ملاحظات على قانون بناء الكنائس: صياغات أدبية ومصادرة فعلية


2016-09-02    |   

ملاحظات على قانون بناء الكنائس: صياغات أدبية ومصادرة فعلية

أقرّ بتاريخ 30/8/2016 مجلس النواب المصري قانون بناء وترميم الكنائس. وبذلك، التزم المجلس بالآجال التي حددها له الدستور الجديد للقيام بذلك (أول دور لانعقاده). بالمقابل، وإذ اشترط الدستور أن يكفل القانون حرية ممارسة المسيحيين لشعائرهم الدينية[1]، فإن القانون وضع على خلاف ذلك العديد من العراقيل في طريق الحصول على التصاريح اللازمة لبناء وترميم الكنائس. وما يزيد من هذه العراقيل هو أن القانون علّق تطبيقه على قرار يصدره وزير الإسكان، بتحديد المناطق التي يشملها.

وقبل المضي في شرح أهم أحكام هذا القانون، تجدر الإشارة إلى أن القانون خصص أكثر من ثلثه لتعريف  المصطلحات المستخدمة فيه، علماً أن غالبها لا يثير أي لبس كمصطلحات المنبر، والصحن، والمنارة. وهذا التفصيل في شرح المفهوم والمألوف، سواء كان مقصوداً أو غير مقصود، إنما يعبّر ببلاغة عن روح القانون الذي يصطنع تساؤلاً واستغراباً حيث لا يجوز لا التساؤل ولا الاستغراب فيستدعي مشاعر الحيطة والحذر في كل ما يتصل بموضوعه أي الكنائس. هذا فضلا عن أن من بعض التعريفات يستوجب نقداً أكبر، بحيث يكون من شأنه أن يحدّ مباشرة من حرية ممارسة الشعائر الدينية كما نوضح أدناه بخصوص تعريف "الكنيسة". 
 
قياس الكنيسة بعدد المسيحيين وحاجتهم

نصت المادة الثانية من القانون على أنه يقتضي أن تتناسب "مساحة الكنيسة المطلوب الترخيص ببنائها وملحق الكنيسة … مع عدد وحاجة مواطني الطائفة المسيحية في المنطقة، التي تقام بها، مع مراعاة معدلات النمو السكاني."

وعليه، نستخلص أن القانون وضع معيارين إثنين للترخيص ببناء كنيسة أو ترميمها:

فمن جهة أولى، يقتضي أن تتناسب مساحة الكنيسة المطلوب الترخيص لها وملحقاتها مع عدد مواطني الطائفة المسيحية. ويشير هذا المعيار إلى تعامل الدولة مع المسيحيين طبقا لعددهم الفعلي في نطاق جغرافي محدد. وبمعزل عن مشروعية هذا المعيار الآيل إلى تصنيف المواطنين ضمن طوائف وربط حقهم بممارسة شعائرهم بعددهم، خلا القانون من أي آلية لإعماله. فمن سيقوم بإجراء هذا المسح العددي للطائفة المسيحية التي تريد الترخيص لبناء كنيسة في نطاق جغرافي محدد؟ هل الدولة هي المنوطة بذلك، أم أن على الطائفة طالبة الترخيص إثبات عددهم؟ وفي هذه الحالة الأخيرة، ما هي طرق الإثبات المقبولة؟

أما المعيار الثاني، فهو يذهب أبعد من ذلك. فهو يقتضي ليس فقط أن تتناسب مساحة الكنيسة المطلوب الترخيص لها وملحقاتها مع عدد المنتمين إلى الطائفة، إنما أيضاً مع حاجتهم. ونفترض هنا أن هذا المعيار يختلف عن معيار العدد، طالما أنه ورد معطوفا عليه. وهنا، يتعين على الطائفة ليس فقط إحصاء المنتمين إليها، إنما أيضا تقديم اثباتات على مدى حاجتهم لمساحة معينة.

ومن شأن هذا النص إذا أن يبرر رد طلبات ترخيص لبناء كنائس لوجود كنائس أخرى في نفس المحيط، أو لتجاوز مساحتها على عدد وحاجة السكان المسيحيين.

إجازة الحقوق ضياع لها

الأمر الآخر الذي يسترعي الانتباه هو استخدام المشرع لكلمة "يجوز" بما يتصل بممارسة حقوق ليس له سلطة منعها أصلاً. فكأنه بذلك يسعى تحت غطاء "إجازة الحقوق"، إلى استحواز سلطة تقديرية وتوسيع هامش تدخله في مسائل ملزمة له أو يجدر بها أن تكون كذلك، عملا بحرية ممارسة الشعائر الدينية. وهذا ما نتبينه في عدد من أحكامه حيث جاء مثلا أنه "يجوز أن يشتمل مبنى الكنيسة على: أ) هيكل أو منبر، ب) صحن الكنيسة، ج) قاعة المعمودية، د) المنارة" أو أنه "يجوز أن تضم الكنيسة أكثر من هيكل أو منبر وأكثر من صحن وقاعة معمودية ومنارة". فاستخدام عبارة "يجوز" يعني أن بإمكان السلطات العامة أن تتدخل ليس فقط في تحديد مساحة الكنيسة، إنما أيضا في تحديد محتوياتها، بما فيها المحتويات المستخدمة في ممارسة الشعائر الدينية، في نوعها وعددها. وما يزيد الأمر قابلية للإنتقاد هو أن بعض هذه المحتويات تشكل بطبيعتها ضرورة لممارسة هذه الشعائر.

فضلا عن استحوازه على إمكانية تقرير محتويات الكنائس ومساحتها، فإن المشرع أدخل منعاً غير مبرر من شأنه ثني بعض الطوائف عن طلب ترخيص ببناء الكنائس. وهذا ما نقرؤه في المادة 7 من القانون، حيث جاء أنه "لا يجوز تغيير الغرض من الكنيسة المرخصة أو ملحق الكنيسة المرخص إلى أي غرض آخر، ولو توقفت إقامة الصلاة والشعائر الدينية بها، ويقع باطلا كل تصرف يتم على خلاف ذلك". ومؤدّى هذه المادة هو إشعار الطائفة المعنية أن بناء الكنيسة على عقار معين يحدّ من إمكانيات استخدامه وأنه تاليا يستحسن الإقدام عليه في حال ضعف الحاجة إليه أو توفر وجهة استخدام أكثر فائدة بالنسبة إليها.

صياغات أدبية خطيرة بلباس معايير قانونية

اعتمد القانون على منهج الصياغات التفصيلية، والتي تحول دون وضع معايير قانونية واضحة. وسنسعى هنا من خلال بعض الأمثلة توضيح الأضرار التي تسبّبه هذه الصياغات غير المهنية وما قد يستتبعها من مصادرة لحقوق المسيحيين في بناء كنائسهم. ومن هذه الأمثلة ذات الدلالة، تعريف الكنيسة التي يشترط أن تكون وفق القانون ب 1) مبنى مستقلا، 2) تمارس فيها الصلاة بشكل منتظم، 3) وأن تكون بالشكل التقليدي. ومن شأن هذه المعايير أن تحد من حق ممارسة الشعائر الدينية للمسيحيين من دون أي مبرر.

الكنيسة مبنى مستقل

عرف القانون الكنيسة بأنها مبنى مستقل قد تعلوه قبّة أو أكثر. وبذلك، حرم العديد من المواطنين المسيحيين في القرى والنجوع بمحافظات مصر المختلفة، حيث تقل عدد الأسر المسيحية، من إمكانية بناء كنيسة مستقلة بسبب قلة العدد أو ضيق الموارد. وتجدر الإشارة هنا إلى أن هذا التعريف يتهدد الأعراف السائدة في هذه المناطق، حيث كانت هذه الأسر تخصص وحدة من وحدات منازلها للصلاة. وما يزيد هذا الأمر قابلية للإنتقاد هو تشابه أماكن الصلاة المنشأة على هذا الوجه بالزوايا التي تخصصها أسر مسلمة للصلاة والتي غالبا ما يقيمونها في أسفل أحد البيوت العائدة لهم. وعليه، يشكل اشتراط أن تكون الكنائس مباني مستقلة تضييقاً على المواطنين المسيحيين في تحديد أماكن الصلاة الخاصة بهم.

الصلاة بشكل منتظم

اعتبر القانون الصلاة وممارسة الشعائر الدينية بشكل منتظم أحد معايير تعريف الكنيسة. والإشكالية هنا تتأتى ليس من تعريف ما هو بدهي وحسب، إنما من إمكانية استخدام هذا التعريف لسحب الترخيص في حال الإخلال به، أي في حال فقدت ممارسة الشعائر الدينية انتظامها. ومن شأن ذلك أن يضع مدى التزام المصلين بمواعيد الصلاة تحت الرقابة، وأن يفتح مجالا لتقييم مدى حاجة الطائفة للكنيسة دورياً.

الشكل التقليدي

ثم أضاف القانون معياراً آخر لتعريف الكنيسة وهي أن يكون لها الشكل التقليدي، دون تحديد ماهية هذا الشكل. وعدا أن هذا المعيار جدّ مبهم، فإن من شأنه أن يشكل سبباً لرفض الترخيص ببناء كنيسة. وهذا ما قد يحصل في حال ادعت الإدارة أن الرسومات الهندسية المقدمة لم تلتزم بالشكل التقليدي لبناء الكنائس. وبذلك، يُحرم المصريون من إمكانية الإبداع في تصميم كنائس ذات نسق معماري متجدد أو متميز.

تعريف آخر بودّنا أن نتعرض له في ختام هذا المقال اثبات لسوء صياغة القانون، هو تعريف المنارة. فبعدما ذكر القانون أشكالا أربعة للمنارة وهي "مربع أو مستطيل أو مثمن الأضلاع أو على شكل إسطوانى"، أضاف أن بإمكانها أن تكون على غيرها من الأشكال. وهو بذلك أفقد تعريفها من أي مغزى.



[1] نص المادة 235 من الدستور المصري الصادر في يناير 2014 
انشر المقال

متوفر من خلال:

المرصد البرلماني ، لا مساواة وتمييز وتهميش ، مصر



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية