ادّعاء بالإرهاب ضدّ متظاهري طرابلس: سلاح جديد في وجه المعارضة


2021-02-23    |   

ادّعاء بالإرهاب ضدّ متظاهري طرابلس: سلاح جديد في وجه المعارضة
أمام المحكمة العسكرية

كالصاعقة، هبط على أهالي متظاهري احتجاجات طرابلس الأخيرة خبر الادعاء على أبنائهم بتهم الإرهاب والسرقة، هؤلاء الأهالي الّذين لم يتركوا الشارع أمام المحكمة العسكرية في بيروت للمطالبة بالإفراج عن أبنائهم طيلة أكثر من عشرين يوماً على احتجازهم. وكان الأهالي خلال صدور القرار في حالة اعتصام بدأ صباحاً، تخلّله قطع الطريق من قبل القوى الأمنية ولم ينته مع حلول المساء، بل توجّه حشد من المتظاهرين إلى أمام منزل النائب العام العسكري القاضي فادي عقيقي للاعتصام ومطالبته بالعودة عن قراره.

لم يكن سهلاً على أهالي الموقوفين أن يسمعوا كلمة “إرهاب” تطلق على أبنائهم. فهم على يقين أنّهم ليسوا سوى متظاهرين لم يكن هدفهم من اللجوء إلى الشارع سوى إيصال صوتهم والتعبير عن غضبهم من الحرمان والجوع الذي يعانيه سكّان طرابلس. فكيف تحوّلوا فجأة من متظاهرين إلى إرهابيين؟

الأهالي في حالة ذهول     

منذ أسبوع كان أهالي الموقوفين يتأمّلون أن يبتّ قاضي التحقيق العسكري مارسيل باسيل بطلبات إخلاء السبيل، وانتظروا أن يفرج عن أبنائهم، إلّا أنّه حصل ما لم يكن في الحسبان. فقد نقل المحامون المكلّفون بالدفاع عن المتظاهرين للأهالي المعتصمين أمام المحكمة العسكريّة أنّ النيابة العامّة ادّعت عليهم بالإرهاب والسرقة، وارتكزت النيابة العامّة في قرارها على المادة 335 التي تعاقب على “إقدام شخصين أو أكثر على تأليف جمعية بهدف ارتكاب الجنايات على الناس أو الأموال أو النيل من سلطة الدولة وهيبتها أو التعرض لمؤسساتها المدنية والعسكرية” وهي معطوفة على المادتين 5 و6 من قانون العام 1958 المتعلّقتين بالأعمال الإرهابية والجرائم ضد الدولة. وتصل العقوبات في هذه الحالة إلى الأشغال الشاقة المؤبّدة وحتى الإعدام. أمّا المادة 638 من قانون العقوبات فتعاقب بالأشغال الشاقة من ثلاث إلى عشرة سنوات على السرقة “إذا وقعت على أموال أو موجودات مؤسسة حكومية”. وحسبما ينقل المحامون المتابعون لملف الموقوفين أنّ الادعاء بهذه الجرائم يأتي على خلفية سرقة بوّابة الحديد التابعة لسراي طرابلس ورمي قنابل مولوتوف.

ويضاف هذا الادعاء الجديد إلى ادعاءات سابقة اتصلت بـ “محاولة قتل مدنيين وعسكريين، ومعاملة قوى الأمن بالشدّة، والمشاركة في تظاهرات الشغب، والتخريب، وإضرام النار بالأبنية المأهولة، وتحقير رئيس الجمهورية”.

الأهالي أصيبوا بحالة صدمة وذهول بعد سماعهم الخبر وعلت أصوات بعضهم غاضبة مستنكرة. والدة أحد الموقوفين لم تحتمل الخبر، انهارت باكية وهي تسأل غير مصدّقة “أحقاً ادّعوا عليه بالإرهاب؟”. تروي لـ”المفكرة” أنّ ابنها الذي يبلغ من العمر 28 عاماً يعمل كسائق تاكسي، كان يقف يوم 27 كانون الثاني 2021 على طرف الطريق منتظراً ركّاباً كان قد أخذ منهم موعداً ليوصلهم إلى مقصدهم. “في هذه الأثناء، اتّصلت به وقلت له يا إمي الله يرضى عليك ترجع عالبيت، لكنه أجابني، أنّه سينهي عمله ويعود إلى البيت”، تقول الوالدة والدموع تملأ عيونها. تتنهّد قليلاً قبل أن تضيف: “انتظرته ولم يعد، رحت أسأل عنه أصدقاءه ومعارفه، لم أصل إلى أيّ خبر إلّا بعد ثلاثة أيّام حين اتّصل بي من مركز مخابرات الجيش وقال لي أنا موقوف”.

والدة موقوف آخر من البقاع تؤكّد لـ”المفكرة” عدم ارتكاب ابنها لأيّ من الجرائم المسندة إليه: “حين رأيت حريق البلدية في 31 كانون الثاني اتصلت بابني فقال لي إنّه يمضي السهرة في منزل صديقه، لكنّي أصرّيت أن يتّصل بي عبر الفيديو لأتأكّد فرأيته بالفعل مع 5 من رفاقه في المنزل”. وتضيف، “أوقف جميع من كانوا في المنزل، وأنا متأكّدة من براءتهم جميعاً ممّا أسند إليهم”.

من طلب تصحيح الادّعاء إلى ادّعاء أشدّ

وجاء ادّعاء النيابة العامّة بعدما كان قاضي التحقيق العسكري الناظر بالملف، مارسيل باسيل قد استكمل استجواب جميع الموقوفين باستثناء موقوف مصاب بفيروس كورونا. فأعاد مؤخراً الملف إلى النيابة العامّة العسكرية لتصحيح الادّعاء بالمادتين 309 و310 من قانون العقوبات بسبب تعليق العمل بهما، فما كان من النيابة العامّة إلّا أن صحّحت الادّعاء السابق بالادعاء عليهم بجرائم جديدة أكثر شدة. فادّعت على جميع من يتضمّنهم الملف بجرائم المواد 335 و638 المذكورتين أعلاه. وهذا يعني أنّ قاضي التحقيق أصبح ملزماً بإعادة استجواب جميع الموقوفين (ما يقارب 17 شخصاً)، مما سيؤخّر إخلاء سبيلهم، كما الأشخاص الذين أفرج عنهم سابقاً (ما يقارب 6 أشخاص)، مما قد يعرّضهم للتوقيف مجدداً. وقد حدد القاضي باسيل يوم الأربعاء في 24 شباط موعداً لإعادة استجواب الموقوفين بموجب مواد الادّعاء الجديدة. بالإضافة إلى ذلك، يؤدّي الادعاء بجرائم الإرهب إلى إسقاط مهل التوقيف الاحتياطي، إذ لا يعود القضاء ملزماً بإخلاء سبيل الموقوفين بعد مرور مهلة ستة أشهر (مع إمكانية تجديدها لمرة واحدة).

كذلك جاء الادّعاء شاملاً، إذ لم يجر تحديد مسؤولية كلّ مدعى عليه في التّهم الموجهة له. ويؤكد المحامي أيمن رعد، المكلّف الدفاع عن موقوفي البقاع، وعضو “لجنة المحامين المتطوعين للدفاع عن المتظاهرين” لـ”المفكرة” أنّه “حين سألنا عن الموقوفين تمّ إطلاعنا بأنّه جرى الادعاء على الشباب الستة من البقاع بهذه المواد، واستنتجنا بذلك أنّ الادّعاء شامل لجميع المدّعى عليهم في هذا الملف وعددهم 35 شخصاً”.

ويصف المحامي محمد صبلوح الادّعاء بأنه “فضيحة” فـ”المواد المتعلّقة بالإرهاب (المادتين 5 و6) تتطلّب توفّر شروط معيّنة كتصنيع المواد المتفجّرة وحيازتها، لكن للأسف تم استخدامها لتخويف الناس ولإسكات الأصوات المعارضة”. ويعتبر صبلوح أنّه “بهذا الادّعاء سيتم معاودة استجواب جميع المدّعى عليهم، ونستشعر خشية من أن يتم إعادة توقيف الأشخاص المخلى سبيلهم”. ولذا، ما هو متاح للمحامين الموكلين بالدفاع عن المدعى عليهم هو تقديم الدفوع الشكلية، إلّا أنّ صبلوح يحذّر من عراقيل قد تمنع هذه الدفوع من إيصال الملف إلى أيّ تقدم إيجابي، “فعادة لا يتمّ الأخذ بها في المحكمة العسكرية وعادة ما ترفضها وتبقى ضمن الإجراءات الشكلية” بحسب تفسيره.  

سابقة في سياق ادّعاءات النيابة العامّة على متظاهرين

وتعتبر هذه المرّة الأولى منذ العام 2015 التي يتّجه القضاء العسكري إلى الادّعاء على متظاهرين بهذا النوع من الجرائم. فعلى الرغم من كثرة الملاحظات على الملفات السابقة التي ادّعت فيها النيابة العامّة العسكرية على متظاهرين، إلّا أنّ الادّعاء كان يقتصر في معظم الأحوال على جرائم المقاومة السلبيّة لقوى الأمن، ومعاملة قوى الأمن بالشدّة. وقد انتهى عدد من هذه الملفات إلى إعلان براءة المتّهمين من التهم المساقة ضدّهم تماماً كما حصل في قضايا متظاهري حراك 2015، وتبيّن في جزء منها كأنّ النيابة العامّة سواء لا تقرأ ملفاتها أو تتعمّد الادّعاء بتهم من دون أدلّة، وأحياناً تسنتد إلى موجز أمني وليس محضر قضائي. ومن ناحيّة ثانيّة، لا بدّ من التذكير أنّ مرّات عدة جرى الاعتداء فيها على متظاهرين من قبل الأجهزة الأمنية أو أشخاص مناصرين لبعض الأحزاب، من دون أن يتمّ توقيف أحد أو أن يلجأ القضاء إلى الادعاء على المعتدين رغم وجود صور وفيديوهات توثق ارتكاباتهم. وهو ما وضعه المتابعون لهذا الملف في إطار وجود أبعاد سياسية هادفة لقمع الحركات المعارضة للسّلطة وراء الادّعاء الآن بالإرهاب على الشبّان الموقوفين على خلفية تظاهرات طرابلس.

وفيما يتعلّق تحديداً بطرابلس، فهذه المرّة الثالثة التي تشهد المدينة حملات من التوقيفات الجماعية للمتظاهرين بعد تظاهرات تشرين الأول 2019 ثم نيسان 2020. وقد اتّهمت النيابة العامّة العسكرية حينها المتظاهرين بمحاولة قتل القوى الأمنية على خلفية إلقاء قنابل مولوتوف بدلاً من المعاملة بالشدّة كما كانت تجري العادة. أما اليوم، فقد افتتحت النيابة العامّة العسكرية مرحلة جديدة بتوصيف هذه الأفعال كأعمال إرهابية.

وقد اختصرت والدة أحد الموقوفين التمييز في تعامل القضاء العسكري مع الموقوفين على خلفية التظاهرات، بقولها: “هؤلاء هم متظاهرون وثوار، ما ذنبهم ليدعى عليهم بالإرهاب؟ هم ليسوا عملاء كعامر الفاخوري، وليسوا سياسيين كناهبي أملاك الدولة وأموال الناس”. تضيف، “لو كان أولادنا إرهابيين ما كان أحد منّا تجرّأ واعتصم في هذا الشارع”.  

استنكارات ومطالبات بوقف محاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري

وقد استدعى ادّعاء المحكمة العسكرية بجرائم الإرهاب بيانات شجب واستنكار من جهات حقوقية عدّة، فأكّدت نقابة الصحافة البديلة في بيان أمس أنّه لا يمكن ترجمة هذا الادّعاء إلّا أنّه “يأتي ضمن حملة قمع ممنهجة لإرهاب الناس والأصوات المعارضة”، وشدد البيان على عدم صلاحية محاكم السلطة العسكريّة في محاكمة المدنيين. وأعرب التجمّع عن خشيته من “ممارسات السلطة البوليسية التي تتوحش على الناس وتترك قضايا أخرى المرتكبون فيها أحرار”. كأن تتحرك السلطات القضائية لكشف القتلة والمهملين في مذبحة مرفأ بيروت”.

ومن جهتها استهجنت “المفكرة القانونية” “ادعاء مفوض الحكومة بصورة جماعية بتهم الإرهاب دون تمييز”. وعبّرت “المفكرة” عن مخاوفها من أن “نكون أمام وسيلة قمعية قديمة جديدة لاستباق احتجاجات ما قبل رفع الدعم تمهيدا لمعالجة مشاكل الجوع والفقر بالعنف، هذا من دون الحديث عن خطورة تنميط المدن الأكثر فقراً كطرابلس بالإرهاب”. ولفتت إلى أنّ “أبشع ما في هذا القمع هو صدوره عن قضاء لا يضمن المحاكمة العادلة ويفترض ألّا يكون له أي اختصاص في محاكمة المدنيين”.

وذكّر ائتلاف استقلال القضاء” في بيان بأنّ “النيابة العامّة العسكرية تعمّدت حرمان الموقوفين في هذه القضية من حقوق الدفاع في مخالفة صريحة للمادة 47 من أصول المحاكمات الجزائية. كما امتنعت لغاية الآن عن إجراء أيّة تحقيقات جديّة في مقتل المتظاهر عمر فاروق طيبا برصاص القوى الأمنية في 27 كانون الثاني 2021، بعدما كانت قرّرت حفظ الملف في قضية مقتل فوّاز فؤاد السمّان برصاص الجيش خلال التظاهرات في طرابلس في نيسان 2020. وهي لا تزال علاوة على ذلك، تتقاعس عن التحقيق جدّياً في إصابة العشرات من المتظاهرين في بيروت في 8 آب 2020 بالخردق والرصاص الحي من قبل شرطة مجلس النوّاب”. لذلك طالب “النيابات العامّة المختصّة بتحريك الدعوى العامّة في شكاوى مقتل وإصابة المتظاهرين، التزاماً بحقوق المواطنين في الحياة والسلامة الشخصية”.

وناشد الائتلاف “قضاء التحقيق الناظر في الادّعاء، مواجهة تعسّف النيابة العامّة عبر منع المحاكمة في جرائم الإرهاب وفي مجمل الجرائم التي تخرج عن صلاحية القضاء العسكري بحق المحتجّين في طرابلس وإخلاء سبيلهم فور استجوابهم، خصوصاً في ظلّ الأوضاع الصحية الحاضرة التي تفرض الحدّ من اللجوء إلى التوقيف الاحتياطي والتخفيف من اكتظاظ أماكن الاحتجاز”. 

يشار إلى أنه جرى التحقيق مع معظم الموقوفين أمام الأجهزة الأمنية بدون الحصول على الضمانات التي تتيحها لهم المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائيّة، مثل الحق في اتصال هاتفي وتوكيل محام يحضر معهم التحقيق والحصول على كشف طبّي. وأكّد عدد من الأهالي لـ “المفكرة” أنّهم لم يعرفوا مكان تواجد أبنائهم بعد توقيفهم إلّا بعد نحو ثلاثة أيّام على الأقل، ما دفع بعض المحامين إلى تقديم إخبار للنيابة العامّة التمييزية في بيروت في جرائم الإخفاء القسري بدون وصول الإخبار إلى تقدم جدّي، فلم يجر حتى اللحظة فتح تحقيق بها الأمر. هذا بالإضافة إلى إشكاليّات قانونيّة متعدّدة أثرناها سابقاً، واتّصلت بتخطّي أمد التوقيف الاحتياطي، وتأخّر مثول الموقوفين أمام قاضي التحقيق، فضلاً عن وجود مؤشرات قوية بتعرّض بعض منهم للتعذيب.

انشر المقال

متوفر من خلال:

احتجاز وتعذيب ، اختفاء قسري ، استقلال القضاء ، المرصد القضائي ، انتفاضة 17 تشرين ، حرية التجمّع والتنظيم ، حرية التعبير ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قرارات قضائية ، قضاء ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، لبنان ، محاكم عسكرية ، محاكمة عادلة ، محاكمة عادلة وتعذيب



لتعليقاتكم