توقيف وإخفاء محامي ذوي المختفين قسريا في مصر


2017-09-15    |   

توقيف وإخفاء محامي ذوي المختفين قسريا في مصر

في تصعيد جديد من قبل سلطات الأمن المصرية تجاه أهالي المختفين قسريا، قامت سلطات أمن مطار القاهرة الدولي بتوقيف واعتقال المحامي "ابراهيم عبد المنعم متولي حجازي" منسق "رابطة أسر المختفين قسريًا" وأحد مؤسسيها. وقد تم ذلك أثناء سفره يوم 10/9/2017 لتلبية الدعوة التي وجهت إليه من فريق العمل المعني بحالات الاختفاء القسري بالأمم المتحدة، لحضور وقائع دورته رقم 113 المنعقدة بالفترة من 11 الى 15 سبتمبر 2017 بمجلس حقوق الانسان بالأمم المتحدة بجنيف. ظهر حجازي بعد يومين من إخفائه في نيابة أمن الدولة وقامت قوات الأمن بمداهمة منزله وإتلاف محتوياته.

جدير بالذكر أن ابراهيم عبد المنعم حجازي هو محام ووالد أحد المختفين قسريا، حيث اختفى نجله (عمرو ابراهيم متولي- 22 سنة – طالب بكلية الهندسة) عقب أحداث الحرس الجمهوري في يوليو 2013، ولم يحصل حجازي حتى الآن على أي معلومات عن مصيره. وما تزال السلطات ترفض حتى الآن فتح التحقيق في البلاغات التي قدمها حول واقعة اختفائه.

وفي رد فعل سريع على ما تعرض له حجازي، أصدر رئيس اللجنة الفرعية لحقوق الإنسان في البرلمان الأوروبي، بيانا عبر فيه عن انزعاجه من اعتقاله وهو على وشك السفر إلى جنيف لمخاطبة فريق الأمم المتحدة العامل المعني بالاختفاء القسري، وأضاف أنه من غير المقبول أن يختفي أحد المحامين البارزين في المطار. واعتبر أن ذلك يعكس الممارسة المستمرة لاحتجاز أسر الأشخاص الذين يتعرضون للاختفاء القسري، بهدف مضايقة وترويع المدافعين عن حقوق الإنسان والمحامين والمواطنين العاديين من جانب السلطات المصرية[1].

 

رابطة أسر المختفين قسريا

أنشئت رابطة أسر المختفين قسريًا في مطلع عام 2014. وقد عرفت نفسها في بيان صادر عنها يوم إنشائها على أنها تجمع من أهالي المختفين للرد على تفشي ظاهرة الإخفاء القسري في مصر. وتعمل الرابطة على تحديد مصير أفراد العائلات المختفين وأماكن وجودهم. وفي 2015 بدأت الرابطة حملات علنية لمخاطبة السلطات المصرية ودعوتها إلى كشف النقاب عن مصير المختفين قسراً وعن أماكن وجودهم. كما بدأت الرابطة في مخاطبة المنظمات الدولية وعلى رأسها الأمم المتحدة والفريق العامل المعني بحالات الإخفاء القسري، وذلك في محاولة منهم للوصول إلى أي معلومة عن ذويهم. لعبت دورا كبيرا خلال الفترة الماضية في تواصلها مع المنظمات الدولية خاصة الأمم المتحدة المختلفة والتي اعتمدت على تقارير الرابطة، في الكثير من تقاريرها وتوصياتها الصادرة تجاه مصر.[2]

 

توقيف ذوي المختفين قسريا

ما حدث مع حجازي لم يكن أمرا جديدا. فقد دأبت الأجهزة الأمنية في الفترة الأخيرة على إيقاف وإخفاء بعض المحامين المهتمين بملفات الاختفاء القسري، وأيضا عدد من ذوي المختفين. وكان آخر هؤلاء حنان بدر التي ألقي القبض عليها أثناء زيارتها لأحد المحتجزين الناجين من الاختفاء القسري بسجن القناطر في محاولة منها لتتبع أي معلومات أو أخبار تخص زوجها خالد محمد حافظ عز الدين المختفي قسريا منذ يوليو 2013.[3] ففي ظل إنكار المسئولين و الجهات الأمنية احتجازها للمختفين قسريا ورفضها توفير أي معلومات عنهم، تعتمد أسر المختفين قسريا بشكل أساسي على المختفين الذين يظهرون أو على أشخاص محبوسين للسؤال عن ذويهم لعلهم يكونون قد احتجزوا في نفس المكان.

 

توقيف وإخفاء محاميّ المختفين قسريا

تكررت خلال الفترة الماضية حالات اختفاء محامين مهتمين بالعمل على ملف الاختفاء القسري. ثم توجه لهم بعد ذلك اتهامات متعلقة بارتكاب جنايات، وهو ما حدث مع المحامي إسلام سلامة، حيث تعرض للاعتقال من منزله بمركز زفتي بمحافظة الغربية في ٨ مارس الماضي، واتهم بالانتماء لجماعة الإخوان المسلمين. وأخلي سبيله في شهر يونيو الماضي على ذمة التحقيقات في القضية، كان إسلام يُمثّل عدداً من الأسر التي تتهم السلطات الأمنية بإخفاء ذويها قسريًا، كما كان يمثّل محاميًا آخر، هو محمد عبد الفتاح، الذي كان يعمل على عدد من القضايا ذات الطابع السياسي قبل أن يُلقى القبض عليه أيضًا ويُضاف اسمه إلى عدد من المتهمين بالهجوم على سفارة النيجر، وينظر القضاء العسكري القضية.[4]

في نوفمبر 2016 وبعد قرابة ثلاثة أشهر من اختفائه، ظهر محمد صادق، محامي مختفين قسريًا، في نيابة أمن الدولة متهمًا بالشروع في قتل النائب العام المساعد، المستشار زكريا عبد العزيز[5]. وكان صادق تعرض للاعتقال داخل محطة قطار الجيزة أثناء قيامه بتوصيل خاله، يوم 30 أغسطس الماضي. تولى صادق العديد من القضايا المتعلقة بأهالي المعتقلين بسجن العقرب شديد الحراسة، وكذلك حالات اختفاء قسري. فأقام عدداً من الدعاوى القضائية لتمكين الأهالي من زيارة ذويهم المحتجزين في سجن العقرب، وكذلك اختصم وزير الداخلية في أكثر من دعوى قضائية تطالبه بالإفصاح عن أماكن احتجاز عدد من المختفين قسريًا.[6]

 

الاختفاء القسري من الإنكار للاعتراف بالممارسة

ظلت وزارة الداخلية متمسكة بالإنكار التام لأي اتهامات توجه إليها حول قيام أجهزتها بإخفاء بعض المواطنين قسريا، وهي الممارسة التي شهدت ارتفاعا في معدلاتها بعد يونيو 2013، ما فرض حاجزا من الصمت حول هذه الممارسة، لم ينهِ هذا الحاجز من الصمت سوى واقعة إلقاء القبض على المصورة الصحفية إسراء الطويل، 23 سنة مع صديقيها عمر محمد وصهيب سعد في يونيو 2015 بعد أن انتهوا من تناول العشاء. وظل مكان تواجدها خافيًا عن أسرتها إلى أن شوهدت في سجن النساء بالقناطر بعد اختفائها بأسبوعين. رغما عن قصر مدة الاخفاء مقارنة بحالات أخرى إلا أن واقعة إخفاء إسراء مثلت نقطة تحول جوهرية، فكانت القضية الأكثر إحراجا لوزارة الداخلية بعد أن أصرت على إنكار وجود إسراء في حوزتها لكافة وسائل الإعلام، بل والتأكيد على أنها تتواصل مع كافة القطاعات بحثًا عنها. وعلى الرغم من ظهور إسراء في سجن القناطر وتعرف أحد المحامين عليها في صباح اليوم التالي بمقر نيابة أمن الدولة إلا ان وزارة الداخلية استمرت في نفي أي معرفة لها بمكان إسراء الطويل حتى بعد ظهورها.[7]

ترتب على هذا الخلل في أداء الوزارة اهتزاز صورتها امام الرأي العام وثبوت واقعه إخفاء إسراء ورفاقها وتستر أجهزة الوزارة على ذلك، ومثلت واقعة إسراء تحولا جوهريا في الحديث الإعلامي عن جرائم الاختفاء القسري وما ترتب عليها من تراجع الوزارة عن الإنكار الكلي لوجود الممارسة للاعتراف بها والتنسيق مع المجلس القومي لحقوق الانسان من اجل الإفصاح عن أماكن بعض المختفين.[8]

 

الإختفاء القسري ممارسة منهجية وزيادة مضطردة

وتشير الأرقام إلى أن مصر يتعرض فيها أكثر من حالة يومية للاختفاء القسري. فطبقا لتقارير أصدرتها حملة أوقفوا الاختفاء القسري، فإن عدد المختفين قسريا في عام 2015 كان 530 حالة وعدد المختفين حتى شهر أغسطس من عام 2016 كان 364 حالة، وعدد المختفين منذ أغسطس 2016 إلى أغسطس 2017 كان 378 حالة. وتشير هذه التقارير إلى عشرات الحالات لمواطنين تم اخفاؤهم قسريا ثم ظهروا بعد ذلك متهمين في جرائم حدثت بالكامل أثناء فترة اختفائهم. ولا يقتصر الضرر جراء جريمة الاختفاء القسري على ضحايا الاختفاء من الحرمان من حق الفرد في الاعتراف بشخصيته القانونية، والحق في الحرية وأمنه الشخصي، وفى الحماية من التعرض للتعذيب. بل يصل الأمر في بعض الأحيان إلى انتهاك الحق في الحياة عن طريق القتل خارج إطار القانون. وهو ما رصدته ووثقته منظمة العفو الدولية في بيان حديث لها قالت فيه "تشير معلومات جمعتها منظمة العفو الدولية إلى أن قوات الأمن المصرية أخفت قسراً، وأعدمت خارج نطاق القضاء مدرساً كان مفقوداً منذ القبض عليه في 9 إبريل/نيسان 2017، وذلك في أحدث الدلائل على النمط البغيض من أعمال القتل بشكل غير قانوني في مصر"[9].

 


[1]  DROI Chair reacts to the disappearance of Giulio Regeni’s lawyer, Ibrahim Metawly  http://www.europarl.europa.eu/news/en/press-room/20170911IPR83614/droi-chair-reacts-to-the-disappearance-of-giulio-regeni-s-lawyer

[2]  بيان اعتقال وإخفاء ابراهيم متولي منسق رابطة اسر المختفين قسريا http://tinyurl.com/ya25az2x

[3]   10منظمات تطالب بالإفراج عن "حنان بدر الدين": انتهاك لحقها في معرفة الحقيقة وراء اختفاء زوجها قسريا. الحرية http://albedaiah.com/news/2017/05/23/135977

[4]   اتهام محامٍ بالشروع في قتل النائب العام المساعد خلال فترة اختفائه قسريًا http://tinyurl.com/yd38t6so  

[5]   اتهام محامٍ بالشروع في قتل النائب العام المساعد خلال فترة اختفائه قسريًا http://tinyurl.com/yd38t6so

[6]   شهر على اختفاء محمد صادق محامي المختفين قسريا http://tinyurl.com/y9dgu6x5

[7]   محامي يرى إسراء الطويل في النيابة.. و«الداخلية» مازالت تنفي احتجازها http://tinyurl.com/ybdht4mf

[8]  «حقوق الإنسان» يتلقى ردًا من «الداخلية» على 118 شكوى بـ«الاختفاء القسري» http://www.almasryalyoum.com/news/details/874422

[9]  مُدرس ضمن أحدث ضحايا موجة الإعدامات خارج نطاق القضاء في مصر http://tinyurl.com/yda9mbyd

انشر المقال

متوفر من خلال:

محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات ، مصر



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية