وانفتحتْ معركة “حصانة الوزراء”… خطوة هامّة تهدّدها سياسات “الإفلات من العقاب”


2020-12-13    |   

وانفتحتْ معركة “حصانة الوزراء”… خطوة هامّة تهدّدها سياسات “الإفلات من العقاب”

بتاريخ 10 كانون الأول (وهي مناسبة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان)، أصدر المُحقّق العدلي في قضية مجزرة بيروت فادي صوّان قراراً باستجواب أربعة أشخاص تولّوا أو ما برحوا يتولّون حقائب وزارية على خلفية مسؤوليّتهم في انفجار بيروت. وفيما تسرّب الخبر إلى الإعلام بدايةً، فإنّ المكتب الإعلاميّ لمجلس القضاء الأعلى سارع إلى تأكيده من دون ذكر أسماء الوزراء المدّعى عليهم ولا عددهم ولا موضوع الشبهة. وقد ذكّر بيان المجلس بأنّ صوّان كان راسل قبل ذلك المجلس النيابي بشأن شبهات لديه اتصلت بمسؤولين حكوميين وأنه فعل ذلك تمكيناً لهذا الأخير من ممارسة ما قد يعود إليه من صلاحيات بهذا الشأن مع “احتفاظه … بممارسة ما يعود له من صلاحيات في الموضوع عينه”. وبذلك، بدا البيان وكأنه يعلن أن صوّان مارس هذا الادّعاء ضد الوزراء بعدما تقاعس المجلس النيابي عن مباشرة اجراءات الاتهام بحقهم وربما نتيجة لذلك. 

وقد شمل الادعاء كلا من رئيس الحكومة المستقيلة حسان دياب (الذي كان تمّ إعلامه بخطورة النترات وبوضوح مرات عدة إلا أنه لم يتخذ أي تدبير) والوزراء السابقين غازي زعيتر (وهو تولى وزارة الأشغال العامة في 2014 التي كانت طلبت من القضاء تعويم السفينة وإفراغ حمولتها وهي أيضا الوزارة التي تولّت تخزين المادة وحراستها وتملك سلطة الوصاية على لجنة إدارة المرفأ)، ويوسف فنيانوس (وهو وزير أشغال عامة سابق أيضا) وعلي حسن الخليل (وهو وزير مالية سابق علما أن وزارة المالية هي صاحبة الوصاية على المديرية العامة للجمارك). 

وفيما يشكّل هذا القرار انعطافةً هامّة في مسألة حصانة الوزراء، فإنه يستشفّ من ردود الأفعال السياسية أو الإعلامية عليه أنه سيُشكّل على الأرجح نقطة انطلاق لمعركة أساسية أوسع حول حقّ اللبنانيين بالعدالة والحقيقة في قضية مجزرة بيروت، وهي معركة تندرج ضمن رهاننا على امكانية تحوّل هذه القضية بفعل زخمها إلى رافعة لتطوير نظام العدالة برمّته. هذه هي المعركة التي سنحاول وصفها ضمن هذا المقال. 

  • حصانة الوزراء تتقلّص؟ 

أول ما نستشفه من قرار صوّان هو أنه انتهى إلى قناعة (كان مترددّا بشأنها حسبما نستشفّ من بيانيْ مكتب الادعاء لنقابة المحامين في بيروت) بامكانيّة استجواب الوزراء كمدّعى عليهم، وبخاصّة بعدما رفض المجلس النيابي اتخاذ قرار بشأنهم. وبذلك يكون صوّان قد فسّر ضمنا المادة 70 من الدستور الخاصة بملاحقة الوزراء، على نحو يسمح له بمباشرة الادّعاء على هؤلاء من دون أيّ حاجة للاستحصال على قرار اتهامي من المجلس النيابي. وفيما لم يعلّل صوّان موقفه بشكل واضح (وهو أمر سيتعين عليه أن يفعله في القرارات التي قد يصدرها في حال تقدّم الوزراء بدفوع شكلية)، فإنه يُرجّح أن يكون استند بذلك إلى أحد التفسيريْن اللذيْن اعتمدتْهما محكمة التمييز تباعا لهذه المادة في 1999 و2000 وذلك في إطار قضيتي الوزيرين السابقين شاهي برصوميان وفؤاد السنيورة، وهما الآتيين:  

الأول، وقد جاء فيه أن اختصاص القضاء العدلي يبقى قائما لملاحقة الوزراء عن الأفعال الجرمية المرتكبة منهم في معرض ممارسة وظيفتهم الوزارية ما لم يعمدْ المجلس النيابي إلى وضع يده عليها. ولهذه الغاية، استندت محكمة التمييز بشكل خاصّ على التعابير المستخدمة في النص الفرنسي للمادة 70 من الدستور وهو النص الأصلي الذي وضع فيه قبل ترجمته إلى العربية وقبل تعديله في سنة 1990، حيث جاء ما حرفيته أنه يحق لمجلس النواب اتّهام الوزراء على خلفية الخيانة العظمى أو الإخلال بواجبات الوظيفة. وقد دعمتْ المحكمة قرارها بالإشارة إلى نصّ المادة 60 المتّصلة بحصانة رئيس الجمهورية حيث جاء في النصين الفرنسي والعربي ما حرفيته: “لا يمكن اتهامه (أي رئيس الجمهورية) إلا من قبل مجلس النواب”. وبذلك، تكون محكمة التمييز أقرّت في تفسيرها ذاك بوضوح كلّي مبدأ عدم حصرية صلاحية الاتّهام والاختصاص، بمعنى أنه يكون بإمكان القضاء العادي محاكمة الوزراء ما لم يتدخّل المجلس النيابي لاتّهامهم أمام المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء. ويرجّح من بيان مجلس القضاء الأعلى أن يكون صوان اعتمد هذا التفسير وبخاصّة حين تحدّث عن احتفاظ المحقق العدلي “بحقّه بممارسة ما يعود له من صلاحيات في الموضوع عينه”. ومن هذه الزاوية، نفهم أن المحقّق العدلي سعى من خلال كتابه للمجلس النيابي إلى الإستعلام حول نواياه في الادعاء أو عدمه ضدّ الوزراء المذكورين تمهيدا لممارسة صلاحياته في حال امتناع المجلس عن ذلك. 

أما التفسير الثاني وهو يختلف عن التفسير الأول، والذي انتهت إليه الهيئة العامة لمحكمة التمييز في قضية الادّعاء ضد الوزير السابق فؤاد السنيورة بتاريخ 27/10/2000، فيقوم على التمييز بين الأعمال المرتكبة من الوزراء وفق طبيعتها، وتحديدا فيما إذا كانت مرتبطة مباشرة بالوظيفة الوزارية. وقد تمثل ذلك من خلال التّفرقة بين فئتين من الأفعال التي يمكن أن يقوم بها الوزراء: الفئة الأولى وهي التي تندرج تحتها الأفعال النّاجمة عن الإخلال بالوظيفة أو الخيانة العظمى، وتشملها الحصانة الدستورية وتعود صلاحية الإتّهام فيها للمجلس النيابي وإختصاص النظر بها للمجلس الأعلى وهي تشمل الأعمال “المتّصلة بصورة مباشرة بممارسة الوزير لمهامه القانونيّة الوزاريّة” والتي تتعلق “بالطّبيعة السياسية لعمل الوزير وجوهر مهامه الوزاريّة كما هو مقرّر في القوانين”. أما الفئة الثّانية فتضمّ الأفعال التي تشكل الجرائم الأخرى، ويعود إختصاص النّظر فيها للقضاء العادي ومنها “الأعمال الجرميّة المرتكبة من الوزير في “معرض” ممارسته لمهامه، أو في حياته الخاصّة، والأفعال المرتكبة منه ذات الصّفة الجرميّة الفاضحة والتي تؤلّف تحويلا للسلطة عن طريق إحلال المصلحة الخاصّة مكان المصلحة العامّة. وهذا التفسير ينطبق بشكل خاص في حال وجود شبهة صرف نفوذ أو سعي أي من الوزراء من خلال فعله أو امتناعه عن الفعل لتحقيق منفعة شخصية له أو لسواه. وقد عادتْ محكمة التمييز لتؤكّد هذا التوجّه في معرض ملاحقة وزير الزراعة الأسبق علي عبدالله في 2004.  

وعليه، وبانتظار صدور قرارات معللة عن المحقق العدلي (أمر قد يحصل في حال تقديم دفوع شكلية)، يُعتقد أن يكون المحقق العدلي ذهب في أحد هذين الاتجاهين، مع ترجيح أن يكون اعتمد الاتجاه الأول على ضوء ما جاء في البيان الصادر عن مجلس القضاء الأعلى. 

ولإدراك أهمية هذا التوجه، يقتضي تسجيل المعطيات الآتية: 

  • أن محاكمة كلّ من شاهي برصوميان وفؤاد السنيورة توقفت بعد فوز تيار المستقبل وحلفائه في الانتخابات النيابية في سنة 2000 وذلك تبعا لاعتبار أن أفعالهما المدعى بها تغطيها حصانة المادة 70. 
  • أنه تبعا لذلك، ورغم موقف محكمة التمييز الواضح، لم يصدر أحكامٌ بحق وزراء طوال العقود الثلاثة الماضية، باستثناء حكم يتيم صدر بحق وزير الزراعة الأسبق علي عبدالله في 2004 وذلك على خلفيّة جرم استغلال وظيفته لتحقيق منافع غير مشروعة. أما فيما عدا ذلك، فقد تصرّف القضاء كأنما للمجلس النيابي صلاحية حصرية في ملاحقة الوزراء. وهذا ما نستشفّه مثلاً من إحالة النائب العامّ المالي علي ابراهيم 3 وزراء اتصالات سابقين وهم نقولا الصحناوي وبطرس حرب وجمال الجراح إلى المجلس النيابي على خلفية شبهات أفعال جرمية أدت إلى هدر مال عامّ، علما أن ابراهيم اشتبه بجرم اختلاس مال عامّ فيما يخصّ الجراح، 
  • أنّ المجلس النيابي أبدى تقاعسا تاما عن ممارسة دوره الاتهامي. وقد حصل ذلك في قضيتي برصوميان والسنيورة ولكن أيضا في ما يتصل بمجمل الطلبات المحالة إليه من النيابات العامة ومن أبرزها طلب الإحالة المذكور أعلاه الخاص بوزراء الاتصالات أو في ما يتصل بقضايا الفساد التي عرف بها وأنشأ لجان تحقيق بشأنها مثل قضية مبنى تاتش. ومؤدّى ذلك هو أن المجلس الأعلى لمحاكمة الوزراء والرؤساء لم يشهدْ أيّ محاكمة في أيّ وقت خلال العقود الثلاثة الماضية مما أدّى إلى تعميم إفلات الوزراء من العقاب من جراء أيّ من الأعمال التي قاموا بها، مهما بلغت درجة خطورتها، 
  • أنه تبعا لثورة 17 تشرين، اعتمدتْ قوى سياسية عدة خطابا شعبويّا عن وجوب رفع الحصانات وإعمال المحاسبة. وفيما تمثّل هذا الحديث في عددٍ من مقترحات القوانين التي شكّلت مادة للمفاخرة طوال أشهر وأبرزها اقتراح القانون الذي قدّمه النائبان حسن فضل الله وهاني قبيسي برفع حصانات الوزراء الذين تعاقبوا على الحكم منذ 1991، فإن هذه المحاولات تمّ إسقاط العجلة عنها لاحقا في المجلس النيابي وعلى نحو أبقى تعميم إفلات الوزراء من العقاب على حاله. 
  • أنّ مجمل المتابعين لقضية مجزرة المرفأ وجدوا أنفسهم بنتيجة هذه المعطيات أمام مسألة أساسية: فإما أن ينسجم موقف المحقق العدلي مع التوجّه العام للنيابات العامة مما يشكل عامل قلق يخشى منه إبقاء تحقيقاته تحت سقف الوزراء وضياع جزء كبير من الحقيقة والمسؤوليات، وإما أن يعمد إلى تضييق تفسير المادة 70 من الدستور ومعها الحصانة التي تشملها وذلك عملا بأحد تفسيريْ محكمة التمييز بما يسمح له بالادّعاء على الوزراء. وفيما شكّلت هذه المسألة مسألة محورية لإثبات الحقيقة والعدالة، انخرطتْ جهات حقوقية وازنة عدة، من بينها نادي قضاة لبنان (بيان 15 آب 2020) ونقابة المحامين في بيروت (بيان 14 تشرين الثاني 2020) والمفكرة القانونية لترجيح التوجّه الثاني. وقد أتى موقف المحقق العدلي متناغما مع هذه المواقف، على نحو يؤمل منه أن ينعكس إيجابا على صعيديْ العدالة والمحاسبة ليس فقط في هذه القضية بل في مجمل القضايا التي يشتبه بتورط وزراء فيها، وإن كان يؤمل أن يتوسع الادعاء ليشمل سائر الوزراء المشتبه بهم منعا لأي التباس. وقد شكل موقف المحقق العدلي في هذا الصدد (والذي شاب تعيينه اشكالات عدة تشكل عوامل قلق دائمة) نموذجا هاما عن كيفية تطوير عمل القضاء تبعا لتنامي مطالب العدالة داخل المهن القانونية ولكن أيضا في التخاطب العام.
  • هكذا دافعت القوى السياسية عن حصاناتها 

فيما لزمت القوى السياسية الصمت التامّ حيال كل عوامل القلق التي كنا أثرناها أو أثارتها نقابة المحامين في بيروت بشأن مسار التحقيقات، فإنها صحت فجأة فور تسرّب خبر الادّعاء على وزراء، بما يشبه يقظة جماعية. وكأن حصانات الوزراء هو الأمر الوحيد الذي يقلقها أو يعنيها في هذه القضية. وتبعا لذلك، شهدْنا تفاعلاتٍ سياسيّة وإعلاميّة سريالية عكست تنوّعا في الأساليب المعتمدة لضمان الإفلات من العقاب، بما يذكر بالمسرحية الهزلية والتي أدت عمليا إلى إجهاض التدقيق الجنائي ولو لحين. 

وقد أخذت هذه الأساليب أشكالاً مختلفة يشكل توثيقها وتحليلها حاجة ملحة لفهم المنظومة السائدة وأشكال الصراع المجتمعي معها. وهي الآتية:

  • تحصين “المقامات” وما تعكسه من تطييف

أول الشواهد على هذا الأمر تمثّل بالإعلان الصادر عن رئيس الحكومة المستقيلة حسان دياب والذي اعتبر أن الادعاء عليه يتجاوز شخصه ليطال موقعه، وأنه لن يسمح باستهداف موقع رئاسة الحكومة من أي جهة كانت. ومن البيّن أن مجرّد ادعاء استهداف هذا الموقع الذي يشكل عرفا أهم موقع مخصص لشخص من الطائفة السنية إنما يشكّل استدعاءً لعصبيّة الشارع السنّي. وقد تأكّد ذلك من خلال المواقف التي سارع رؤساء الوزراء السابقون إلى اتخاذها تضامنا مع دياب، متجاوزين بذلك قطيعتهم السابقة له منذ توليه هذا الموقع. 

أهمّ هذه المواقف صدر عن رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري الذي انتقل إلى السرايا في أول زيارة من نوعها لدياب تضامنا معه. الموقف نفسه عبّر عنه الرئيسان السابقان فؤاد السنيورة وتمام سلام اللذيْن رفضا تباعا التطاول على هذا الموقع أو السماح لأي كان بالتعامل معه كمكسر عصا. أما نجيب ميقاتي (وهو أول رئيس حكومة سابق رفعت ضده دعوى جزائية على خلفية الإثراء غير المشروع في قضية القروض الإسكانية) فقد اعترض على ملاحقة رئاسة الوزراء من دون ملاحقة رئاسة الجمهورية مما يشكل كيلا بمكيالين متناسيا الفارق الشاسع بين المواد الدستورية المتصلة بمسؤولية هذين المرجعين. وقد أتى تصريح مفتي الطائفة السنية في لبنان عبد اللطيف دريان في تحصين مقام رئاسة الوزراء كخط أحمر، ليضفي غطاء دينيا واضحا على هذا الخطاب. ومؤدى ذلك هو تحويل مسؤولية شخصية (مسؤولية دياب) يجدر التحقيق فيها إلى مسؤولية طائفية يشكل أي تحقيق فيها استهدافا لطائفة برمتها، مع ما قد يستتبع ذلك من عوائق قد يصعب تجاوزها، فضلا عن تمكين أحد المشتبه بهم بأداء دور الضحية تمهيدا لإفلاته من أي مساءلة. 

  • خطاب الاستهداف السياسي والكيل بمكيالين

تفرّع هذا الخطاب عن واقعة حصر الادعاء بأربعة وزراء فيما أن صوان كان أشار في كتابه المُرسل إلى المجلس النيابيّ في وقت سابق إلى وجود شبهات حول العديد من رؤساء الحكومات ووزراء الأشغال العامة والعدل والمال. وقد تمثل في ادعاء وجود استهداف سياسي وكيل بمكيالين. ورغم جدية هذا الاعتراض، فإنه لم يترافق قط مع دعوة القاضي إلى توسيع الادّعاء ليشمل الآخرين إنما استُخدم بشكل شبه حصري لترسيخ حصانة الوزراء كل الوزراء ونسف مشروعية الادّعاء على أي منهم. وبذلك، بدا تكرارا مبتذلا لما يحصل كلما نشأت إرادة بالمحاسبة حتى ولو كانت ما تزال جنينية. فهذا ما سمعناه بشأن التدقيق الجنائي على حسابات مصرف لبنان أو في ضبط الإنفاق الحاصل خلال حكومة فؤاد السنيورة في فترة 2006-2010 (ملف ال 11 مليار). وهو خطاب يؤدّي عمليا ودوما إلى نسف المحاسبة بدل تصويب مسارها، وتاليا إلى استهداف الصالح العام والمواطنين كافة بحجة رفض الاستهداف السياسي. فكيف يمكن أن يترافق التنديد بالكيل بمكيالين على خلفية التمييز بين الوزراء، مع التمسك بالحصانة التي هي تمييز متمادٍ وكيل بمكيالين ضد سائر المواطنين؟ فهل ينطبق مبدأ المساواة أمام القانون والقضاء حصرا على العلاقة فيما بين الوزراء أم هي تنطبق في العلاقة بين المواطنين كافة؟ 

وما يزيد هذا الأمر قابلية للانتقاد هو أن مباشرة المحقق العدلي الادّعاء على هؤلاء الأربعة لا يعني بالضرورة أنّه صرف النظر عن الادّعاء على سائر الوزراء، وأن مباشرة الادّعاء على بعضهم قد تجد ما يبررها بحاجات التحقيق أو بوجود خطورة معينة بالنسبة إلى طبيعة الأفعال المشتبه بارتكابها من قبل الوزراء.

ومن أبرز المواقف الاعتراضية في هذا الصدد، البيان الصادر عن حزب الله والذي أعرب عن تخوّفه من أن “يضيع التحقيق في متاهات الاجراءات الإدارية والتعقيدات الروتينية والإشكالات القانونية، بحيث … يطفو على السطح الشبهات غير الموثوقة والاتهامات غير المسندة والادعاءات غير الصحيحة، فيسقط التحقيق في أدغال السياسة ولعبة الشارع وصخب الإعلام على حساب الحقيقة والعدالة والقانون ودم االشهداء”. وما أن انتهى الحزب من تبيان مخاوفه حتى عاد ليُنصّب نفسه قاضيا على أداء القاضي. فبعدما أكد على حرصه بأن تكون جميع الاجراءات التي يتخذها قاضي التحقيق بعيدة عن السياسة والغرض، مطابقة للأحكام الدستور، غير قابلة للاجتهاد أو التأويل أو التفسير وأن يتم الادعاء على أسس منطقية وقانونية، فإنه سارع إلى إدانة الاجراءات الأخيرة التي غابتْ فيها وفق الحزب المعايير الموحدة وشكلت ما يعتقده استهدافا سياسيا طال أشخاصا وتجاهل آخرين دون ميزان حق وحمّل شبهة الجريمة لأناس واستبعد آخرين دون مقياس عدل”. وقد خلص البيان بالنتيجة إلى دعوة القاضي إلى إعادة مقاربة الملف واتخاذ الاجراءات القانونية … بمعايير موحدة بعيدة كليا عن التسييس”. ويلحظ هنا أنه رغم تكرار الحديث عن المعايير الموحّدة، فإن الحزب بدا حريصا في وضعها تحت سقف الدستور تفاديا لتعقيد الاجراءات، بما يؤشر بوضوح إلى ضرورة وضعها تحت سقف الحصانة. 

في الاتجاه نفسه، ذهب رؤساء الحكومات السابقين كما سبق بيانه واللقاء الاستشاري وحزب المردة، فضلا عن الوزيرين المدعى عليهما علي حسن الخليل وغازي زعيتر. 

  • باطنية التمسك بالدستور والقانون 

وقد تمثل هذا الأسلوب بادّعاء القوى السياسية تمسكها بوجوب احترام الحصانات التي ينص عليها الدستور كحصانات الوزراء والنواب1 (زعيتر والخليل) أو القانون كالمحامين2 (زعيتر والخليل وفنيانوس) والتي انتهكها صوان حسب هؤلاء. وبمعزل عن مدى صحة هذه الحجج، فإن الإدلاء بها إنما يعكس باطنية معبّرة لدى هؤلاء. فبمعزل عن مسؤولية المدعى عليهم في ارتكاب مجزرة بيروت، فإن ثمة تسليما بأن القوى السياسية التي ينتمون إليها تتعامل منذ نشأتها بخشبوشية شبه مطلقة مع الدستور والقانون. يكفي تدليلا على ذلك التذكير بتعطيل المواد المتصلة بالموازنة العامة السنوية في الدستور بشكل كامل وذلك طوال 12 سنة مع ما استتبع ذلك لجهة جعل جميع عمليات الإنفاق والجباية والاستدانة كلها غير قانونية أو أيضا تعطيل الدستور بشكل كامل منذ 1978 لجهة وجوب إجراء قطع حساب قبل إقرار أي موازنة عامة. هذا دون الحديث عن ملف المخالفات البحرية وتمادي الاعتداءات عليها وتمادي وزراء الأشغال المتعاقبين في غضّ الطرف عنها. وبذلك، تتجلى الباطنية لدى هؤلاء في التمسك بشدة بمواد الدستور الضامنة لحصانتهم وامتيازاتهم الوزارية، مع استمرار خشبوشيتها المتمادية مع مجمل المواد التي ترتب عليهم بحكم وظائفهم تلك أي واجبات أو مسؤوليات. كأن لهم غنم الوزارة من دون أن يكون عليهم غرمها. 

  • خطاب الاستضعاف والشهامة: 

أكثر الأساليب سريالية التي تمّ إخراجها لمنع المسّ بالحصانة هو خطاب الاستضعاف والشهامة. انطلق هذا الخطاب من خلال التركيز على الادّعاء على حسان دياب، على خلفية أنه لا يرتبط عضويا بقوة سياسية وازنة (وذلك بخلاف الوزراء الثلاثة الآخرين) ولا يحظى حتى بتأييد القوى الوازنة داخل طائفته، فضلا عن عدم بروز اسمه ضمن فضائح فساد. وقد انطلق خطاب الاستضعاف هذا من خلال الإشارة إلى أن المحقق العدلي ادّعى ضدّه فيما لم يجرؤ بالمقابل على الادّعاء ضد الحريري أو سلام أو ميقاتي (رغم أن أسماءهم كانت وردت في قائمة المشتبه بهم المرسلة إلى المجلس النيابي). وقد تصدّر هذا المفهوم عددا من عناوين الصحف (مثلا: الأخبار في 11 كانون الأول 2020). ولعل أخطر ما في هذا المفهوم أنه يستثير مشاعر الشفقة والتعاطف مع دياب بما ينعكس إيجابا على أوضاع سائر الوزراء الذين يصعب بفعل خلفياتهم استجرار تعاطف مماثل معهم. فيكفّ الموضوع عن كونه موضوع حصانة أو مسألة تقنية حول حدود الحصانة أو حتى استهدافا سياسيا، ليصبح مظلمة ومسألة تتعارض مع الحد الأدنى من العدالة وتستدعي الإشفاق. وقد تكلّل مشهد المظلمة هذه مع تغريدة لافتة صدرت عن الوزير السابق وئام وهاب وهدفت للإشادة بزيارة سعد الحريري لدياب وتضامنه معه، معتبرا إياها تعبيرا عن ترفع وشهامة وتجاوزا من قبل الحريري للأحقاد والخلافات في مواجهة الاستضعاف. فكأنه يشيد بقدرة الحريري على التعالي عن الخلافات عند حصول استحقاقات هامة. وهي تغريدة تم إعادة نشرها بشكل واسع في وسائل الإعلام عدة بالنظر لاحتوائها على إطراء نادر قلما يحصل بين خصوم سياسيين في لبنان. وبالطبع، لا تعدو هذه التغريدة أن تكون تحويرا لواقع الزيارة والغاية منها. فرغم كارثية الوضع الاقتصادي وكارثية الوضع تبعاً لمجزرة بيروت، لم يرَ الحريري حاجة لتجاوز أي من الخلافات السياسية مع دياب، كأن هذه الكوارث لا تشكل استحقاقات هامة تستدعي العمل المشترك. استشعاره لهذا الاستحقاق جاء فقط على خلفية استشعاره خطرا في المسّ بحصانة رؤساء الحكومات مما قد ينسحب عليه ومعهم جميع الوزراء فتدخّل لدرء هذا الخطر وتاليا لإبقاء الحصانة قائمة وبكلمة لتثبيت استقواء المسؤولين على المجتمع من دون أي محاسبة. وهي من هذه الزاوية بدت بمثابة نذالة واستقواء فئويين أكثر مما هي شهامة وتضامن مع المستضعفين.

فضلا عن ذلك، فإن خطاب الاستضعاف والشهامة، تماما كما خطاب الاستهداف السياسي إنّما يؤدي إلى تظهير المساواة والعدالة وكأنها مسائل محصورة بنادي المسؤولين السياسيين، فيما تبقى الانتقائية والاستضعاف ومعها الظلم واللاعدالة أوضاعا طبيعية لا تستدعي أي اعتراض بالنسبة لسائر المواطنين، ومنهم العامل السوري في تلحيم فجوات العنبر.

  • القاضي منحاز وغير موثوق:

أخيرا، تأتي الأداة الأكثر استخداما من قبل القوى السياسية كلما استشعرت نشوء إرادات بمحاسبتها، وهي السعي إلى تقويض مرجعية القضاء ومشروعيته. وهذا ما شاركت فيه نفس القوى لإجهاض اقتراح قانون هدف لتمكين النيابات العامة من رفع السرية المصرفية، بحجّة أنّه لا ثقة بالقضاء وأنه تابع ومُسيّس وغير مستقلّ. ومن دون التقليل من أهمية هذا الاعتراض، فإن صدوره عن جهات سياسية طالما عملت على استتباع القضاء والتدخل في تنظيمه وأعماله وتاليا على جعله على ما هو عليه يكشف هنا أيضا باطنية فائقة. فكأنما اعتراض القوى السياسية على مرجعية القضاء إنما يشكل إقرارا منها بأن القضاء كما صنعتْه هي لم يبنَ بهدف محاكمة الخارجين عن القانون بما فيهم هذه القوى نفسها بل فقط بهدف خدمتها، وبعبارة أخرى لم يبنَ كسلطة مستقلة تنطبق قراراتها على الجميع بل كأداة لها. وهو اعتراض مردود عملا بمبدأ قانوني راسخ قوامه أنه ليس لأحد التذرع بفساده

 Nemo auditur propriam turpitudinem allegans. 

وقد ورد تحقير القضاء بالفعل في عدد من التصريحات المنسوبة للمدعى عليهم. فقد أنهى زعيتر مؤتمره الصحافي بقوله: “بئس القضاء إن كان فيه قاضٍ كفادي صوان ولن نسكت عن أي افتراء” وذلك بعدما اتهمه بالانحياز ولمّح لانخراطه في خدمة أجندات سياسية أو غير سياسية. أما الخليل فقد عبّر عن حزنه “على ما وصلنا إليه في هذا القضاء والتردي في الموقف” معتبرا أن أركان العدالة اهتزّت تبعا للادعاء عليه. ونستشفّ الموقف نفسه في موقف دياب ورؤساء الحكومات السابقين وأيضا في بيان حزب الله وحزب المردة. واللافت أنه كان ثمة توجه عامّ في تنصيب هذه القوى نفسها قضاة على القاضي نفسه، وكأنها بذلك تعلن بطلان عمله وأحقية الوزراء بالتمرد عليها.

وعليه، ورغم تنوعها، سعت هذه الأساليب كلها إلى إعادة ترميم قلعة الحصانة ومنع أي تغوّل فيها. وفيما يبدو هذا التوجه غالبا لدى القوى السياسية الوازنة، فإنه بالمقابل يكشف للرأي العام حقيقة ممانعة هذه القوى لأي محاسبة، وهو أمر من شأنه أن يجعل من المعركة حول حصانات الوزراء معركة محورية في معرض النظر في هذه القضية، وهي معركة يرجّح أن تندرج عاجلا أو آجلا في سياق المعركة الواسعة بين المنظومة الحاكمة (حكم الزعماء) والمواطنين في اتجاه تحصين الديمقراطية ومعها مبدأي المساواة والمساءلة. فلنتابع.

 

 

[1] تمنع المادة 40 اتخاذ اجراءات جزائية ضد النواب في أثناء انعقاد العقد النيابي. وهذه المادة تفرض تعليق الادعاء على النائبين زعيتر والخليل إلى حين انتهاء العقد النيابي بغياب إذن خاص من المجلس النيابي.
[2] هذا الادعاء ليس في محله طالما أنه يتعين وفق قانون تنظيم مهنة المحاماة على الوزراء تعليق عضويتهم كمحامين خلال فترة توليهم الوزارة. وهذا يعني أن أي فعل يرتكبونه خلال توليهم الوزارة لا يتصل من قريب أو بعيد بمزاولة المهنة ولا يستفيد تاليا من أي حصانة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أحزاب سياسية ، أطراف معنية ، استقلال القضاء ، المرصد القضائي ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سياسات عامة ، عدالة انتقالية ، قرارات قضائية ، قضاء ، لبنان ، مؤسسات عامة ، مجزرة المرفأ ، محاكم جزائية ، محاكمة عادلة



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *