تعديل قانون منع الجرائم الأردني: تكريس للعادات العشائرية ولسلطة الحاكم الإداري


2016-09-19    |   

تعديل قانون منع الجرائم الأردني: تكريس للعادات العشائرية ولسلطة الحاكم الإداري

قررت الحكومة الاردنية مؤخراً إعداد قانون معدل لقانون منع الجرائم.وقد هدف المشروع حصراً لتقنين وتنظيم الجلوة العشائريةوالعمل على تقليص مساوئها.والمقصود بالجلوة هو أن تضطر عشيرة معينة على الرحيل فوراً إلى مكان آخر بسبب قيام أحد أفرادها بجريمة قتل أو اعتداء على العرض (مثل الإغتصاب) من أجل المحافظة على أرواح أفراد عشيرة المعتدي وممتلكاتهم من أي إعتداءٍ طلباً للثأر. وقد تضمن التعديل مواد تهدف إلى تنظيم الجلوة العشائرية بهدف التقليل من مساوئها. ويستدعي هذا المشروع عدداًمن الملاحظات:
أولا، أنه همش مجمل المطالب الحقوقية بخصوص مساوئ قانون منع الجرائم رقم (7) لسنة (1954).فمن المعلوم أنه أحد أكثر القوانين الأردنية التي تعرضت للانتقاد من قبل المجتمع الدولي والمنظمات المعنية بحقوق الإنسان بسبب الانتهاكات الناتجة عن تطبيقه. فهو يمنح الحاكم الاداري صلاحيات تقديرية بالتوقيف الإداري. وقد أشار البعض إلى عدم دستورية نصوصه ومخالفتها للمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان. ومن أبرز الانتهاكات التي تم رصدها بسبب تطبيق هذا القانون: إساءة استخدام إجراء التوقيف الاداري بشكل لا يستقيم مع إجراءات التقاضي السليمة في القانون الأردني والمعايير الدولية وسوء المعاملة والتعذيب وصعوبة الطعن بقانونية الاحتجاز وعدم وجود مراجعة دورية من قبل المحكمة للنظر في قرارات التوقيف الاداري وعدم مشروعية بعض قرارات الحكام الإداريين، وطيلة أمد التوقيف الإداري دون رقابة فضلا عن فرض "الحجز الوقائي "على النساء المعرضات لخطر العنف[1]. ورغم خطورة هذه الإنتقادات، فإن المشرع قرر أن يهملها وأن يحصر التعديل بشروط الجلوة وحدها.

ثانيا، أن التعديل المقترح هدف عمليا إلى تشريع الجلوة تحت غطاء الحدّ من بعض مفاعيلها. فالجلوة تشمل بموجبه الجاني وأبناءه ووالده فقط ولمدة سنة قابلة للتجديد، في حين ما يجري العمل به حاليا قيام المئات من أفراد عشيرة المعتدي بالرحيل لمدة قد تصل إلى عشر سنوات. ويذكر أنّ المشروعنظم أيضا للمرة الأولى العرق العشائري المعروف ب"تقطيع الوجه"، بحيث فرض على المتسبب به دفع مبلغ لا يقلّ عن 50 ألف دينار أردني إلى كفيل الدفا أو كفيل الوفا. ففي العادة، يقوم شيــخ العشـيرة أو أحــد الوجهـــاء المعروفـــــين بالأخــلاق والالتزام والنزاهــــة، بالاتفاق مع عشيرة المعتدى عليه بعدم حصــــول أي اعتداء ٍمن قـِـبلها ضد أي فرد من أفراد عشيرة المــُــعتدي إلى أن تتم مراســــيم المصـــالحــــة النهائيـــــة. وفي حال قام أحد أفراد العشيرة المعتدى عليه بخرق هذا الاتفاق واعتدى بأي طريقـة على فرد من أفراد عشيرة المعتدي فإن هذا الخرق يسمى بـــ "تقطــيع الوجـــــــه" أي أنه لم يحترم وجه الشخص الذي يسعى للإصلاح.وكفيل الوفا هو الشخص الذي التزم بموجب صك الصلح بما يترتب على ذوي الجاني عشائرياً وهو الشخص الذي يُعهد إليه في صك الصلح حماية الجاني وذويه من التعرض لهم من قبل ذوي المجني عليه. علما بأن غرامة تقطيع الوجه، وان كانت نادرة الحدوث، غالبا ما تحدد عشائريا في حدود المليون دينار أردني. إلا أنه جرت العادة أن تتم المسامحة بهذا المبلغ، والاكتفاء بالتبييض أي وضع القماش الأبيض للدلالة على أن الذي تم تقطيع وجهه عاد وجهه أبيض خاليا من العيوب.

ثالثا، أن التعديل يهدف إلى تعزيز وتوسيع صلاحيات الحاكم الاداري بدلا من حصرها وتقييدها، بحيث أناط بالحاكم الاداري المختص الاشراف على تنفيذ الاجراءات المتعلقة بالقضايا العشائرية المشمولة به، بالإضافة إلى كل صلاحياتها الواسعة الواردة في قانون منع الجرائم. فالخطاب الرسمي للجهات المعنية، الذي تم تداوله من قبل وسائل الاعلام المختلفة، ولّد قناعة لدى نسبة لا بأس منها من المواطنين بضرورة بقاء هذا القانون، بل بضرورة منح صلاحيات جديدة للحاكم الإداري. ومن أبرز ما تناقلته وسائل الاعلام عبارات مثل "ندرك جيدا الخطر الذي يشكّله أصحاب الأسبقيات الخطرون من ضاربي الشفرات وفارضي الخوات، عندما يكونون طلقاء في الشوارع"، "علينا أن نكون واقعيين، وألا نأخذ بلدنا إلى المجهول"، "قانون وقائي وسيادي يحافظ على أمن واستقرار وحياة المواطنين"،"نعرفأنالشخص خطيرلكنلايمكننا بخلافذلك وضعهفيالحبس، ونحتجزالشخص إدارياًطيلةالفترةالتينراهاضرورية".ولتبرير حالات التوقيف الإداري الحاصلة بأمر من الحكام الإداريين على أساس هذا القانون، أدلى المركز الوطني الخاص بالتوقيف الإداري في تقريره بجملة من الحجج هي في الواقع اعترافات على حصول ممارسات جد خطيرة توجب إلغاء قانون منع الجرائم فورا[2]. ومن هذه المبررات على سبيل المثال، أن الحكم ببراءة بعض المكررين يُشكل خطورة على المجتمع، وفي كثير من الأحيان يحكم القاضي بالبراءة أو عدم المسؤولية لانتفاء الأدلة وعدم كفايتها في حين أن ثمة يقيناً لدى الحاكم الإداريبأن الشخص المعني قد ارتكب الجرم أو أن الحاكم الإداري أعلم من غيره بما يعانيه المجتمع من مشاكل و يحكم على الشخص من خلال الرجوع إلى سجله الإجرامي. ولا نبالغ غذا قلنا أننا نحتاج مئات الصفحات للرد على مثل هذه الحجة لبيان المبادئ الدستورية والقانونية التي تم نسفها فيها. فماذا يبقى من السلطة القضائية واستقلال القضاء وسيادة القانون وقرينة البراءة في حال الأخذ بهذا المبرر؟
أما القول بان العقوبات التي يقضي بها المحاكم لا تردع أصحاب الأسبقيات الخطرين من ضاربي الشفرات وفارضي الخاوات وهم يدخلون السجن ويخرجون بعد فترة ليعاودوا نفس الجرم، فانه بحسب هذا التبرير فاننا أمام إحدى المشاكل التالية: القاضي لا يحكم بعقوبة رادعة، ان هناك خلل في العقوبة التي نص عليها القانون، أو ان هناك مشكلة في سياسية الدولة المتعلقة بالإصلاح والتأهيل.

ومن المبررات أيضا أن صلاحيات الحاكم الإداري تلعب دورا مهما في حل قضايا الشرف فهو يمارس صلاحيات التوقيف بحق بعض الفتيات والنساء حفاظاً على حياتهن عندما تتغيب فتاة أو امرأة عن المنزل أو تنهي محكومتيها عن جرم الزنا أو أي جرم آخر يمس الشرف. فقد كان هذا موضع مناقشة وانتقاد من قبل اللجان الاتفاقية و المقررين الخواص الذين قاموا بزيارة الأردن. حل مشكلة هذه الفئة من النساء بالتأكيد لن تكون من خلال قانون منع الجرائم، بل من خلال إخراجهنمنالحبس"الوقائي"،بشكل يحترمحريتهنفيالتنقلوحريتهنالشخصية ووضع برامج، بالتعاون مع المنظمات غير الحكومية، لضمان التأهيل على المدى الطويل وإيجاد حلول سكنية لضحايا العنف من النساء اللواتي لا تدعمهن عائلاﺗﻬن و/أو اللواتي يتعرضن للتهديد[3].

جميع الاحتمالات السابقة تنبئ عن وجود مشكلة جسيمة، ومن المؤكد أن آلية معالجة هذه المشكلة لا تتم من خلال قانون منع الجرائم.
مما لا شك فيه أن هذا المشروع يعزز المكانة الاجتماعية للحاكم الإداري ويُسهّل مهامه. لكن هناك العديد من منظمات المجتمع المدني التي ترصد الانتهاكات الناشئة عن لقانون منع الجرائم، فضلاً عن أن البعض منها على استعداد لتقديم معونة قانونية مجانية لإنصافهم. وفي حالة استمرار الوضع على ما هو عليه الآن، يبدو أن اللجوء إلى القضاء بشكل مكثف هو الحل الوحيد لإلغاء هذا القانون. وما يشجع على ذلك هو قرارات القضاء الاداري بعدم شرعية العديد من قرارات الحاكم الاداري المستندة لهذا القانون.  



[1]انظر على سبيل المثال تقرير منظمة مراقبة حقوق الإنسان (هيومن رايتس واتش)، ضيوف المحافظ: الاحتجاز الإداري يقوض سيادة القانون، أيار 2009 و المركز الوطني لحقوق الإنسان، التوقبف الإداري: صلاحيات قضائية بأيدي تنفيذية، 2009.
[2] المركز الوطني لحقوق الإنسان، التوقبف الإداري: صلاحيات قضائية بأيدي تنفيذية، ص 18 – 19.
[3]Report of the Special Rapporteur on violence against women, its causes and consequences: mission to Jordan, A/HRC/20/16/Add.1, 14 May 2011, para 88.
انشر المقال

متوفر من خلال:

محاكمة عادلة وتعذيب ، مقالات ، الأردن



لتعليقاتكم


اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية