قرار قضائيّ يجرّد سلامة من حصاناته الوهميّة ولكن…


2021-03-08    |   

قرار قضائيّ يجرّد سلامة من حصاناته الوهميّة ولكن…

صدر قرار قضائي بتاريخ 5 آذار 2021 بردّ ذرائع حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بتمتّعه بحصانات عدة تمنع ملاحقته. وقد صدر هذا القرار عن قاضي التحقيق في جبل لبنان زياد مكنّا في الشكوى التي تقدّم بها محامو “متّحدون” ونسبوا فيها لسلامة ارتكابه جرائم عدّة منها النيل من مكانة الدولة المالية والاختلاس واستثمار الوظيفة وإساءة استعمال السلطة ومخالفة المادة 91 من قانون النقد والتسليف فضلا عن التعميم الأساسي للمصارف.

وتماما كما حصل في الدعاوى القضائية الأخرى المقدّمة ضدّه، عمَدَ سلامة إلى قْذف عدد كبير من الذرائع هدفتْ كلّها إلى تحصينه إزاء أي ملاحقة. وعليه، احتاج القاضي مكنّا إلى 8 صفحات لتعليل قراره، وقد ضمّنه عبارة مفادها أنه “لا يمكن خلق حصانات بالاستنتاج” وهي عبارة تعكس ببلاغة كليّة عبثيّة دفاع سلامة وروحية القرار الذي انتهى لردّه وتصلح لتكون عنوانا له. 

وفيما يؤكّد هذا القرار على توجّه قضائي لتجاوز “حصانات” سلامة شهدناه من قبل عند الحجز على أمواله لدى دائرة تنفيذ بيروت (فيصل مكي) أو الادّعاء عليه من النائبة العامة الاستئنافية في جبل لبنان (غادة عون) بما يتصل بالدولار المدعوم، يبقى هذا الأخير بعد قرابة سنة ونصف من الانهيار مُسلّحا بحصانات أخرى قوامها الغطاء الذي تمنحُه إياه العديد من القوى السياسية التي وقفَتْ سدّاً منيعاً أمام عزله عن منصبه أو أيضا غطاء العديد من الوسائل الإعلامية التي لا تجد حرجا في تصويره ضحيّة للكيدية والاستهداف خدمة لأجندات سياسية (وهو بالمناسبة نفس خطاب سائر الأقوياء في الحكم وفي مقدمتهم حزب الله ردا على أي اتّهام يوجه إليهم). وما يعزّز من فرص سلامة في الإفلات من العقاب هو أيضا تعقيدات الاجراءات القضائية وطولها وبخاصة تباين المواقف بين القضاة بشأن التعامل معه أو المصارف وميل القضاة الأعلى درجة إلى الانكفاء عن أي مواجهة في هذا الخصوص. وهذا ما يستدلّ بوضوح كلّي من تعطيل مجمل القرارات المتخذة من المراجع الابتدائية والاستئنافية ضمانا لحقوق المودعين من قبل محكمة التمييز (غرفة القاضي ميشال طرزي) أو موقف النائب العام التمييزي غسان عويدات والذي يرأس النيابات العامة كافة والمُنحاز للمصارف. وهذا ما يخشى أن نشهده أيضا في حال الطعن بقرار مكنّا أمام الهيئة الاتهامية في جبل لبنان أو بقرار هذه الهيئة في حال تأييده لاحقا أمام محكمة التمييز. 

انطلاقا من ذلك، سنعمد إلى إبراز أهمية قرار القاضي مكنّا لنضيئ مجددا على العوائق التي ما زالت تحول دون محاسبة سلامة، والتي تبقى في عمقها كما سبق بيانه مرتبطة بالمنظومة السياسية التي عمل في ظلها ولصالحها. 

3 حصانات وهمية في رجل واحد

بمراجعة القرار الصادر عن القاضي مكنّا، يظهر أنه عمد إلى تعرية سلامة من ثلاث حصانات. وقد تباينَتْ الحصانات المُدلى بها في شكلها وطبيعتها، من حصانة مطلقة إلى حصانة لا يمكن تجاوزها إلا بإذن مسبق من مجلس الوزراء، وصولا إلى حصانة ثالثة هي الأكثر عبثية وقوامها عدم جواز ملاحقة الحاكم إلا بطلب شخصي منه. وقد ردّ القاضي مكنّا هذه الحصانات الثلاث وفق ما نبينه تباعا أدناه.

فبشأن الحصانة الأولى المُدلى بها، وهي حصانة مطلقة تذرع سلامة بأنه يستفيد منها بحكم كونه رئيسا لهيئة التحقيق الخاصة وفق قانون مكافحة تبييض الأموال والإرهاب. وقد برّر سلامة ذلك بأنّه “يوجد تشابك في صلاحيات الحاكم كحاكم وكرئيس لهذه الهيئة” وأن حصانته كرئيس للهيئة تلازمه كحاكم “في أي موقع كان فيه ليتمكّن من ممارسة كافّة المهام المُلقاة عليه بحرية تامّة وبعيدا عن أسباب الضغط والتأثير أو الملاحقات التعسفية بحقه”. وقد تم ردّ الإدلاء بهذه الحصانة بعدما ذكّر القاضي مكنّا أن الأفعال المدعى بها تخرج تماما عن مهام هيئة التحقيق الخاصة التي تستفيد وحدها من هذه الحصانة ذات الطابع الوظيفي.

أما الحصانة الثانية المُدلى بها فتمثّلت بالمادة 61 من نظام الموظفين رغم أنّ سلامة لا يدخل ضمن عداد الموظفين المشمولين في هذا النظام. وهذا ما أكد عليه قرار القاضي مكنا باستناده إلى المادة 13 من قانون النقد والتسليف والتي أشارت صراحة أن المصرف المركزي لا يخضع لقواعد الإدارة وتسيير الأعمال وللرقابات التي تخضع لها مؤسسات القطاع العام. كما استند مكنّا للمادة 26 من نفس القانون والتي تشير إلى أن الحاكم يتولى أوسع الصلاحيات في إدارة المصرف المركزي الذي يمثله ويرأسه. وفيما كان يكفي الإشارة إلى عدم خضوع سلامة لنظام الموظفين لرد ذريعته في هذا المضمار، فإن مكنّا تعمّد تعزيز قراره بحيثيتين تعكسان التوجه القضائي نحو حصر الحصانات: الأولى أن الحصانة، كقيد على الملاحقة الجزائية، هي استثناء على المساواة أمام العدالة التي هي أحد مظاهر مبدأ المساواة أمام القانون المنصوص عليه في المادة 7 من الدستور. والثاني، أن الطابع الاستثنائي للحصانة يوجب أن يرد نص صريح بشأنها كما يجب أن يحدد القانون المرجع الذي يجب الاستحصال منه على الإذن بالملاحقة، حيث “لا يمكن (بغياب نصوص كهذه) خلق حصانات بالاستنتاج وإيلاء مراجع معينة صلاحية منح الإذن غير المشترط أساسا لصحة الملاحقة”. وقد التقى مكنّا في هذا المضمار مع ما كان القاضي مكّي أورده في قراره الصادر في 30 تشرين الثاني 2020 لجهة “أن الحصانات والضمانات، ومن ضمنها الإذن بالملاحقة، تشكل شذوذا على قاعدة المساواة أمام القانون، وبالتالي فهي من قبيل الاستثناء التي لا يجوز التوسّع في تفسيرها ولا يمكن تطبيقها على حالات لا تعنيها ولا القياس عليها لتشمل حالات غير ملحوظة فيها”.

الحصانة الثالثة التي أثارها الحاكم (وهي أغرب الحصانات المدلى بها) فتتأتى عن المادة 20 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والتي تنص “أنه لا تجري الملاحقة في الجرائم المصرفية الناجمة عن مخالفة قانون النقد والتسليف إلا بناء على طلب خطّي من حاكم مصرف لبنان”. والغريب في هذه الحجة أنها تؤدي عمليا إلى تعليق ملاحقة الحاكم على قرار شخصي منه طالما أنه على فرض صحّة الإدلاء بها، فلا يكون من الممكن الملاحقة إلا بناء على طلب خطي من هذا الأخير. وعليه بعدما ذكّر مكنّا بوجوب تفسير أي استثناء على المبدأ العام الذي يتمثل في حقّ النيابة العامة في الملاحقة أو حق المتضرر بتحريك الدعوى العامة بصورة ضيقة، ردّ هذه الحجة على أساس أن الجرائم المدعّى بها لا تدخل ضمن تعريف الجرائم المصرفية. ولم يفتْ القاضي مكنّا أن يختم تعليله بحيثية تشير إلى عبثية ذريعة حاكم مصرف لبنان بقوله حرفيا أنه “لا يتصور منطقاً تعليق الملاحقة الجزائية على “طلب حاكم مصرف لبنان” الذي هو الشخص الملاحق”. 

 

وتبقى الحصانات الفعلية هي الراجحة

ومن دون التّقليل من أهميّة القرار الصادر عن القاضي مكنّا وسواه من الهيئات القضائية التي ذهبت في الاتجاه نفسه، يبقى أنّ بطء العمل القضائيّ وتعقيد الاجراءات القضائية كلها عوامل تجعل من العسير تحقيق نتائج سريعة في هذا المضمار أو الحؤول دون ممارسة سلامة مزيداً من التسويف والمماطلة، وهو تسويف بالغ الكلفة في ظلّ اشتداد الضغوط الماليّة والاقتصاديّة على المجتمع برمته. ومن هنا، نعود للتذكير بأن هذه القرارات الإيجابية لا يجب أن تحجب عنا حجم القوى المتضافرة لتحصين سلامة ضمانا لتحصين العديد من القوى التي غالبا ما غطّته أو استفادت من سياساته. ومن أبرز المحاور ذات الدلالة التي يقتضي التوقّف عندها الآتية:  

الأول، وقوف النيابة العامة التمييزية ومجمل القوى السياسية موقف المتفرّج حيال الاستنابة السويسرية وما تضمنته من شبهات. فرغم خطورة ما تسرّب من معلومات بشأن هذه الاستنابة (وقوامه حصول حوالات قدرت بأربعمائة مليون د.أ من أشخاص مقربين من سلامة)، دعا النائب العام التمييزي غسان عويدات هذا الأخير لتخييره تلبية لها بين الإجابة على أسئلة النيابة العامة السويسرية في لبنان أو المثول أمامها في سويسرا (وهذا ما فضله سلامة) من دون أن يتساءل ولو للحظة حول ما تفرضه عليه المعلومات الواردة فيها لجهة فتح ملف تحقيق خاص في لبنان. وقد تصرّف عويدات في هذا الخصوص كما يتصرّف عموما رتيب تحقيق تنحصر صلاحيته في تنفيذ ما يطلب منه متناسيا أن القانون يفرض عليه التحرك في شبهة أي جرم يتهدد حقوق المجتمع وبخاصة جرائم الفساد التي قد يرتكبها موظفون كبار في الدولة. واللافت أن تقاعس عويدات عن اتخاذ أي خطوة في هذا الخصوص لم يستتبعْ أي اعتراض أو انتقاد من وزارة العدل أو أي من القوى السياسية الوازنة، وإن أظهر البعض ارتياحه حيال الخطوة السويسرية وكأنه يأمل منها ما لا يأمله من الجهاز القضائي اللبناني. وبالواقع، يشكّل تصرّف النيابة العامة التمييزية في هذا المضمار فضيحةً بكلّ ما للكلمة من معنى: فكيف يمكن لبلد حُوّلت إليه رساميل كبيرة وطائلة (سويسرا) أن يفتح تحقيقا في مدى قانونية هذه التحويلات فيما يبقى البلد الذي حوّلت هذه المبالغ منه بصورة مشبوهة (والذي يُرجّح أن يكون المال مالا مسلوبا منه) غير عابئ بفتح أي تحقيق موازٍ بها، وبخاصة أنه يستشعر منها فساد أحد كبار موظفيها وأهمهم حاليا في إدارة الانهيار فضلا عن حاجة ماسة لاسترداد الأموال المنهوبة؟ 

أما المحور الثاني والذي يكشف أيضا الحصانة الفعلية الكبيرة التي ما برح سلامة يتمتع بها فيتصل بالعراقيل التي يضعها هذا الأخير أمام التدقيق الجنائي في حسابات مصرف لبنان والتي تقف أمامها السلطات العامة موقف المغلوبة على أمرها وبأحسن الحالات موقف الساعية لرفع العتب عنها من دون اتخاذ أي خطوة حاسمة لإنجازه. ومن البيّن أن هذه الحصانة تحصل أساسا تحت تسمية “السرية المصرفية”. وقد تجلى تماهي السلطة السياسية مع هذه الحصانة في ثلاث محطات: 

الأولى تمثلت في رفض الهيئة العامة للبرلمان إعطاء النيابات العامة صلاحية إسقاط السرية المصرفية في الملفات التي تحقق بها في مختلف الجرائم لتبقيها حصرية لهيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان (التي يرأسها سلامة) والهيئة الوطنية لمكافحة الفساد (والتي لم تنشأ بعد). وقد برر البرلمان قراره هذا بعدم ثقته بالقضاء والذي يخشى منه في ظل القوانين الناظمة له والتي لا تضمن استقلاليته أن يعمد إلى الكيدية والاستهداف السياسي. ونفهم تاليا أن البرلمان أعلن ضمنا من خلال ذلك أن ثقته بهيئة التحقيق الخاصة التي يرأسها الحاكم أكبر من ثقته بالقضاء برمته، بما يجسد الهالات التي ما يزال البرلمان يحيط سلامة بها ويعكس طبيعة الشراكة القائمة بينهما. 

أما المحطة الثانية فتمثلت في القرار الذي اتخذه المجلس النيابي ردّا على عرقلة التدقيق الجنائي بتاريخ 28 تشرين الثاني 2020 وذلك في سياق نظره في الكتاب الموجه إليه من رئيس الجمهورية بهذا الشأن. وقد انتهى هذا القرار إلى ما يشبه إعلان نوايا بوجوب إجراء تدقيق جنائي على مجمل القطاع العام (وهو يشبه إعلان النوايا بوجوب الانتهاء من قوانين قطع الحساب منذ 1993) من دون جواز التذرع بالسرية المصرفية. وقد أدى هذا الأمر إلى تخفيف الضغط عن سلامة والضوء الموجه إليه من خلال تمييع مطلب التدقيق الجنائي ليشمل مجمل القطاع العام وليس فقط مصرف لبنان بما يضمن له التقاء ممانعته مع ممانعات كثيرة، من دون أن يترافق بالمقابل مع أي تشريع ملزم أو أي بوادر لمحاسبة الحاكم على خلفية عرقلة التدقيق الجنائي. 

المحطة الثالثة، تمثلت في إقرار قانون حول التدقيق الجنائي (21 كانون الأول 2020) أعلن تعليق السرية المصرفية لكل ما يتصل به، على أن يحصل ذلك فقط لمصلحة شركة التدقيق التي قد تتعاقد معها الحكومة لهذه الغاية ولسنة واحدة. ولا نحتاج لكثير من الجهد لنتبيّن العراقيل التي تبقى قائمة بفعل هذا القانون أمام إتمام التدقيق الجنائي. فرفع السرية المصرفية تستفيد منه حصرا شركة متعاقدة مع الحكومة مما يفرض انتظار نشوء حكومة جديدة وهو أمر لا توجد بوادر على حصوله. وهو يتمّ فقط لحاجات التدقيق بما يمنع من استخدام نتائجه أو الأسرار التي كشفها في تحقيق الغاية منه، أي المحاسبة القضائية. وهو استثناء لسنة واحدة فيما انقضى حتى الآن 3 أشهر من دون أي بادرة لوضع التدقيق الجنائي موضع التنفيذ. هذا فضلا عن أن المجلس أعرض رغم معرفته التامّة بممانعة الحاكم عن تضمين القانون أي نصوص زاجرة أو رادعة تمنع أي تسويف أو مماطلة أمام التدقيق الجنائي. ولعل خير دليل على عدم كفاية هذا القانون، وهو دليل يضع الدولة كلها في حالة ذلّ، هو أن شركة “الفاريز ومارسال” تربط موقفها للموافقة على إعادة إحياء العقد الموقع سابقا معها لإجراء التدقيق ليس بصدور التشريع ولا بوعود وزير المالية إنما فقط بتأكيد سلامة على التعاون معها. فكأنما هي تعرف أن ما تقرره أو تعلنه سلطات الدولة من حكومة ومجلس نيابي أمر يبقى لسلامة منفردا إمكانية تعطيله من خلال تفسيره كما يشاء، كما يشاء ومن دون أي حساب.

انشر المقال



متوفر من خلال:

استقلال القضاء ، المرصد القضائي ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، قرارات قضائية ، قضاء ، لبنان ، مصارف



لتعليقاتكم

Your email address will not be published. Required fields are marked *