لا صوت يعلو على صوت تفجير الجبال: احتكار الإسمنت وفساده


2021-04-12    |   

لا صوت يعلو على صوت تفجير الجبال: احتكار الإسمنت وفساده

منذ عقود، يخرج معنيّون في قطاع الكسّارات والمقالع ليؤكّدوا أنّه سيأتي يوم ويصبح هذا القطاع خاضعاً لحكم القانون، من دون أيّ استثناء. وغالباً ما تصبح الوعود بوضع نصوص ناظمة له أو تعديل النصوص الموجودة بهدف جعلها أكثر تناسباً وقابلية للتطبيق، الحجّة الأساسية لمهادنة الفوضى وتحليل نهش الجبال. فإذا تمّ إنجاز المُنتظر، سُرعان ما يتمّ تجاوزه لنكتشف بعد حين أنّه لم يكن هنالك أصلاً أي إرادة سياسية في إخضاع هذا القطاع لحكم القانون، إنّما فقط رغبة في كسب الوقت أو الظهور بمظهر الصديق للبيئة، والأهم حماية مصالح الاحتكارات القائمة والتي تتمثّل في شركات الإسمنت ومن يخوّلهم نفوذُهم تجاوز القوانين من دون حسيب. 

وهذا ما عايشْناه في الفترة الممتدّة من 1994 حتى 2002 حيث منحتْ الحكومة مهلاً إدارية متتالية لأصحاب المقالع مكّنتهم من مواصلة استثمارها بانتظار وضع التنظيم المناسب. فإذا صدر مرسوم تنظيم الكسّارات والمقالع وهو المرسوم رقم 8803/2002 بعد مساومات مديدة، وُضع جانباً لتبقى السيادة لشريعة القوّة. وهذا ما أقرّت به وزيرة الداخلية السابقة ريّا الحسن فور تسلّمها مهامها في شباط 2019 مُوضحةً أنّ سلفها نهاد المشنوق أجاز استثمار 150 مقلعاً في تجاوز واضح لصلاحيّاته. وقد أثْنى وزير البيئة آنذاك فادي جريصاتي على ذلك كاشفاً بدوره في محاضرة ألقاها في نقابة المهندسين في بيروت، بأنّه باستثناء مقلع واحد لم يحدّد موقعه، فإنّ مجمل المقالع الأخرى كانت تعمل من دون ترخيص قانوني. وإذ أوقف الوزيران المذكوران المقالع قرابة 21 يوماً، عادتْ حكومتهما لتمنح أصحابها في 21 آذار 2019 مهلة إدارية لمواصلة استثمارها لثلاثة أشهر ألحقتها بمهلة شهر واحد في تجاوز واضح للقانون، متذرّعة بحاجتها إلى الوقت لوضع تنظيم جديد يكون “متكاملاً”. إلّا أنّ هذه الحكومة عجزتْ عن إنجاز ما وعدتْ به. فبعدما وافقتْ مبدئياً في 17/9/2019 على مشروع مرسوم تعديلي لمرسوم 8803/2002، بقيت المساومات بين القوى المكوّنة لها قائمة بشأن الخريطة المرافقة له، واستمرّت إلى حين استقالتها تبعاً لثورة 17 تشرين. 

لم يكن لحكومة حسّان دياب طموح وضع تنظيم جديد. لكنّها لم تكنْ أقلّ تبجّحاً بنيّتها الالتزام بالقانون. إلّا أنّه هنا أيضاً، لم تجدْ هذه الحكومة عيباً في مخالفته من خلال منح مهل إدارية تحت ضغط شركات الترابة بانتظار ورود استشارة من الهيئة العليا للاستشارات في وزارة العدل. فإذا تلقّتها (وقد أصبحت حكومة تصريف أعمال) بعد طول انتظار، لم تجدْ حرجاً في تجاهلها والالتفاف عليها في اتجاه منح مهل إدارية جديدة لاستئناف العمل في المقالع.  

وإذ ارتبط هذا القطاع بعمل شركات الإسمنت (وهي تحديداً شركتا السبع وهولسيم في الشمال وشركة سبلين في الشوف)، وتحديداً بالاحتكار الممنوح لها بفعل قرار الحكومة بمنع استيراد الإسمنت، بدا عدم الالتزام بالنصوص التنظيميّة شبه حتميّ بفعل تمسّك تلك الشركات بإنشاء مقالعها على مقربة من معاملها المتواجدة كلّها على السّاحل وتالياً خارج المناطق التي يُسمح بإنشاء مقالع فيها والكائنة في معظمها ضمن السلسلة الشرقية. وتتمسّك الشركات بهذا المنحى تجنُّباً لأكلاف النقل بين السلسلة الشرقيّة ومعاملها التي تبقى باهظةً في بلد تنعدم فيه المواصلات العامّة (القطارات في هذه الحالة). ومن شأن هذا الأمر أن يطرح أسئلةً جديّة حول غاية الحكومة الحقيقية من وضع نصوص تعلم سلفاً أنّها غير قابلة للتطبيق أو على الأقلّ أنّها ستلقى ممانعة من بنية احتكارية تمتّعت حتى الآن بقدرة عالية على صون احتكارها وعلى بيع منتجاتها بأسعار هي أضعاف الكلفة وتجاوزتْ غالباً ضُعفيْ سعر التصدير إلى الخارج. فما هي الغاية الحقيقية من نصوص كهذه؟ ومن المستفيد من هذه البنية الاحتكارية؟ قد لا تقدّم هذه المقالة إجابات شافية في هذا المضمار، لكن حاولْتُ أنْ أبيّن فيها قوّة الشراكة القائمة بين هذه البنية والسلطة الحاكمة، وهي شراكة لا تتجلّى فقط في ضمان احتكار هذه الشركات للسوق بل أيضاً من خلال تمكينها من نهش الجبال والقوانين من دون حسيب.  

 

المرسوم 8803 الذي بقيَ حبراً على ورق

فيما زاد الطلب على الإسمنت والحجارة بعد انتهاء حرب 1975-1990، حصل هذا الأمر في ظلّ فوضى عارمة، سادها منطق الغنائم الذي بقي في تلك الفترة كما كان خلال الحرب. وقد وثّق عدد من البيئيين أبرزهم الراحل عبد الله زخيا انخراط العديد من القوى السياسية في استثمار مقالع في مناطق نفوذها، تحت نظر وزير الداخلية الراحل ميشال المرّ الذي استحقّ لقب “ملك الكسارات”. وفي حين زادت احتجاجات الأهالي في المناطق ابتداءً من 1994، دأبتْ الحكومات المتعاقبة على إصدار قرارات متناقضة، تارةً لوقف المقالع وطوراً لمنحها مهلاً إدارية تراوحتْ بين ستّة أشهر وسنة، كلّ ذلك بانتظار الاتفاق على تنظيم شامل للكسارات والمقالع. ويلحظ أنّ قرارات الإغلاق الصادرة آنذاك تمّ تنفيذها بصورة انتقائيّة على أساس نفوذ أصحابها وشبكات المصالح التي ينتمون إليها. حتى أنّ وقف المقالع كان يتمّ أحياناً بصورة مؤقّتة استرضاءً للناخبين كما حصل قبيل انتخابات 1996 النيابية لتعود وتواصل أعمالها بعد فترة قصيرة من الانتخابات. 

وإذ صدر المرسوم 8803/2002 بعد مساومات مديدة، بدا في تعارض تامّ مع واقع عمل شركات الإسمنت التي تقيم مقالع لها بالقرب من معاملها الواقعة على السّاحل كما سبق بيانه. وقد تعزّز هذا الانفصام بين الواقع وتصوّرات التنظيم القانوني مع صدور مرسوم ترتيب الأراضي في 2009 الذي عاد ليُحدِّد الأماكن التي يجوز إقامة مقالع فيها بعيداً عن الساحل وإن تبايَنت خرائط هذا المرسوم مع خرائط المرسوم 8803 بعض الشيء وفق ما وثّقه استوديو أشغال عامة. 

ويطرح هذا الانفصام أسئلة عدّة أشرنا إليها في المقدمة: ما هي الفوائد التي رمت الحكومة إلى تحقيقها من خلال وضع مرسوم صديق للبيئة؟ وأكثر تحديداً، كيف نفسّر أنّ الحكومة تبنّت مرسوماً تعلم كل العلم أنّه ليس بوسعها تنفيذه أو على الأقل أنّه سيلقى ممانعة قوية من لوبي شركات الترابة؟ وإذ يصعب إعطاء إجابات جازمة في هذا الخصوص، أمكن تقديم فرضيّتيْن لتفسير هذا الانفصام: الأولى، حاجة الحكومة إلى إبراز احترامها للبيئة في المحافل الدولية ولا سيّما أنّ هذا المرسوم صدر في الفترة الفاصلة بين مؤتمري باريس 1 وباريس 2 وبالتزامن مع قانون حماية البيئة. أما الثانية، فقوامها أنّ القوى السياسيّة تجد مصلحة في وضع شروط تعجيزية للحصول على تراخيص بإنشاء مقالع وكسّارات، بما يضمن حصْر استثمارها بالجهات الحائزة على رضاها والتي تبقى بالنتيجة تحت رحمتها وسيفها المُصلَتْ. وقد تمثّلت علاقة التبعية هذه في تولّي عدد من وزراء الداخلية حماية المقالع غير المرخّصة من خلال التعميم على قوى الأمن الداخلي بعدم التعرّض لها، وفق ما كشفتْه الوزيرة السابقة الحسن في سياق إدانة ممارسات سلفها في هذا الشأن. وهذا ما كنّا أسميناه إحدى أكبر قضايا الفساد، وهي قضية لم يتبع افتضاحها أيّ إجراء من أيّ نوع كان. 

 

نسف القاعدة العامّة بالاستثناءات 

بعد المواقف الإيجابية لوزيري الداخلية والبيئة في حكومة الحريري (2019) التي أسفرت عن وقف العمل في جميع المقالع في آخر شباط 2019، عادتْ تلك الحكومة لتُصدر تباعاً قرارين بمنح مهل إدارية تُمكّن أصحاب المقالع القائمة من الاستمرار في أعمالهم: الأوّل بتاريخ 21/3/2019  والثاني بتاريخ 10/8/2019. وقد برّرت الحكومة قرارَيها بمنح مهل إدارية بالوقت اللازم لتمكين وزير البيئة جريصاتي من تنفيذ سياسة الإدارة المتكاملة لهذا القطاع التي وافقت عليها الحكومة بناء على اقتراحه وهي تفترض تعديل بعض الضوابط الفنية المذكورة في المرسوم 8803 فضلاً عن تعديل الخريطة المرافقة له. ويُفهم من ذلك أنّ الحكومة عزتْ عدم تطبيق هذا المرسوم لتضمينه معايير غير قابلة للتطبيق، ممّا يفرض تعديله تمهيداً لوضع حدّ للفوضى والمقالع غير المرخّصة. 

إلّا أنّه عند التدقيق في مشروع المرسوم الذي أقرّته الحكومة لاحقاً في 17 أيلول 2019 تنفيذاً لهذه الاستراتيجية “المتكاملة”، نفهم أنّ ما قصده الوزير جريصاتي من إعمال لحكم القانون، هو في الواقع إخضاع القانون للأمر الواقع بعدما عجزت الحكومات السابقة عن فرض احترامه، عملاً بالمثل الشعبي القائل: “الإيد اللّي ما بتقدر عليها بوسها، وادعي عليها بالكسر”. وقد حصل هذا الأمر بشكل خاصّ من خلال إغراق مشروع المرسوم باستثناءات مؤدّاها نسف الطّابع العامّ لأحكامه، بما يخالف جوهر القاعدة القانونية. وبذلك، بدا أنّ التعديل الأساسي الذي تمّ تضمينه في هذا المشروع على مرسوم 2002 هو تحديداً تقويض القاعدة العامّة التي يقوم عليها والتي رمَتْ إلى تحديد شروط التوازن بين البيئة ونشاط الكسّارات بشكل عامّ وملزم كما سبق بيانه.

ومن أهم الاستثناءات المذكورة الآتية:  

  • ابتداع مفهوم التأهيل الاستثماريّ بالنسبة إلى مقالع شركات الترابة غير المرخّصة. وقد استخدم هذا المفهوم في سياق فتح الباب أمام تلك الشركات لمواصلة استثمار المقالع لفترات قد تصل إلى سنتين بمعزل عن مواقعها، أي حتى ولو كانت واقعة خارج الأماكن التي يُسمح بإنشاء مقالع فيها. ومن البيّن أنّها المرّة الأولى التي يتمّ فيها اعتماد هذا المفهوم الهجين الذي يشكّل في الواقع استعادة لممارسة قوامها استثمار المقالع تحت غطاء تأهيلها.  
  • تمكين سائر أصحاب المقالع غير المرخّصة من الحصول على تراخيص لمدّة قد تصل هي الأخرى لسنتين، هنا أيضاً حتى ولو كانت واقعة خارج المناطق المسموح بها إقامة مقالع. 

وإذ أقرّت حكومة الحريري مشروع التعديل المقترح، حملتها المساومات بين مكوّناتها إلى “تأجيل المصادقة على الخريطة المرافقة بمشروع المرسوم”، وقد عجزتْ فعليّاً عن إتمام ذلك في أيّ من جلساتها اللاحقة قبل استقالتها تبعاً لثورة 17 تشرين.  

وعليه، بدا واضحاً أنّ الحكومة قد أباحتْ لأصحاب المقالع مواصلة نهش الجبال متذرّعةً بحاجتها إلى مهلة لتنفيذ استراتيجية متكاملة، فاستفادوا هم من الإباحة من دون أن تستفيد هي من هذه المهل لإتمام حاجتها منها. ولم يتوقّفْ الهدر هنا على ضياع الوقت ونهش الجبال، إنّما انسحب أيضاً على أموال الخزينة العامّة حيث خصّص بموحب المرسوم رقم 4860/2019 الصادر في 17 أيار 2019 مبلغ مليار ليرة لبنانية أي ما يقارب آنذاك 666 ألف دولار، “لزوم تنفيذ سياسة الإدارة المتكاملة لقطاع محافر الرمل والأتربة والمقالع والكسارات” وهو مبلغ كان تقرّر نقله من احتياطي الموازنة العامة إلى موازنة وزارة البيئة. من المهم جداً أن يصار إلى التدقيق في كيفية صرف هذا المبلغ.  

 

اللاقانون بفعل الظروف الاستثنائية

لم تستأنفْ حكومة حسّان دياب (2020-2021) ما كانت عملتْ عليه الحكومة السابقة. وعليه، بقي مشروع المرسوم مشروعاً غير نافذ، وبقي تالياً المرسوم رقم 8803 هو المرسوم التنظيمي ساري المفعول من دون تعديل. وفيما رافقت أزمة كورونا بدايات هذه الحكومة، سرعان ما عادتْ مسألة المقالع واستثمارها لتطرح على جدول أعمالها. 

وأوّل ما يلفت النظر هنا هو محتوى قرار مجلس الوزراء الصادر في 14/7/2020 والمداولات التي استند إليها. ففيما أصرّ وزيرا الصناعة عماد حب الله والاقتصاد والتجارة راوول نعمة على وجوب السماح مؤقّتاً لشركات الترابة بالعمل في مقالعها “نظراً للظروف الاستثنائية التي تمرّ بها البلاد”، أشار وزير البيئة دميانوس خطّار إلى بعض التناقضات في مقاربة الإطار القانوني الذي يسمح لهذه الشركات باستعمال مقالعها لاستخراج المواد الأوّلية للإنتاج. وقد بدا من القرار أنّ التناقضات التي شغلت بال وزير البيئة اتّصلت بالأحكام القانونية النافذة وتحديداً فيما إذا كان مشروع المرسوم الذي وافقت عليه الحكومة السابقة في أيلول 2019 بما تضمّنه من إشارة إلى الاستثمار التأهيلي قابلاً للتطبيق. 

تبعاً لذلك، جاء قرار مجلس الوزراء ملتبساً. ففيما قرّر اللجوء إلى الهيئة الاستشارية العليا في وزارة العدل للاستفسار بشأن مدى قانونية السماح لشركات الترابة بمواصلة استثمار مقالعها، فإنه سمح لهذه الشركات بصورة استثنائية باستخدام تجهيزاتها لتنفيذ مشروع “تأهيل المواقع”، مع ما يتيحه ذلك عادة من توسّع وتحايل لتحويله إلى استثمار فعليّ تحت غطاء التأهيل. 

ولأسباب غير معلومة، عاد مجلس الوزراء بعد أسبوعين فقط وتحديداً في 28/7/2020 ليسمح لشركات الترابة بمواصلة استثمار مقالعها متجاوزاً تحفّظ وزير البيئة لجهة وجوب انتظار رأي الهيئة الاستشارية العليا، وإن ربط ذلك بصدور إذن مؤقّت عن وزير الداخلية بناء على آلية تحدّد بالتنسيق مع وزارة البيئة ولجنة الرقابة التشاركية (وهي لجنة استحدثتها حكومة دياب وتضمّ جامعيين وبيئيين والبلديات المعنيّة وترمي إلى التوفيق بين حماية البيئة وإنتاج الإسمنت). وفيما علّلت الحكومة موقفها السابق لتفجير مرفأ بيروت بعدم توفّر مادة الإسمنت في الأسواق وضرورات المصلحة العامّة والاجتماعية والظروف الاقتصادية والمالية الاستثنائية التي تمرّ بها البلاد، تذرّع وزير الداخلية محمد فهمي بالأضرار الفادحة في المنازل والممتلكات التي خلّفها التفجير الهائل لإعطاء الإذن المؤقت من دون وضع آلية التنسيق المسبقة والتي كانت الحكومة  اشترطتها في قرارها.

وبعد أشهر من إبلاغها طلب الاستشارة بموجب قرار مجلس الوزراء الصادر في 14/8/2020، وتحديداً بتاريخ 23/2/2021، أصدرتْ هيئة الاستشارات العليا رأيها بهذا الشّأن. ومن دون أن تُبرّر الهيئة تأخّرها في إعطاء المشورة في مسألة حيوية كهذه، ذكّرت بشكل واضح بأنّ مشروع المرسوم الذي وافق عليه مجلس الوزراء في 17 أيلول 2019 والذي أدخل مفهوم الاستثمار التأهيلي ليس نافذاً لعدم اقترانه بخريطة تصنيف المناطق والمواقع وأنّ المرسوم رقم 8803 يبقى تالياً المرسوم المعمول به والذي يتعيّن منح جميع التراخيص على أساسه. وإذ عدّدت الهيئة العديد من الشّروط التي يجدر توفّرها لتجديد تراخيص المقالع طبقاً للمرسوم المذكور (ومنها أن يكون المستثمر قد قام بتأهيل المساحات التي أنهى العمل بها في المقلع)، فإنّها تجاهلت ذكر الشروط الأساسية لهذا التجديد ومنها أن يكون الترخيص صحيحاً أصلاً والأهم أن تقع المقالع ضمن المناطق المسموح بإنشاء مقالع ضمنها وهي شروط لا تنطبق على أيّ من المقالع العائدة لشركات الترابة. وعليه، نتساءل عن سبب تجاهُل الهيئة هذه الشروط بالغة الأهمية التي باتت أموراً معلومة من العامّة. ما يزيد من أهمّية هذا التساؤل هو أنّ وزير الاقتصاد سارع إلى التأكيد بأنّ هذه الاستشارة “تفتح الطريق لتنظيم قطاع الترابة”، وهو الأمر الذي أدّى بالفعل إلى استصدار قرار جديد بمنح شركات الترابة إذناً بمواصلة عملها لشهر إضافي (قرار لوزير الداخلية بتاريخ 19 آذار 2021). 

الحكومات تعبث في القانون والقضاء يعبث في سبب وجوده

رغم جسامة المخالفة المرتكبة من الحكومات المختلفة، فشلتْ الجمعيات البيئية والجهات المتضرّرة في تعطيل أيٍّ منها رغم لجوئها المنتظم أقلّه منذ 2019 إلى مجلس شورى الدولة المختصّ في النظر في شرعية القرارات الصادرة عن الإدارات العامّة. 

التفسير الأوّل لذلك هو غياب أيّ أصول مستعجلة لدى هذا المجلس تُمكِّنه من اتخاذ قراراته ضمن مهل قصيرة، حيث أنّ نظام هذا المجلس يمنح الإدارة المطعون في قراراتها أربعة أشهر لتقديم جواب قبل البتّ في شرعيّتها، ويكون للمجلس مهلة جديدة كلّما اتخذت قراراً جديداً. القرار الوحيد الذي بإمكان المجلس اتخاذه قبل انتهاء المهل الإدارية الممنوحة لأصحاب المقالع، هو قرار وقف تنفيذ القرارات بمنحها. لكن هنا أيضاً يكون للإدارة مهلة أسبوعين لتقديم جوابها على الدعوى المقامة ضدّها ويكون أمام المجلس أسبوعان للبتّ في طلب وقف التنفيذ. وعليه، تؤدّي هذه المهل القضائيّة بحدّ ذاتها إلى تحصين قرارات المهل الإداريّة (أغلبها لا تتعدّى الشهر الواحد) وحقوق أصحاب المقالع في الاستفادة منها إزاء أي تدخّل قضائي، أقلّه إلى حين انقضاء هذه المهل. وعليه، بدتْ المراجعة القضائية لإبطال هذه القرارات بفعل ذلك وكأنّها محكومة بأن تكون رمزيّة مجرّدة عن أيّ أثر على نفاذها. وبالطبع، ازداد هذا الأمر سوءاً مع قوانين تعليق المهل القضائية الصادرة في 2019 و2020 و2021. 

إلّا أنّ فشل الهيئات القضائية لا يفسّر فقط بالمهل الملزمة لها، لكنه يعود أيضاً لمحدودية التزامها بحماية الشرعية والبيئة في مواجهة السلطة الحاكمة والبنية الاحتكارية. وهذا ما نتبيّنه من قرارات عدّة صدرت عنها بردّ طلبات وقف تنفيذ القرارات المطعون فيها. وفي حين تخلو هذه القرارات من التعليل، فإنّ التدقيق في الحجج التي قدّمتها هيئة القضايا (وهي الهيئة التي تمثّل الدولة أمام المحاكم وتتولّى الدفاع عنها) يظهر أنّها اتصلت أساساً بمسائل شكلية أهمّها مسألة انتفاء صفة الجمعيات البيئية في الطعن في هذه القرارات. فكأنما الهيئة تجتهد لتحصين هذه القرارات، ليس من خلال إثبات شرعيّتها (وهو أمر مستحيل ولا يمكن الدفاع عنه)، ولكن من خلال تجريد أيّ كان من صفة الطعن فيها، مهما كانت مخالفة للقانون. وعليه، تبقى القرارات قائمة مهما احتوَتْ من مخالفات لأنّه لا أحد لديه الصفة في الطعن بها. وفي حين كان يُؤمل من هيئة القضايا المُكوّنة من قضاة (يفترض تمتّعهم بصفات الاستقلالية والنزاهة) أن تكون صمّام أمان ضدّ تعسُّف الإدارة العامّة واستهتارها بالقانون وأن تكون محامياً شريفاً ونزيهاً يقرّ بأخطاء الطرف الذي يمثله (أي الإدارة العامّة) ويدافع عنه فقط حين يكون في حال توافق مع دستور الدولة وقوانينها، بدتْ في هذه الدعاوى وكأنها تؤدّي دور محامٍ يهلّل لزبونه (أي الإدارة العامّة) إلى حدّ التماهي لتصبح بذلك شريكة معها في استباحة الشرعية وحكم القانون. وبدل أن يتصدّى مجلس شورى الدولة للمنحى الذي أخذته هيئة القضايا في هذا المضمار، بدا على العكس من ذلك تماماً وكأنه بدوره يتماهى معها ومع الإدارة وتالياً مع البنية الاحتكارية من خلال رد طلبات وقف تنفيذ القرارات المطعون فيها. لا بل إنّ المستشارة المقرّرة في إحدى هذه الدعاوى القاضية ميراي داوود خلصتْ في تقريرها المؤرّخ في 4 شباط 2020 إلى وجوب ردّ الدعوى لانتفاء الصفة بعدما اعتبرتْ أنه ليس للجمعيات البيئية الطعن بقرار منح مهل إداريّة بمواصلة العمل في الكسارات، طالما أنّ الحكومة منعتْ أصحاب المقالع من استخدام متفجّرات وفرضتْ عليها الامتثال للشروط البيئية المحدّدة في المرسوم 8803. وعدا عن أنّ هذا التقرير يؤدّي في عمقه إلى المزج بين مسألة الصفة للطعن وأحقيته، بدا وكأنّه يهْمل مجمل الضوابط المؤسّساتية والقانونية التي نصّ عليها مرسوم 8803 وأهمّها إنشاء المقالع والكسّارات خارج المناطق القريبة من الساحل والمجمّعات السكنية، بتضمين القرار “وجوب مراعاة الشروط البيئية” وهو أمر لا يعدو كونه بفعل عموميّته مجرّد تمنٍّ أو إعلان مبادئ. 

يسجّل أخيراً أنّ أحد المحامين المعيّنين من الهيئة ذهب حدّ الادّعاء في لوائحه أنّ منح مهل إدارية هو “عرف محلّي” يبرّر تجاوز كلّ القوانين.   

هذا ما أمكن قوله في قضية المقالع التي تبقى هي الأخرى قطاعاً خارجاً عن القانون، تتقاسمه الجهات النافذة وفق نفوذها و… حسابات يبقى كمّ كبير منها في عداد الأسرار. 

 

أعيد نشر هذا المقال في العدد 68 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان. احتكارات المحاصصة الشاملة

انشر المقال

متوفر من خلال:

أحزاب سياسية ، استقلال القضاء ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، البرلمان ، الحق في الصحة ، بيئة وتنظيم مدني وسكن ، بيئة ومدينة ، تشريعات وقوانين ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سياسات عامة ، قرارات قضائية ، قضاء ، قطاع خاص ، لبنان ، مؤسسات عامة ، مجلة ، مجلة لبنان



لتعليقاتكم