس وبيروت، وامتنعت الأجهزة الأمنية عن الإفصاح عن أماكن احتجازهم لدى مراجعتها. وأكّدت أن محامي اللجنة قد طلبوا من مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي فادي عقيقي السماح للموقوفين بالاستفادة من حقوقهم بموجب المادة 47 بعد تعديلها في تشرين الثاني 2020، إلّا أنّه رفض ذلك متحجّجاً بأنّ المحتجزين رفضوا الاستعانة بمحام لحضور التحقيقات معهم ورفضوا الاتصال بأهلهم. واستغربت فرنجية هذه الحجج معتبرة أنّه، وعلى فرض تنازل المحتجزين فعلاً بإرادتهم الحرّة عن الحق في الاستعانة بمحام بعد أن أعلمهم المحققون بحقهم في الاستعانة بمحام خاص أو بمحام معيّن مجاناً من قبل إحدى النقابتين، هل من المنطق أن يرفضوا جميعهم الاتصال بأهلهم لإعلامهم عن مكان توقيفهم؟   

إخبار بالإخفاء القسري والتعذيب

ونظراً إلى وجود 30 موقوفاً بينهم قاصرين اثنين على الأقل مخفيّون، قدّم المحامون محمد صبلوح ونايف العليوة وشوكت حولا إخباراً لدى النيابة العامّة التمييزية في بيروت بتاريخ 4 شباط 2021، وسلّمت نسخة منه لوزيرة العدل ماري كلود نجم، موضوعه “إخفاء قسري وحجز حرية بدون أي مسوّغ قانوني ورفض تطبيق المادة 47 وقرائن ارتكاب جرائم تعذيب بحق المتظاهرين”. ويُشير الإخبار إلى أنّه منذ أكثر من أسبوع جرى توقيف العديد من الناشطين في تظاهرة في ساحة النور في طرابلس من قبل الأجهزة الأمنية التي سحبتهم إلى أماكن مجهولة. وحين توجّه المحامون إلى الأجهزة الأمنية للاستفسار عن الموقوفين بهدف تعيين محام لحضور التحقيقات الأولية، أنكرت الأجهزة وجود الموقوفين، علماً أنه صدرت بيانات عنها بتوقيف أكثر من 30 موقوفاً. وأشار المحامون في الإخبار إلى أنّ من بين الموقوفين قصّار تم اعتقالهم من دون إبلاغ مندوب الأحداث.   

واستند المحامون في الإخبار إلى قانون المفقودين والمخفيين قسراً رقم 105، وقانون رقم 65 الذي يجرّم جميع أنواع التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية وغير الإنسانية. وطلب الإخبار من النيابة العامّة التمييزية، فتح تحقيق لمعرفة مكان المخفيين قسراً، وتكليف طبيب شرعي للكشف عليهم، والادّعاء بحق الجهاز الأمني الذي يُخالف القانون كما الادّعاء بحق الجهاز الذي ارتكب جرم التعذيب بحق محمد الزين وغيره من الموقوفين.  ولغاية الآن، بقي الإخبار دون أي جواب من قبل النائب العام التمييزي.

وليست المرّة الأولى التي يتم الاعتماد فيها على قانون المفقودين والمخفيين قسراً في حالة التوقيفات على خلفية التظاهرات، فسبق للجنة الدفاع عن المتظاهرين أن قدّمت 7 إخبارات بالإخفاء القسري للنيابة العامّة التمييزية لنحو 28 متظاهراً تم اعتقالهم من دون معرفة مصيرهم أو أماكن تواجدهم بين تشرين الثاني 2019 ونيسان 2020. وقد أدّت هذه الإخبارات الى إفصاح النيابة العامة عن مكان احتجاز المفقودين والإفراج عنهم أو السماح لهم بالاتصال بعائلاتهم أو مقابلة محام. 

وبعد تعديل المادة 47 في تشرين الأول 2020، التي باتت تؤمن ضمانات أكثر للموقوفين لناحية إلزامية حضور محامي خلال التحقيق، تبدو فرص تأمين الضمانات للموقوفين أصعب على أرض الواقع. ويشير رئيس لجنة المعونة القضائية في نقابة المحامين في طرابلس المحامي فهمي كرامة إلى “أننا ندفع ثمن تعديل المادة 47، ففي السابق كنا نتصل بفرع المخابرات ونحصل على لائحة كاملة بأسماء الموقوفين بينما اليوم أصبحنا حين نذهب للسؤال حول الموقوفين يجيبونا بأنّهم ليسوا في عهدتهم”. ويُفسّر كرامة هذا الأمر بأنّه “محاولة للتهرّب من تطبيق المادة 47، فلو قالوا لنا إنّ الموقوفين لديهم فهذا يعني أنّهم سيصبحون ملزمين تطبيق القانون، فاختاروا عدم تطبيقه عبر عدم الإفصاح عن وجود الموقوفين لديهم”. 

توقيف 6 شبّان من البقاع تضامنوا مع طرابلس

ولم تقتصر التوقيفات على طرابلس بل داهمت دوريات من الجيش اللبناني الأسبوع الفائت بيوت ستّة شبّان من سكّان البقاع من المشاركين في تظاهرات طرابلس وألقت القبض على اثنين منهم بدون أن تسمح لهم بممارسة حقوقهم بموجب المادة 47. وبعد استدعاء الشبّان الأربعة الآخرين من قبل مديرية المخابرات في وزارة الدفاع، سلّموا أنفسهم في الثالث من شباط إلى المديرية التي أحالتهم إلى الشرطة العسكريّة في الريحانية حيث تم التحقيق معهم بحضور المحامين أيمن رعد وواصف الحركة. ويروي رعد لـ”المفكرة” أنّ الشبّان مشتبه بهم على خلفية أحداث حرق البلدية والسراي في طرابلس، فيما يوجد أدلة تؤكد عدم وجودهم في التظاهرة في طرابس ساعة اندلاع الحرائق. ويوضح أنّ “المحامين تمكّنوا من حضور التحقيقات مع الموقوفين، وصدر قرار من النيابة العامّة بتسليم هواتف الشبّان”. ولفت رعد إلى أنّ “ملف الشبّان الأربعة وصل إلى المحكمة العسكرية ظهر الاثنين ويجري دراسة الملف لديها ولم يصدر بعد قرار بالادّعاء بحقّهم أو بالإفراج عنهم أم الإبقاء عليهم محتجزين”. 

اعتصام تضامني مع الموقوفين أمام المحكمة العسكرية

أما أهالي الموقوفين فاتّخذوا من الشارع ملجأهم الوحيد للضغط ولفت نظر السلطات لقضيتهم. فنفّذوا أكثر من وقفة احتجاجية في طرابلس قطعوا في إحداها الطريق بالإطارات المشتعلة في 5 شباط، فيما نفّذ متضامنون وقفات احتجاجية في بيروت أمام المحكمة العسكرية وأمام قصر العدل. وآخر هذه التحرّكات حصلت الإثنين في 8 شباط أمام المحكمة العسكرية في بيروت حيث توجّه بعض الأهالي والمواطنون المتضامنون معهم للاعتصام والمطالبة بالإفراج عن جميع المعتقلين. وقام المعتصمون بإغلاق الشارع أمام المحكمة العسكرية بالاتجاهين في ظل تواجد كثيف للقوى الأمنية وعناصر من الجيش اللبناني. وشهد الشارع توتراً بين القوى الأمنية والمعتصمين، إذ حاول بعض المواطنين التوجه ناحية مدخل المحكمة العسكرية حيث صدّتهم القوى الأمنية ومنعتهم. ومع إصرار بعض الشبّان التقدّم نحو المحكمة استخدمت القوى الأمنية القوّة لإبعاد المعتصمين. وأصرّ المتواجدون على البقاء والاعتصام أمام المحكمة العسكرية فنصبوا خيمة في منتصف الطريق عمدت القوى الأمنية إلى إزاحتها إلى جانب الطريق منعاً لإغلاق الشارع. 

زوجة الموقوف م. معرباني أتت من طرابلس إلى بيروت للمطالبة بالإفراج عن زوجها. تقول إنّه “تمت مداهمة محل زوجي يوم الأحد 31 كانون الأول، ولم يتصل بي سوى قبل يومين، وذلك بعد مرور عدة أيام على توقيفه دون أن نعرف عنه أية معلومات”. وشرحت بأنّ زوجها أكد لها أنه متواجد في أحد مراكز الجيش اللبناني في صيدا”. لمعرباني ثلاثة أولاد وزوجته حامل، وهو المعيل لأسرته ووالدته أيضاً، وتأسف زوجته لغياب زوجها عن المنزل، مؤكّدة أنّه “لطالما شارك في التظاهرات بطريقة سلمية وكان هدفه الوحيد أن يدافع عن حقه بسبب سوء ظروفه المعيشية، ومن المستحيل أن يقوم بالاعتداء على أحد ولا سيما القوى الأمنية”. 

زوجة ف. إبراهيم أيضاً تعبّر عن قلقها من استمرار توقيف زوجها، وتقول لـ”المفكرة” إنّه كان معتصماً منذ أشهر في خيمة في ساحة النور، لكن قبل أسبوع اعتقله فرع المعلومات من الخيمة واقتاده إلى مكان مجهول. وتلفت الزوجة إلى أنّ “زوجي اتصل بي بعد يومين تقريباً من اعتقاله وقال إنه متواجد في بيروت في شعبة المعلومات”. تروي الزوجة المقهورة أنّ زوجها لجأ للاعتصام كملجأ أخير بعد أن “خسر طفلته من زواج سابق قبل 20 عاماً بسبب عدم تمكّنه من ادخالها المستشفى، ومنذ عام تقريباً توفيت طفلة في طرابلس على باب إحدى المستشفيات فعادت إليه الذكرى المؤلمة وقرر الاعتصام المفتوح في ساحة النور”. 

وقرأ الناشط سمير سكاف باسم المعتصمين بياناً أشار فيه إلى أنّنا “نقف اليوم هنا تضامناً مع كل الثوار الموقوفين، ولم تجف بعد لا دماء الشهيد لقمان سليم ولا دماء الشهيد عمر طيبا ولا شهداء وضحايا تفجير المرفأ. وطالب بـ”الإفراج عن الموقوفين، وتطبيق المادة 47، كما وإلغاء المحاكم الاستثنائية”. وحذر من أنّه طالما أنّ القضاء لم ينل استقلاله عن الطبقة السياسية بعد فثمّة إمكانية لتمييع التحقيق إن كان قضية تفجير بيروت أو في توقيف الثوار.

شهادات موقوفين: اعتقال غير مبرّر وتعنيف وتعذيب

 اعتقال غير مبرر لصحافيين

مساء الخميس 28 كانون الثاني كان الناشط الصحافي محمد الزين من منتدى طرابلس يخرج من سقف سيارة صديقه ويصوّر أحداث حرق بلدية طرابلس ويبثّها مباشرة على فيسبوك. ولكن ما لبث أن تمّ سحبه من قبل عناصر من الجيش اللبناني من فوق السيارة إلى الأرض، ليجد نحو 7 عناصر ينهالون عليه بالضرب المبرح. يقول محمد لـ”المفكرة” إنّه “حينما شاهدت العناصر صرخت لهم بأنني صحافي، لكنّ ذلك لم يثنِهم عن رميي أرضاً وانهالوا عليّ بالضرب”. يُضيف: “ضربني أحدهم بعقب البارودة على خلفية رأسي، ما تسبب لي بجرح وبدأت أنزف”. بعدها اقتيد محمد إلى سيارة “الريو” ونقل إلى المستشفى ليخضع لفحص طبي. يروي محمد: “هناك عاينني ممرض، وكان الجرح في رأسي ينزف، طلبت منه عدم تقطيب الجرح لأنني لا أريد أن يقوم بذلك على عجل وقررت أنّي سأذهب بعد خروجي إلى طبيب وأقطّبه”. ويُتابع: “اعتقدت أنني سأخرج مباشرة، لأنه لا يوجد أي مبرر لاحتجازي فأنا كنت أقوم بعملي الصحافي ونقل الصورة من قلب الحدث ولست مشاركاً أصلاً في التظاهرات”. 

ولكن لم يحصل ما تمنّى محمد بل نُقل إلى فرع مخابرات الجيش في القبّة ثم نُقل إلى وزارة الدفاع مساء الجمعة، حيث تم التحقيق معه لدى الجهتين من دون منحه الحق في الاستفادة من الضمانات التي تتيحها المادة 47. حتى أنّه حين طلب الاستفادة من المادة تم رفض طلبه وأجابه المحقق “هذه المادة لا تطبّق لدينا”. وأثناء تواجد الزين في القبّة صباح الجمعة، مرّ مقرّر لجنة السجون في نقابة المحامين المحامي محمد صبلوح ليسأل عنه فقالوا له إنّه لا يوجد أحد بهذا الاسم. 

يقول محمد إنّ التحقيق معه كان هادئاً مرجّحاً أنّ ذلك يعود إلى تأكّدهم من أنّه صحافي. لكنه شهد على أشكال معاملة مختلفة مع الآخرين الّذين تم توقيفهم في الليلة نفسها وعددهم نحو 9 أشخاص في القبّة حيث يروي: “سمعت العناصر الأمنية تتوجه لهم بالإهانات ويشتمونهم طيلة الوقت”. 

وتمحورت أسئلة المحققين مع محمد حول أشخاص آخرين وليس حوله، أي طلبوا منه أن يتعرّف على صور أشخاص كانوا متواجدين في التظاهرات. وتم إجباره على تسليم كلمات السر العائدة لهاتفه الخلوي وكافة حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي ولبريده الإلكتروني، رغم تأكيده لهم “أنّ الحسابات التي على مواقع التواصل عائدة للمؤسسة التي أعمل بها، وكان واضحاً أنني أدير هذه الصفحات بصفتي Admin عليها”. وخلال توقيفه شعر محمد بالاستياء ممّا يواجهه، ورفض تناول الطعام وبقي على هذا الوضع طيلة أيام اعتقاله الأربعة. 

يوم الاثنين أبلغ المحقق محمد بأنّ “ملفّك نظيف” واعتذر منه على توقيفه وأفرج عنه. وبعد خروجه توجّه إلى عيادة الطبيب الشرعي الذي عاينه وكشف على آثار الكدمات جرّاء الضرب الذي تعرّض له على يد العناصر الأمنية والتي كانت لا تزال ظاهرة، إضافة إلى الجرح في خلفية رأسه الذي يحتاج للتقطيب.  

في الليلة نفسها لاعتقال محمد الزين، وأثناء عودة الصحافي السوري أحمد القصير إلى منزله ومعه رفيقه المصور وشاب ثالث لبناني يعاونه في التصوير، تمّت ملاحقتهم من قبل عنصر بلباس مدني عرّف عن نفسه أنّه من “الاستقصاء”. وعلى الرغم من محاولتهم إثبات هويّتهم كعاملين في الصحافة ومعهم المعدّات التي تثبت وظيفتهم، إلّا أنهم وجدوا أنفسهم معتقلين لدى فرع المعلومات في طرابلس لليلة كاملة. وكانت “المفكرة” قد استمعت لشهادة القصير في تقرير سابق، وحينها أكد أنّه “شعرت بوجود سيارة سياحية تراقب تحرّكنا، لم أعرها أي انتباه واستمرينا بالسير”. وأضاف، “لم أسر سوى 50 متراً حتى اعترض طريقي عنصر بلباس مدني وطلب منا الوقوف أمام الحائط”. يُضيف، “استدعى دورية أمن وتم نقلنا مع معداتنا إلى فرع المعلومات”. ويلفت إلى أنّه لم يخضع لتحقيق رسمي، وتم احتجازهم في غرفة عادية وليس في زنزانة حتى صباح اليوم التالي حين تمّ إطلاق سراحهم. 

“معركتي مع من سلبني حقوقي وليس مع القوى الأمنية”

سامي (اسم مستعار) تعرّض لضرب عنيف يصل إلى حد التعذيب، ويروي لـ”المفكرة” أنّه كان يقف إلى جانب الطريق حين وصل عناصر من الجيش اللبناني وعددهم لا يقل عن خمسة وقاموا بضربه بشدّة حتى كاد يفقد وعيه. يقول: “أردت أن ألقي نظرة سريعة على التحرّكات في الشارع وأن أعود إلى المنزل حيث كانت والدتي بانتظاري”. ويُضيف، “لم أعرف كيف وصل العناصر واستهدفوني أنا بالذات وبدأوا بضربي، ثم وضعوني في الملالة واستمرّوا بضربي بأرجلهم بشدّة بلا شفقة”. 

يؤكّد سامي لـ”المفكرة” أنّه تم إخراجه من الملّالة ونقله إلى سيارة “الريو” مع آخرين حيث نقلوا إلى مركز أمني وهم معصوبو الأعين. يقول: “حين وصلنا طلبوا منا خلع ملابسنا بالكامل من أجل تفتيشنا، وأثناء التحقيق معي استمروا بضربي وطلبوا مني أن أعترف بما لم أقم به وهو رمي الحجارة وقنابل المولوتوف على القوى الأمنية، وأنني شاركت في أعمال الشغب”. ويعتبر سامي أنّ التحقيق هدف إلى “اتهامي بأنني أتقاضى المال لأشارك بالحراك، وسألوني من أين أتلقّى التمويل. ثم سألوني عن هوية أشخاص مشاركين في التظاهرات وعرضوا عليّ صور أشخاص للتعرّف عليهم”. يُشار إلى أنّه تم الإفراج عن سامي بعد ليلة واحدة ولم يتم توجيه أي تهمة له. 

ويشير سامي إلى أنّه أصيب برضوض في أنحاء جسده، وأرسل صورة لـ”المفكرة” تظهر وجهه متورّماً والكدمات تغطي معظمه. ويأسف الشاب لما حصل معه، فهو بات اليوم قلقاً ويشعر بالخوف من العودة إلى المشاركة في التظاهرات ويؤكد لـ”المفكرة”: “حين قررت النزول إلى الشارع منذ 17 تشرين الأول 2019، كنت أتظاهر ضدّ من سرق حقوقي وليس ضد الجيش، فمعركتي ليست معهم، فماذا فعلنا ليعاملوننا بهذا الأسلوب؟”.

سحل على الأرض

في حالة تعذيب أخرى، شارك المحامي محمد صبلوح مع “المفكرة” تقرير طبيب شرعي لشاب تعرّض للضرب على أيدي القوى الأمنية أثناء تواجده في تحرك يوم 27 كانون الثاني 2021. ويعرض التقرير أنّ الشاب كان يركض بعيداً عن الحريق المندلع في سراي طرابلس، إلّا أنه تعثّر ووقع أرضاً فأمسك به العناصر الأمنية وسحلوه على الأرض ثمّ انهالوا عليه بالضرب. ويشرح صبلوح أنّ “الشاب تمكّن من أن يفلت من أيدي العناصر بمساعدة المسعفين المتواجدين على الأرض”. ويظهر من تقرير الطبيب الشرعي تعرّضه لكسور من الناحية الخلفية لأضلاع الصدر، إضافة إلى جرح في الرأس احتاج لتقطيب، وكدمات وخدوش متعددة.  

 

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، احتجاز وتعذيب ، اختفاء قسري ، المرصد القضائي ، حراكات اجتماعية ، حريات ، حريات عامة والوصول الى المعلومات ، حرية التعبير ، لبنان ، محاكم عسكرية ، محاكمة عادلة وتعذيب



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *