شورى الدولة يثبّت جريمة نظام في تفجير الجبال: الحكومات المُتعاقبة وفّرتْ الغطاء الشرعي لاستثمار الكسارات والمقالع


2023-01-23    |   

شورى الدولة يثبّت جريمة نظام في تفجير الجبال: الحكومات المُتعاقبة وفّرتْ الغطاء الشرعي لاستثمار الكسارات والمقالع

سعتْ المفكرة القانونية في عدد من أعمالها السابقة إلى مناصرة أهالي المناطق المتضرّرة من نظام الكسارات والمقالع غير القانوني، والذي يقوم على منح مهل إداريّة متلاحقة في استثمار الكسارات والمقالع من دون إيلاء القوانين الناظمة لهذا لقطاع ومعها البيئة أيّ اعتبار. وهي خصّصت في هذا الإطار عددا كاملا عن الكورة ومعاناة أهلها من جراء تفجير قسم من جبالها وتأثيرات هذا التفجير على ناسها وبيئتها. إلى جانب ذلك، رفعت عددا من الدعاوى مثلت فيها جمعيات بيئية ومنها جمعيات من المنطقة (وصية الأرض) واتحاد بلديات الكورة. ننشر هنا تعليقا على قرارين قضائيين صدرا في سنة 2022 وأبطلا قرارات إدارية بمنح مهل إدارية بناء على هذه الدعاوى. ورغم وضوح هذه القرارات، استمرّت الحكومة في منح مهل إدارية وهي على معرفة تامة بعدم قانونيتها، لتحوّل جريمة المقالع إلى جريمة نظام ستشكل أحد أكبر الملفات في وجهه يوم تستحقّ المحاكمة (المحرر). 

أصدر مجلس شورى الدولة بتاريخ 19/1/2022 قرارين قضائيين بإبطال قرارات إدارية بالترخيص لشركات الإسمنت بمواصلة أعمالها في المقالع. القراران صدرا عن الغرفة الثانية: الأول في الدعوى التي رفعها اتّحاد بلديات الكورة بالتعاون مع “المفكرة القانونية” ضدّ قرار حكومة الحريري في 10/8/2019 بمنح مهلة ثلاثة أشهر لمواصلة استثمار المقالع كافّة، والثانية في الدعوى التي رفعتها جمعية وصية الأرض (جمعية بيئية) أيضا بالتعاون مع “المفكرة القانونية” ضدّ القرار الصادر عن وزير الداخلية السابق محمد فهمي بمنح مهلة لمواصلة استثمار مقالع شركات الإسمنت بتاريخ 19/3/2021. وقد صدر القراران عن الغرفة الثانية برئاسة ميريه عفيف عماطوري وعضوية يوسف الجميل، وذلك على بناء تقريرين[1] وضعتهما كلا من المستشارتين المقررتين باتريسيا فارس ّوريان رماني.

وقبل المضي في تفصيل المكاسب المتأتية عن هذين القرارين، لا بد بداية من التذكير بواقع هذه القضية وتفاعلاتها السابقة أمام مجلس شورى الدولة.

تذكير مقتضب لواقع الكسارات: “المهل الإدارية” لارتكاب جرائم بيئية

يعود التفلّت القانوني الحاصل في ملفّ الكسّارات إلى فترة ما بعد حرب 1975-1990 التي تبعتْها خطط إعادة الإعمار التي بلغت ذروتها في فترة 1994-2000. وعليه، انتشرتْ المقالع والكسارات على جميع الأراضي اللبنانية وسط غياب كامل لأيّ رؤية بيئية أو منظومة تشريعية تنظّم هذا القطاع. ورغم أنّ الانتشار العشوائيّ للكسّارات وعملها غير المُنظّم أدّى إلى تعاظم الكوارث البيئية والصحيّة الناتجة عنها، بقيتْ الحكومات آنذاك عاجزة عن وضع حدٍّ له. فإذا اتّخذت حكومة رفيق الحريري الأولى قراراً بإقفال الكسارات في حزيران 1994 ووضعتْ المرسوم رقم 5616 الأوّل لتنظيم القطاع في تاريخ 6\9\[2]1994، فإنّها خضعتْ بعد إبطال هذا المرسوم لحاجات السوق لتباشر ممارسة منح مهل لأصحاب الكسارات بمواصلة استثمارها، وعملياً بمواصلة تدمير الجبال من دون إيلاء البيئة أيّ اعتبار. وقد عرّفت هذه المهل بفعل تكرارها المتواصل بعدئذ بـ “المهل الإدارية”. وإذ صدر مرسوم تنظيم المقالع والكسارات رقم 8803/2002 بوضع شروط صارمة لاستثمار كسّارات أهمّها أن تكون واقعةً في مناطق جغرافيّة بعيدة عن السّاحل وعن الأماكن السّكنية وأن تخضع لتراخيص مُسبقة تحدّ من ضررها البيئيّ، إلّا أنّ هذا المرسوم بقيَ خارج حيّز التطبيق لتعارضه بشكل صارخ مع مصالح البنية الاحتكارية[3] للإسمنت التي تقوم على استثمار مقالع في مناطق قريبة من الساحل (وبشكل خاصّ في منطقة الكورة). وعليه، تجاهلتْ الحكومات المُتعاقبة مرسوم المقالع لتستمرّ في نهجها السابق في منح “المهل الإدارية” لتأمين استمرارية عمل المقالع والكسارات.

وفي سنة 2019، أعادتْ حكومة سعد الحريري، ممثّلة بوزيرة الداخلية السابقة ريّا الحسن، وضع ملف الكسارات في واجهة الإصلاحات المراد تطبيقها. فاتّخذت هذه الأخيرة قرارات ومواقف بيّنت عن نية أوّلية لتكريس تطبيق مرسوم تنظيم المقالع والكسارات. وقد اعترفتْ الوزيرة بالأضرار البيئية الجسيمة التي تسبّبت بها المقالع والكسارات، كما أدانتْ عدم شرعية القرارات المرتبطة التي أصدرها سلفُها نهاد المشنوق فيما يتعلّق بتنظيم القطاع، مُوضحة أنّ عدد هذه المقالع بلغ 150. وقد تبيّن أنّ وزير الداخلية المشنوق كان يفعل ذلك من خلال الإيعاز إلى قوى الأمن الداخلي بعدم اتخاذ أيّ إجراء بحقّ هذه الكسارات وهي الممارسة التي وصفتها المفكرة القانونية بأنها أحد أكبر ملفات الفساد. وهذا ما عاد وأكّده[4] وزير البيئة آنذاك فادي جريصاتي مؤكّداً تصميم الحكومة على وضع حدّ للخروج عن القانون في هذا المجال. وفعلاً، وبدءاً من 1 آذار 2019، أُغلقتْ المقالع والكسّارات بعدما عمّمت وزارة الداخلية على القطع الأمنية وجوب وقفها.

إلّا أنّه وخلافاً لكلّ هذه التأكيدات والتوقّعات، عاد مجلس الوزراء، على الأرجح تحت ضغط اللوبيات نفسها وبخاصّة شركات الترابة، ليَمنح بعد أقلّ من 20 يوماً مهلة إداريّة مدّتها 90 يوماً لأصحاب الكسّارات لمواصلة استثمارها. وبذلك، أعادتْ حكومة الحريري العمل بممارسة خطيرة ومخالفة لأبسط القوانين، علماً أنّها عادتْ وأعقبتْ قرارها ذاك بقرار ثانٍ بمنح مهلة إدارية ثانية لشهر واحد، وذلك في آب 2019 (وهو القرار الذي طعن فيه اتحاد بلديات الكورة وصدر أحد القرارين بشأنه). وإذ برّرت حكومة الحريري قراراتها تلك بحاجتها إلى وقت لإجراء دراسة ووضع مرسوم جديد وبضرورة منح السوق إمكانية الاستمرار بانتظار ذلك، فإنّها فشلتْ في إحراز توافق بين القوى المكوّنة لها على خريطة المناطق التي يجوز استثمار مقالع فيها وتالياً في إقرار المرسوم الجديد الموعود. بعد ذلك، عادت حكومة حسان دياب (2020-2021) وتحت الضغط نفسه، لتسلك الاتجاه نفسه أي منح مهل إدارية، وإن حصرتْ الإجازة بالمقالع المستثمرَة من شركات الترابة. وقد برّر وزير الداخلية السابق هذا التوجّه بذريعة الحاجة إلى إعادة الإعمار بعد تفجير مرفأ بيروت. وآخر القرارات الصادرة عن هذه الحكومة تمثل في قرار وزير الداخلية المؤرخ في 19/3/2021 والذي طعنت فيه جمعية وصية الأرض وأبطله شورى الدولة في أحد القرارين المذكورين أعلاه. ولم تنقضِ أسابيع من تشكيل حكومة نجيب ميقاتي حتى أصدرت الحكومة بتاريخ 15/02/2022 قرارا بمنح مهل إدارية جديدة قوامها السماح لشركات الترابة (شركة الترابة الوطنية، اسمنت السبع، هولسيم، سبلين، وشركة مصانع الكلس والجفصين) باستخراج المواد الأولية اللازمة لصناعة الترابة لمدة أقصاها 12 شهرا وذلك ريثما تعمل وزارتا البيئة والصناعة على إعداد مشروع “عصري” ينظم عمل الصناعات الاستخراجية.

وعليه، بدا واضحا أنه رغم الوعود باحترام البيئة أو حتى الانتقادات التي وجهها وزراء لوزراء آخرين على خلفية عدم الالتزام بمرسوم تنظيم المقالع والكسارات، فإن الحكومات كلها سقطتْ عند أول امتحان في هذا الشأن. وعليه، فإن حكومة الحريري التي باشرت أعمالها بإدانة المشنوق الذي رخص لمقالع بصورة غير قانونية، انتهت إلى فعل ما يفعله وإنما بصورة جماعية.

وقد بدا تاليا واضحا إما أن ثمة استحالة في احترام التنظيم النافذ حول المقالع أو تنظيمها بصورة ملائمة (وهو أمر غير مرجح) وإما أن ثمة مصلحة ثابتة للنظام السياسي في إبقاء قطاع الكسارات خارج أي تنظيم قانوني، وهذا هو الأمر الأكثر رجحانا والذي نعود إليه لاحقا.  

  

3 مكاسب لقرارات شورى الدولة

انطلاقا من ذلك، نستشف من القرارين المذكورين ثلاثة مكاسب كبرى:

أ‌.  المكسب الأول: للجمعيات البيئية صفة الطعن في القرارات المؤثرة فيها

هذا المكسب تحقق بصورة خاصة في الدعوى المقدمة من جمعية وصية الأرض. فمصلحة الجمعية في تقديم هذه الدعوى، ليس مصلحة خاصة، بل مصلحة تتأتى من دورها الذي اختارته ضمن أهدافها، وهي تتمثل في حماية البيئة. وقد كان من البيّن بالنسبة إليها أن نجاح دعواها يتطلّب قبل كلّ شيء الاعتراف بصفة الجمعيات البيئيّة في الطعن في قرارات مماثلة بهدف حماية الشرعية، وتاليا الفوز بما أسمتْه[5] “المفكرة” في محلّات عدّة معركة كسب الصّفة للطعن بالقرارات الإداريّة ضماناً لشرعيّتها. وقد نشأتْ هذه المعركة بعدما أصدر مجلس شورى الدولة عدداً من القرارات بردّ دعاوى قدّمتها جمعيات بيئية في قضايا الحفاظ على الأملاك البحرية والحدّ من التلوّث البحريّ على أساس أنّه ليس لهذه الجمعيات أيّ مصلحة مباشرة أو خاصّة لمُداعاة الدولة وأنّ قبول دعاويها إنّما يؤدي إلى تشريع الدعوى الشعبية أي تمكين كلّ فرد من الطعن في القرارات الإدارية من دون أن يكون له مصلحة مباشرة أو متميزة[6]. وبنتيجة هذه القرارات وتحت حجّة تجنّب الدعاوى الشعبية، وصل مجلس شورى الدولة عملياً إلى تحصين عدد كبير من القرارات الإدارية (التي تحوم شبهات جدّية على عدم شرعيتها وربّما فسادها) وإبقائها بمنأى عن أيّ رقابة قضائية وتالياً إلى تجريد القضاء الإداري من أحد أدواره الأساسية الذي هو حماية الشرعية والموارد العامّة وضمْناً البيئة. ولعل آخر القرارات في هذا المضمار هو القرار الصادر في رد الطعن المقدم ضد مرسوم إشغال قرابة 70 ألف مترا مربعا من الأملاك البحرية في منطقة الناعمة، رغم الرأي المخالف[7] والمسهب الصادر عن القاضية لمى ياغي بوجوب قبول صفة الجمعيات البيئية في هذه القضايا تمكينا لمجلس شورى الدولة من القيام بمسؤوليته في حماية الأملاك البحرية.

وفي بعض هذه الحالات، أدّتْ هذه القرارات إلى تجريد الدّولة من إمكانيّة استرداد أملاك بحريّة تُقدّر قيمتها بعشرات ملايين الدولارات. والملفت أنّ أغلب هذه القرارات صدرتْ في دعاوى بيئيّة وفي وجه جمعيات بيئيّة رغم أنّ قانون البيئة يضع صراحة على عاتق كلّ مواطن واجب السهر على حماية البيئة وبالتالي الدفاع عن هذا الحقّ أمام أيّ تعدٍّ وضمْناً تعدّيات أجهزة الدولة (المادة 3 من قانون 444/2002).

وتجدر الإشارة إلى بروز معركة الصفة في المداعاة في مناقشات مجلس النواب[8] أيضاً في 2020 وذلك بعدما اكتشف بعض النوّاب صعوبة الطعن بمرسوم منح الجنسية لمئات الأشخاص. وإذ أنجزتْ لجنة الإدارة والعدل بعد ذلك اقتراح قانون يمنح الصفة لكلّ 5 نوّاب في الطعن بفئات معيّنة من القرارات الإدارية التي تتّصل بمنح الجنسية أو ترشح عن مسّ بالأملاك أو الأموال العامّة أو البيئة، رفضتْ الهيئة العامّة السير به. وقد تميّزت في هذا المضمار مداخلة نائب رئيس مجلس النوّاب السابق إيلي الفرزلي الذي يعدّ أحد أهمّ الناطقين باسم النظام السياسيّ الحاكم تعليقاً على هذا الاقتراح في سياق إحدى الجلسات التشريعية في مجلس النوّاب في 2020. فقد نقل المرصد البرلماني للمفكرة حرفياً عنه أنّ النوّاب “يبالغون في الميل الشعبي لزيادة اختصاص القضاء مع منع أيّ تدخّل في القضاء”. وتابع: “القضاء الحالي بحاجة إلى تغيير شامل. فإما نغيّره كلّه وإمّا نبقى على ما نحن من دون زيادة صلاحياته. لكن عيب أن نسنّ القوانين وتفرّحنا لدقائق أمام جمهور ثمّ لا تطبّق”. ثم سارع إلى إعلان رفضه لأن تتعرّض السلطة لأيّ محاسبة في ظلّ القضاء الحالي: “هل يجوز أن نُفسح المجال للقضاة الحاليين ليقدّموا تقارير عن متلبّسين، ويكون أحدٌ منّا بينهم؟” تكمن أهميّة هذه المداخلة في توضيح البُعد السّياسيّ لمعركة الصّفة بالادّعاء والأهمّ وعي السلطة الحاكمة لهذه الأبعاد وتوجّسها من أيّ تغيير في هذا الخصوص.

ب‌.   المكسب الثاني: “المهل الإدارية” هي غطاء شرعيّ لجريمة

المكسب الثاني هو تثبيت عدم قانونية منح “المهل الإدارية” لاستثمار المقالع. وقد تولى القراران الردّ على حجّتين أثارتهما هيئة القضايا (الهيئة التي تتولى تمثيل الدولة أمام المحاكم) وهما تباعا “أن ثمة عرفا بتنظيم قطاع المقالع على هذا الوجه” وأن هنالك حالة استثنائية تبرر الخروج عن أحكام المرسوم. وعدا عن أن الحجتين متناقضتان أصلا، طالما أنّ حجّة “الاستثناء” تفترض وجود ظروف مؤقّتة تجعل اللجوء إلى تدابير استثنائية أمرا ضروريا وذلك بعكس حجة “العرف” التي تفترض ديمومة وقناعة بأنه ملزم، فقد أسهب القراران في دحضهما.

فمن جهة أولى، رأى مجلس شورى الدولة أنه “لا يمكن التذرّع بالأعراف الإدارية في ظلّ وجود أنظمة صريحة تمنع منح المهل الإدارية للمقالع والكسّارات”. وإذ تذرّعت هيئة القضايا باستفادة محطات المحروقات من المهل الإدارية، عاد المجلس ليذكر “أنّه هناك نصّ خاصّ يرعى نشاط هذه الأخيرة (المقالع)، يختلف عن النصّ الذي يرعى محطّات المحروقات، ممّا يحول دون إمكانيّة مقارنة الوضع القانوني لكلّ من هذين النوعين من المحلات المصنفة”.

وقد ذهب المجلس أبعد من ذلك بحيث شدّد على أنّ المرسوم 8803/2002 نصّ على عقوبات جزائية على مستثمري المقالع والكسارات في حال مزاولة العمل من دون ترخيص قانوني، ممّا يعني أنّ عمل الكسارات من دون ترخيص هي جريمة يعاقب عليها القانون. وهو بذلك ألمح بشكل واضح وأكيد إلى أنّ الحكومة بمنحها هذه المهل لا تُرسي فقط ممارسة غير قانونية إنّما تذهب أبعد من ذلك في اتجاه تشريع جريمة بيئية. وهذا ما قاله بوضوح حين اعتبر أنّ منح الحكومة “مهلاً إدارية للمقالع والكسارات العاملة خلافاً لأحكام المرسوم 8803/2002” إنّما يشكّل “طريقة غير مباشرة لتأمين غطاء شرعي، ومخالف للأنظمة مرعية الإجراء، يكون بديلاً للمبدأ العامّ الذي هو الترخيص القانوني، ويتيح لمؤسّسات لم تستحصلْ على ترخيص قانوني أو لا تستوفي الشّروط المفروضة قانوناً، متابعة استثمارها رغم ذلك”.

أمّا بالنسبة إلى الحجّة الثانية المتمثلة بنظرية الظروف الاستثنائية (وقوامها حاجة السوق المحلي لمواد البناء وخصوصا مادة الإسمنت وحرصا على محاربة احتكار مادة الترابة وغلاء الأسعار في ظل الظروف الافتصادية الراهنة)، فقد استغلّ المجلس إثارتها للتذكير بشروط التذرع بهذه الظروف درءا لاستخدامها مجددا. فبعدما ذكر بأن هذه النظرية تنطبق فقط في حال وجود الإدارة في وضع يستحيل معه عليها التقيّد بمبدأ الشرعية وفي الحالات التي تستدعي اتخاذ تدابير ضرورية لمواجهة ظرف استثنائي (حرب، كارثة طبيعية…) وبحدود ما تفرضه من دون توسّع في المكان أو الزمان، أثار المجلس ببلاغة كليّة عنصرا ثالثا بالغ الأهمية بما يعنينا وهو “أن يكون الهدف الذي تمّت من أجله التضحية باحترام قواعد الاختصاص ومبدأ الشرعية هدفا على درجة عالية من الأهميّة لتبرير هذه التضحية كحماية الأمن العام وإعادة الانتظام العام واستمرارية المرافق العامة الأساسية على الصعيد الوطني أو المحلي”. ويكتسي التذكير بهذا العنصر المُكوّن لنظرية الظروف الاستثنائية أهمية خاصة في قضية الكسارات، حيث أنه يذكر بأنه ليس بإمكان الحكومة التذرع بنظرية الظروف الاستثنائية لتحقيق هدف هو أقلّ أهمية من المصالح التي يتمّ التضحية بها.  

أخيرا، وإذ تذرّعت الإدارة بوجوب عدم قبول الدعوى لسقوط موضوعها بفعل انتهاء المهلة الإدارية الممنوحة، رأى مجلس شورى الدولة أن مصلحة المدعية تبقى قائمة في إبطال قرار إداري غير قانوني بما يفتح المجال للمطالبة بالتعويض عن الأضرار الناتجة عن الأعمال غير المشروعة الصادرة عن الإدارة.

ت‌.   المكسب الثالث: جريمة ممنهجة لنظام الحكم

المكسب الثالث لقرار مجلس شورى الدولة هو أنه لم يكتفِ بإبطال القرار الإداري على أساس مخالفته لأحكام قانونية، بل أنه ذهب أبعد من ذلك في اتجاه توصيفه على نحو يعكس مدى خطورته. وهذا ما نستشفّه من الحيثية المشار إليها أعلاه والتي أشار فيها حرفيا “أن الحكومات المتعاقبة اعتمدتْ السياسة عينها فيما يتعلق بقطاع المقالع والكسارات إذ منحت مرارا وتكرارا مهلا إدارية للمقالع والكسارات العاملة خلافا للمرسوم 8803/2002” معتبرا أن هذه الممارسة باتت تشكّل بنتيجة ذلك “طريقة غير مباشرة لتأمين غطاء شرعي مخالف للأنظمة المرعية الإجراء يكون بديلًا للمبدأ العام الذي هو الترخيص القانوني، ويتيح لمؤسّسات لم تستحصل على ترخيص قانونيّ أو لا تستوفي الشّروط المفروضة قانونا متابعة استثمارها رغم ذلك”. وهذه الحيثية بالغة الأهمية من زوايا عدة:

الأولى، أن المجلس بدا من خلالها وكأنه يعلن أنه لا يستهدف القرار المطعون فيه بعينه، بل يستهدف علاوة على ذلك ممارسة مزمنة اعتمدتها الحكومات المتعاقبة مرارا وتكرارا.

الثانية، أن المجلس استخلص من تكرار هذه القرارات أنها لا تأتي وليدة ظروف أو صدفة أو خطأ غير متعمّد، إنما نتيجة إرادة تهدف إلى تأمين غطاء غير شرعي لمؤسسات لا تستوفي الشروط المفروضة قانونا. وبذلك، يكون مجلس شورى الدولة قد ذهب إلى حدّ اتّهام الحكومة بالتواطؤ مع شركات الإسمنت لتوفير غطاء شرعيّ لها يمكنها من استثمار مقالع قريبة من معاملها لا تتوفّر في أيٍّ من مقالعِها الشّروط القانونيّة لتواجدها كلّها في مناطق يُحظر فيها إنشاء مقالع، وعمليا بالتضحية بالشرعية والمصلحة العامة من أجل مصالح شركات الإسمنت. وما يزيد من خطورة هذا الاتهام أن استثمار مقالع خلافا للأحكام القانونية لا يشكل مخالفة إدارية وحسب بل جرما جزائيا أيضا، مما يجعل الحكومات المتعاقبة في موقع السلطة التي تشجع مواطنين على ارتكاب جرائم جزائية.

أما الزاوية الثالثة وهي ربما الأخطر، أن المجلس ذهب حتى إلى حدّ التحدث عن نظام “بديل” للشرعية. بمعنى أن هذه المهل الإدارية تصبح الطريقة الوحيدة المتاحة لاستثمار المقالع في ما يتعطل تماما النظام الشرعي المنصوص عليه في المرسوم. وهذا أصلا ما كان أكده وزير البيئة السابق فادي جريصاتي في 2019 حيث صرح بأنّه باستثناء مقلع واحد لم يحدّد موقعه، فإنّ مجمل المقالع الأخرى كانت تعمل من دون ترخيص قانوني. وبذلك، نخرج تماما من النظام الذي تحدد فيه الحقوق والضوابط على أساس نصوص عامة تطبق على الجميع، لندخل في نظام بديل تتولى فيه الحكومات المتعاقبة (بما تمثله من قوى سياسية) اتخاذ ما تراه مناسبا من قرارات استنسابيا من دون التقيّد بأي ضابط ومن دون حاجة لأي تعليل. ومن شأن هذا النظام البديل أن يعطي القوى السياسية الحاكمة هامشا واسعا في التحكم في القطاع برمته، وعمليا في فرض بنية احتكارية تملك كامل مفاتيحها بما يسهل عليها الهيمنة عليها والاستفادة منها. وهذا ما كانت المفكرة باشرت عددها الخاص عن الاحتكارات[9] به، حيث اعتبرت أن الحرب وما تخلّلها ولحقها من سبل للسيطرة وتحقيق الغنائم أفرزت أشكالاً جديدة من الاحتكارات وأنّ جزءاً لا يستهان به من هذه الاحتكارات وجدت ضمانتها الأساسية في قوّة اللاقانون وشملت قطاعات واسعة تُرِك التحكّم بها للأقوى والأكثر نفوذاً بمعزل عن أيّ ضوابط أو كوابح.

يمكنكم هنا الاطلاع على القرار الصادر في دعوى اتّحاد بلديات الكورة ضدّ قرار حكومة الحريري

يمكنكم هنا الاطلاع على القرار الصادر في الدعوى التي رفعتها جمعية وصية الأرض ضد قرار الوزير السابق محمد فهمي


[1] اكتساب صفة الدفاع عن الجبال؟، نزار صاغية، المفكرة القانونية، 20/5/2022

[2] “التحاصص في الحصى”، جويل بطرس ورازي أيوب، مجلة المفكرة القانونية لبنان، 24/01/2019، عدد 58.

[3] “لا صوت يعلو على صوت تفجير الجبال: احتكار الإسمنت وفساده” نزار صاغية، المفكرة القانونية، 12/4/2021.

[4]  “تغطية صحفية، جريصاتي في لقاء مع المهندسين لشرح ومناقشة خطة المقالع والكسارات”، موقع نقابة المهندسين بيروت، تاريخ 16/04/2019.

[5] وتستمرّ معركة الصّفة والمصلحة أمام مجلس شورى الدولة اللبناني: مخاوف من تجريد الدولة من آخر المدافعين عنها، المفكرة القانونية، 27/6/2020.

[6]  أنظر، “ الصفة والمصلحة في القضاء الإداري اللبناني، فرانسوا بلان، المفكرة القانونية لبنان، 27/06/2020، عدد 65

[7] شورى الدولة يتخلّى عن دوره في حماية الأملاك البحرية: رأيٌ مخالف واعد في قضية الناعمة”، نزار صاغية وآية فرحات، المفكرة القانونية، 14/2/2022.

[8] جلسة تشريعية لاستعادة هيبة المجلس في مواجهة الثورة.. الفرزلي: “الإسراف في تبرئة الذات إسقاط لها، ويؤكل الثور الأبيض يوم يؤكل الأسود”، ماهر الخشن، المفكرة القانونية،27/4/2020.

[9] العدد 68 من مجلة المفكرة القانونية | لبنان | احتكارات المحاصصة الشاملة

انشر المقال



متوفر من خلال:

اقتصاد وصناعة وزراعة ، تقاضي استراتيجي ، المرصد القضائي ، قرارات إدارية ، الحق في الحياة ، الحق في الصحة ، مقالات ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية