تأديب وحسومات ومناقلات تعسفيّة وزارة التربية “تخنق” أساتذة التعليم الرسمي


2023-01-25    |   

تأديب وحسومات ومناقلات تعسفيّة وزارة التربية “تخنق” أساتذة التعليم الرسمي
اعتصام الأساتذة أمام وزارة التربية

في ظلّ استمرار عجز وزارة التربية ومن خلفها السلطة باجتراح أي حلّ يضمن استمرار التعليم الرسمي المتعثّر منذ بداية الإنهيار الاقتصادي، وشعورها بأنّ الأمور تخرج من يدها وأنّ وعودها المتكرّرة لم تعد تُقنع الأساتذة، تزامناً مع عجز الروابط على مسك زمام الأمور والضغط من أجل تسيير العام الدراسي بمن حضر، يرى الأساتذة أنّ وزارة التربية ارتأت”استخدام العصا”، متحدثين عن مئات التنبيهات والتأديبات وقرارات الحسم والاستدعاءات والمناقلات التي تصلهم، فضلا عن المضايقات وإيقاف اشتراكات في تعاونيّة الموظفين، وعن استنسابية في التعامل بين أستاذ وآخر.

يكفي، بحسب الأساتذة، التذكير كيف عمدت الوزارة بداية العام الدراسي الماضي، والذي افتُتِح بإضراب، إلى تهديد المتعاقدين بفسخ عقودهم وهذا الأمر لم يقله، وحسب الأساتذة، وزير التربية عباس الحلبي فقط في اجتماعات مُغلقة مع الأساتذة بل أيضا لمّح إليه في بيان رسمي ورد فيه “أدعو المقاطعين إلى العودة لإنقاذ العام الدراسي وحماية التعليم الرسمي أيضا، قبل أن نذهب مجبرين إلى اتخاذ قرارات لإعادة تصحيح الوضع”.

وفي شهر تشرين الأوّل الماضي قرّر الحلبي، وفي سابقة في تاريخ التعاقد مع الأساتذة في المدارس الرسميّة، عدم تجديد عقد المدرّسة نسرين شاهين في خطوة وُضِعت في إطار الكيديّة وإسكات أصواتهم بينما برّرها هو بـ “انتفاء الحاجة لخدماتها”. لم يتوقّف الأمر عند هذا الحد إذ امتنع الوزير عن تنفيذ قرار مجلس شورى الدولة الذي لجأت إليه شاهين، عليه أصدر قرارا  بإيقاف تنفيذ قرار الوزير، الأمر الذي لم يحصل حتى اللحظة، كما تؤكّد شاهين لـ”المفكرة القانونيّة”، مشيرة إلى أنّها ستلجأ إلى القضاء مرّة أخرى لدفع الوزير إلى تطبيق القرار القضائي المُلزم.

وفي الإطار يرى رئيس “​التيار النقابي المستقل​” جورج سعادة  أنّ ما يتعرّض له الأساتذة حاليا هو محاولة لقمعهم ويعود إلى عدم فعالية ودفاع الروابط المعنيّة عن الأستاذ وحقوقه، كذلك في مناصرته في مواجهة الانتهاكات ضده والضغط عليه، مشيرا إلى أنّه عندما كانت الراوبط مستقلّة وفاعلة ما كانت تتجرّأ وزارة التربية على مثل هذه الممارسات الكيديّة التي ارتفعت وتيرتها مؤخرا بهدف الضغط على الأساتذة الذين يرفعون الصوت دفاعا عن حقوقهم وعن التعليم الرسمي.

غير مبرّرة

يتحدّث الأساتذة عن مناقلات تعرضوا لها من دون أيّ مسوّغ تقتضيه عادة المناقلات، الأمر الذي يدفعهم إلى وضعها في إطار عقابي لدفاعهم عن حقوقهم وإعلاء الصوت ضدّ سياسات وزارة التربية. وفي هذا الإطار تتحدّث المدرّسة زهراء الطشم عن تعرّضها لمناقلات “كيديّة” ردا على إعلاء صوتها على مواقع التواصل الاجتماعي مطالبة بحقوقها. وتروي الطشم لـ “المفكرة القانونيّة” أنّها اضطرّت مؤخرا إلى العودة للاستقرار في بلدتها الهرمل وترك منزلها في بيروت حيث تسكن منذ 13 عاما لأنّ راتبها ما عاد يكفي حتّى لتغطية جزء من الإيجار، فطلبت نقلها إلى ثانوية قريبة من سكنها الجديد وتحقّق الأمر.

وتُضيف أنّه بعد انقضاء الفصل الأوّل واستقرارها في “ثانوية الهرمل” تتفاجأ بنقلها إلى ثانويّتين وزّع نصابها عليهما من دون أي مبرّر، وتقول: “عادة ما تحدث المناقلات بناء على طلب الأستاذ الذي يرفقه بمسوّغ ويكون بداية العام، فكيف يمكن أن نفهم مناقلات بعد 3 أشهر من بدء العام الدراسي؟ هل أصبحنا نُحاسب على مواقفنا عبر المناقلات؟، أنا بالتأكيد أكتب على وسائل  التواصل الاجتماعيّ عن قضيّتنا وبلغة نقابيّة، فليردّوا عليّ بلغة نقابيّة، المناقلات ليست أداة عقابيّة”.

وتشرح الطشم أنّ توزيع نصابها على مدرستين يعني كلفة وجهد إضافيّين عليها. وتقول:” سيارتي مُعطّلة أصلا، إصلاحها يكلّف 70 دولارا، وبين دفع هذا المبلغ على المازوت أو على السيارة سأدفعه على المازوت، للأسف أوصلونا إلى هذه المرحلة، النقل غير سهل في الهرمل، وأصلا كلفة النقل باتت عالية جدا، يخنقوننا بدلا من أن يجدوا حلولا لنا”.

وكان وزير التربية قال في مؤتمر صحافي أنّه تمّ إنجاز مناقلات أفراد الهيئة التعليمية للمرة الأولى بداية العام الدراسي، وأنّ ما يثار من رفض لبعض هذه المناقلات فهو يعود لمصلحة شخصية ورغبة بعض المدرسين في الإنتقال إلى مدرسة أو ثانوية قريبة دون توافر الحاجة إليهم، وأنّ الوزارة أخذت في الإعتبار قرب مكان العمل من مكان السكن.

كما زهراء الطشم، يتحدّث أحد الأساتذة في إحدى ثانويات الجنوب، فضّل عدم ذكر اسمه، عن تعرضه مرتين لمناقلات وصفها بالكيدية، الأولى العام الماضي حين وزعوا نصابه على ثانويتين، والعام الحالي حين تمّ نقله إلى مدرسة في منطقة مروحين البعيدة عن بيته ذهابا وإيابا 80 كلم.

ويقول الأستاذ للمفكرة القانونيّة: “المدرسة التي كنت أدرّس فيها بعيدة عن بيتي 10 كيلومتر، وأنا لم أقدّم طلب نقل، والمدرسة بحاجة إليّ، والدليل أنّهم عندما نقلوني أحضروا معلما مكاني ما يعني أنني لم أكن فائضا”.

ويشرح النقابي جورج سعادة أنّه عادة ومع نهاية العام الدراسي ( تحديدا في شهري أيار وحزيران) ترسل المدارس إلى الوزارة دراسة حاجة، والوزارة تُجري المناقلات على هذا الأساس، إلّا أنّ ما يحصل حاليا هو مناقلات تعسفيّة لا علاقة لها بالحاجة، مشيرا إلى أنّ الحد الأقصى للمناقلات يكون في شهر تشرين الثاني ولكنّ الوزارة لحدّ الآن مستمرة بالمناقلات.

حسومات تأديبيّة وإيقاف اشتراكات

بالإضافة إلى المناقلات يتحدّث الأستاذ، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، عن حسم تأديبي طاله أكثر من مرة، ويصفه بالمخالف للقانون الذي يوجب أن يسبق الحسم التأديبي، وهو متعلّق بالتغيّب، تنبيه ومن ثمّ استجواب، مضيفا: “لم يتمّ تبليغي بالحسم، جدول الراتب كان ناقصا ذهبت إلى الوزارة وأحضرت إفادة راتب، وعندما راجعت عرفت بأنّ هناك حسما تأديبيا بحقي، هذا كلّه مخالف للقانون”. وقال: “وأوقفوا اشتراكي في تعاونية الموظفين من دون أي مسوّغ قانوني، والممارسات الكيدية مستمرة فقط لأنّني ناشط معارض ضد الرابطة”.

يشعر الأساتذة أنّهم يتعرضون للترهيب والمضايقات وظهرهم مكشوف “نحن لم نعد محميّين لا إدارة ولا وزارة ولا رابطة تحمينا، ما يحصل معنا خطير جدا على مستقبل التعليم الرسمي وليس علينا فقط،  تقول مدّرسة في إحدى ثانويات كسروان متحدثة عن حسومات تأديبيّة وصلت إليها وإلى مجموعة من الأساتذة في الثانوية نفسها العام الماضي “تغيّب الأساتذة يومين لأنّه لا قدرة لهم على الوصول، لم نكن قبضنا بدل النقل ولا الحوافز،  والمصرف يقسّط راتبنا، أعرف أساتذة باعوا مصاغهم فقط ليتمكنوا من الوصول إلى العمل، ولا أبالغ”.

 وتضيف المدرسة في حديث مع “المفكرة” أنّ الأساتذة اعترضوا وتقدموا بكتب إلى الوزارة ولم يحصلوا على أي رد مشيرة أيضا إلى إيقاف اشتراكات عدد من الأساتذة في تعاونيّة الموظفين.

وفي هذا الإطار يوضح سعادة أنّ إيقاف إشتراك أي أستاذ في تعاونية الموظفين هو مخالفة قانونيّة لا يُمكن السكوت عنها إذ لا يمكن إيقاف هذا الإشتراك إلا في حال الفصل من الوظيفة.

أمّا في ما خصّ الحسومات التأديبيّة المتعلقة بالغياب تحديدا يشير سعادة أنها يجب أن تُسبق باستجواب وبعدها تنبيه، لافتا إلى أنّ هذه الإجراءات أصلا مبنيّة على قانون الموظفين البالي.  

لا ترتبط الحسومات التأديبيّة فقط بموضوع التغيّب بل أيضا كانت على خلفيّة تصاريح إعلاميّة مثلما حصل مع الأستاذ حسن مظلوم الذي تعرّض لحسم تأديبي لنهار واحد على خلفية تصريح على وسائل الإعلام واستخدام عبارات وُصفت بغير تربوية بحق الوزير، إضافة إلى مثوله أمام وسيلة إعلامية من دون أخذ الموافقة وفق الأصول، وكان مظلوم استُدعي من قبل إلى وزارة التربية لأخذ إفادته بما أسمته الوزارة “التحريض على الإضراب”.

كذلك تمّ استدعاء أستاذ الثانوي محمود حمادة إلى وزارة التربية العام الماضي على خلفيّة منشور له على صفحته على الفايسبوك يتحدّث فيه عن التأديبات التي وصلت حينها إلى عدد من الأساتذة على خلفيّة تغيّبهم، الذي لم يكن فقط  بسبب الإضراب بل أيضا لأنّهم عمليا غير قادرين على الوصول إلى المدرسة، معتبرا أنّه يتمّ التركيز في موضوع التغيّب عن المدرسة على الأساتذة الذين يعلّون الصوت وينتقدون الوزارة والروابط.

ويرى حمادة في حديث مع “المفكرة” أنّ ما يحصل مع الأساتذة مزعج جدا، وأنّ الأمر لا يتعلّق بحسومات أصلا لا قيمة مادية لها تماما كما بات الراتب كلّه، بل بالطريقة التي تنظر فيها الوزارة إلى الأستاذ وعملية التعليم بشكل عام، إذ بات من الواضح أنّها تُريد استمرار التعليم شكليا، فهي تقول للأستاذ جد عملا آخرا بغض النظر عن تبعات الأمر على أدائه داخل الصف، أو تحاول أن تحضره إلى الصف تحت التهديد، أي أستاذ يريدون وأي مستقبل ينتظر التلامذة، هذا آخر همّهم”، يقول.

وفي هذا الإطار يعتبر سعادة أنّ وزارة التربية تقوم بممارسة القمع الممنهج لحرية الفكر وحرية التعبير استنادا إلى المادة ١٥ من قانون الموظفين في لبنان رقم ١١٢ عام ١٩٥٩، وأنّه في هذا العام لم يكتف مدير التعليم الثانوي بالتذكير بهذا القانون وإنما طلب إلى الأساتذة التوقيع عليه.

ويرى سعادة أنّ هذه المادة والتي تنصّ على منع الأستاذ من أن “يُلقي أو ينشر دون إذن خطي من رئيس إدارته خطبا أو مقالات أو تصريحات أو مؤلفات في أي شأن كان، أو أن ينضم إلى المنظمات أو النقابات المهنية” أو أن “يُضرب عن العمل أو يحرض غيره على الإضراب”  هي ضدّ الدستور اللبناني الذي يكفل “حرية إبداء الرأي، قولًا وكتابة، وحرية الاجتماع وحرية تأليف الجمعيات”.

الحق في التعليم

قصّة تحرير تلخّص نهج الوزارة

“أعمل في مجال التعليم منذ 23 عاما، أحببت عملي ولم أقصّر يوما، تلامذتي ومن عملت معهم يعرفون ذلك، ولكن مهنتي لم تحمني، يوم مرضت لم استطع استكمال العلاج، يوم تكلّمت وانتقدت نقلوني تعسفيّا، ويوم توقّفت عن الحضور قسريا لأنّ الراتب لا يكفي لبدل نقل، طلبوا مني الاستدانة، ولمّا رفضت أوقفت الوزارة راتبي” تقول تحرير عودة، مدرسة الفيزياء في التعليم الثانوي الرسمي، متحدّثة عن أسلوب ترهيب وقمع يُمارس في وزارة التربيّة ضدّها، وضدّ كلّ أستاذ يرفع الصوت نقابيا ويُدافع عن حقوقه.

تروي عودة لـ “المفكرة القانونيّة” أنّ الأمر وصل إلى حدّ استدعائها العام الماضي إلى فرع جرائم المعلوماتيّة على خلفيّة منشور انتقدت فيه رئيسة الرابطة ملوك محرز: “تواصل معي شخص من مكتب جرائم المعلوماتية طالبا حضوري، أخبرته بأنّ لا مال لدي لأنزل فراتبي متوقف، فكان الجواب كيف لدي المال لأفتح الإنترنت وأتكلّم عن الناس، وأنّه سيتم تحرير بلاغ بحث وتحري عني”.

تعود قصّة تحرير عودة إلى نهاية العام 2019 حين كانت من الداعمين لانتفاضة 17 تشرين، ويومها سُرّب لها مقطع صوتي تهاجم فيه السياسيين ولاسيّما الثُنائي الشيعي، فتقرّر نقلها تعسفيا إلى إحدى الثانويات البعيدة عن منزلها ومن ثمّ توزيع نصابها على ثانويتين، وأخبرت شخصيا من دائرة المنطقة في تلك الفترة  بأنّ نقلها هو بسبب المقطع الذي سُرّب لها أي أنّ النقل تدبير عقابي، حسب قولها.

في هذه الفترة اكتشفت عودة أنّها مصابة بسرطان الثدي، وبدأت تخوض رحلة علاجها التي استنزفت كلّ مدخراتها، حتى اضطرت إلى الانقطاع عن إجراء فحوصاتها الدوريّة بسبب وضعها الاقتصادي، فما تغطيه تعاونيّة الموظفين بات، وبعد انهيار سعر الليرة، بالكاد يغطي جزءا لا يُذكر من علاجها.

لم يتوقّف “عقاب” عودة عند هذا الحد، ففي العام الماضي أوقفت وزارة التربية راتبها على الرغم من أنّ العام الماضي بدأ أساساً بإضرابات، وكانت تقدّمت بكتاب إلى الوزارة تشرح فيه ظروف تغيّبها الذي يتلخص ببساطة أنّ بدل النقل يكلّفها أكثر من راتبها حرفيا، وبدلا من إيجاد حلّ لها مثل نقلها إلى مدرسة قريبة أو إعطائها بدل النقل المطلوب، طُلب منها أن تستدين أو تبحث عن عمل آخر، “تديّني وتعي” هكذا قال لي المفتش التربوي ومديرة المدرسة، التي قالت لي أيضا ابني بالبكالويا ولقّط تلميذ أونلاين ليعلّمه، لاقيلك شغل تاني” تقول.

وتُشير المدّرسة تحرير عودة أنها عرضت على مدير التعليم الثانوي خالد فايد، وبعدما علمت صدفة وهي في مكتبه أنّ هناك موافقات تُعطى من قبله لأساتذة لحصولهم على بدل نقل إضافي( يُضاف إلى بدل النقل المقرر رسميا) يخوّلهم الوصول إلى المدارس، أن يكون هذا حلا لوضعها ليأتي الجواب أنّه لا يريد أن “يفتح فتوح” وأنه لم يعد يوقع طلبات مماثلة، لترى أن “الحلول لناس وناس في الوزارة، والموضوع استنسابي”.

حين راجعت عودة الوزارة لتعرف سبب توقف راتبها رغم إرسالها كتاب إلى الوزارة شرحت فيه أنّها لم تنقطع عن التعليم 15 يوما، وهذا ما كانت المديرة تسعى لإثبات عكسه عبر منعها أكثر من مرة من توقيع جدول الحضور، ومرة بحضور المفتش التربوي، عرفت أنّه لم يُسجّل مع تبريرات عدّة منها عدم تقدّيمه          حسب التسلسل الإداري، ولتعود وتسجلها عبر التسلسل الإداري ولا تعرف حتى اللحظة إذا سُجّل أم لا.

راتب عودة لا يزال متوقّفا “لا حلول لدى هذه السلطة، ولا احترام أو تقدير للأستاذ، ما حصل معي ما هو إلا انعكاسا لكيفية إدارة الوزارة” تختم. 

انشر المقال

متوفر من خلال:

لبنان ، مقالات ، حراكات اجتماعية ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، تحقيقات ، مؤسسات عامة ، قرارات إدارية ، الحق في التعليم



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية