الوباء – 2020


2021-02-15    |   

الوباء – 2020

كأنّما الكوارث كانت على موعد في لبنان. فبعد الانْهيار المالي والاقتصادي الذي ما برح يحتلّ المشهد العامّ، حضر وباء كورونا ليغطّيه بلباس أسود. وقد أتتْ مجزرة مرفأ بيروت بمثابة لعنة جديدة في تراجيديا بلد بدا مُشرّعاً لجميع أنواع المخاطر بدون ضوابط. 

وباء في زمن الانهيار

فيما تقوم إحدى أهم وظائف الدولة على التحسّب للكوارث، وجد لبنان نفسه مع حلول الجائحة في أسوأ أوضاعه. وليس أكثر دلالة على ذلك من أنّ الجائحة حضرتْ في موازاة إعلان لبنان توقّفه عن دفع ديونه. وعليه، وجدت الحكومة نفسها ملزمة تيمّناً بدول العالم باتخاذ تدابير إغلاق عامّ للحدّ من انتشار الوباء، من دون أن يكون لها في المقابل أيّ قدرة على تأمين وسائل العيش، أقلّه للعائلات الأكثر احتياجاً. وهكذا وخلافاً لمقولة “احفظْ قرشك الأبيض ليومك الأسود”، حضر اليوم الأسود ولبنان غارق في المديونية والإفلاس. 

وقد زاد من صعوبة مساعدة ذوي الحاجة، غياب الإحصاءات والمعلومات المتعلّقة بسكّان لبنان، مما جعل استهداف الفئات الأكثر احتياجاً أمراً مستعصياً. وهذا ما تبدّى بوضوح في المعايير الاعتباطية المعتمدة لتوزيع المساعدة النقدية اليتيمة (قيمتها 400 ألف ليرة لبنانية فقط)، ومنها أن يكون متلقّي المساعدة من أصحاب الأرقام الحمراء (سائقو سيارات الأجرة) أو من عائلات تلاميذ المدارس الرسمية. وينتظر أن تواجه الدولة مشكلة غياب المعطيات نفسها عند بدء حملات التلقيح.

ومؤدّى ذلك أنّ الجائحة أتتْ بمثابة عامل إضافيّ في مفاقمة الانهيار وتراجع قدرة التمتّع بالحقوق الاجتماعية والاقتصادية على أكثر من مستوى. فعدا عن أنّ الحد الأدنى للأجور الشهرية بلغ حدود 70 دولار أميركي، قارب عدد الوظائف المُلغاة نصف مليون وظيفة مع تقديرات بارتفاعه ليصل إلى حدود المليون أي ما يقارب ثلثَي اليد العاملة في لبنان. الأمر نفسه على صعيد التعليم حيث أدّت برامج التعليم عن بُعْد إلى زيادة التمييز ضد الفئات الأكثر احتياجاً والأقلّ قدرة على تأمين التجهيزات الضرورية للاستفادة من هذه البرامج. 

تسفيه المخاطر العامّة

في فترة ما بعد حرب 1975-1990، سخّرت القوى الحاكمة الموارد المخصّصة للصحّة العامّة لتعزيز الخدمات السياسية ذات الطابع الزبائني وتمويل المستشفيات الخاصّة المقرّبة من هذه القوّة أو تلك، رافضةً في المقابل إرساء نظام للتغطية الصحيّة الشاملة. وقد ترافق هذا الأمر مع تردّي أوضاع المستشفيات الحكومية بفعل تعيين مجالس إدارتها من قبل الحكومات المتعاقبة وفق قواعد المحاصصة. وما فاقم من هذا الوضع، هو أنّ الفساد الإداري أدّى إلى زيادة المخاطر الصحّية، تبعاً لتراجع نوعية الغذاء وتفاقم التلوّث البيئي. ولا نبالغ إذا قلنا إنّ بعض المناطق تحوّلت بنتيجة ذلك إلى ما أسميناه “مناطق موت”.

في هذا السياق، جاءت الجائحة بما فرضته من استحقاقات لتطرح أسئلة محورية حول سُلّم أولويات الحكم. وفيما أدّى هذا الاستحقاق إلى بروز دور المستشفيات الحكومية، تبعاً لتوجّس المستشفيات الخاصّة في معالجة المصابين بالفيروس، وتطويره (وهو أمر إيجابي)، سجّلت في المقابل إجراءات عدّة يُستشفّ منها بوضوح تغليب مصالح اقتصادية أو سياسية على تدابير الوقاية حيال انتشار الوباء. وسنكتفي هنا بالتذكير بأربعة دلائل على هذا النهج والتي تسبّبت كلّها في ارتفاع كبير لعدد الإصابات:

أوّلاً، القرار بإنهاء تدابير الإغلاق في فترة الميلاد ونهاية سنة 2020، وذلك نزولاً عند ضغوط نقابة المؤسّسات السياحية والمطاعم. وهو القرار الذي تسبب بأضخم موجة انتشار للوباء في مطلع 2021. 

ثانياً، القرارات المتّصلة بفتح الحدود مع تراجع تدريجيّ عن الضوابط المعتمدة. وفيما انحصر فتح الحدود بداية بالمغتربين تحت ضغط رئيس المجلس النيابي نبيه بري، سرعان ما تمّ تشريعها بدءاً من 1 تمّوز لغير اللبنانيين من مقيمين أو زائرين. أخطر من ذلك هو عدم التزام القادمين بموجب الحجر وهو الأمر الذي مهّد للتراجع عنه بشكل كامل. فبعد تحديد أماكن بعينها يتمّ الحجر فيها، سُمح لكلّ قادم أن يجري الحجر في المكان الذي يناسبه. وفيما أنيط بالبلديات مراقبة حسن الالتزام بتدابير الحجر، فقد تبيّن فيما بعد قصور السلطات المعنية عن إعلام البلديات بهوية الأشخاص القادمين إلى نطاقها.

ثالثاً، الإجراء المتّخذ بُعيد ساعات من مجزرة المرفأ الذي تمثّل في قرار وزير الداخلية محمد فهمي بإلغاء إجراءات الإغلاق العام في كلّ المناطق. وفيما يفهم تخفيف هذه الإجراءات في الأحياء المتضرّرة ولحاجات الإنقاذ، فإنّ التراجع عنها كلياً داخل المناطق المتضرّرة وغير المتضرّرة يطرح أكثر من علامة استفهام. ولئن بدا هذا الإجراء وكأنّه يهدف إلى تخفيف القيود على الناس تعويضاً عن الضرر الشامل الذي أصابهم، فإنّه أدّى في الواقع إلى تعرّضهم لمزيد من المخاطر والمآسي فيما يصحّ تسميته نهج “تسفيه المخاطر العامّة”. هذا النهج الذي شكّل تخزين مواد قابلة للانفجار في المرفأ على مقربة من الأحياء السكنية لأكثر من ست سنوات، التعبير الأكثر بلاغة عنه. 

رابعاً، تقاعس السّلطات الرسمية عن اتّخاذ تدابير جدّية للتخفيف من اكتظاظ السجون. ففيما لفتَتْ العديد من القوى السياسية (وبخاصّة تيار المستقبل وحركة أمل وحزب الله) الانتباه إلى خطر هذا الاكتظاظ، بدا خطابها نابعاً حصراً من رغبة هذه القوى في تمرير قانون عفو عامّ تنفيذاً لالتزامها تجاه مجموعات من ناخبيها منذ ما قبل انتخابات 2018. وخير دليل على ذلك هو أنّ هذا الخطاب كان يرتفع قبيل كلّ جلسة نيابية سعياً لإقرار هذا القانون وينحسر فور فشلها في ذلك من دون البحث عن أيّ حلول أخرى أقلّ ارتباطاً بالمساومات السياسية لتخفيف اكتظاظ السجون. وقد تسبّب هذا الأمر في انتشار واسع للوباء داخل السجون وسط لامبالاة عارمة. 

أزمة حكم: قرارات يصعب اتخاذها وأخرى يصعب نفاذها

ثمّة أمرٌ آخر أثّر سلباً على إمكانات التصدّي للوباء ومعالجة تداعياته، تمثّل في أزمة الحكم التي تفاقمتْ منذ ثورة 17 تشرين والانهيار الاقتصادي والمالي وبلغت أوجها بُعيْد مجزرة المرفأ. ومن أبرز تجليّات أزمة الحكم، المؤشّرات الآتيّة:

أوّلاً، تراجع الثقة العامّة في إدارات الدولة إلى حدّ كبير. وقد تمثّل هذا الأمر في التشكيك في تلاعب الحكومة بأرقام الإصابات. فقد بدا أيّ ارتفاع للأرقام بمثابة تخويف أو تمهيد لقمع الحراكات الشعبية. كما بدا أيّ انخفاض لها بمثابة مسعى لتجميل أداء الحكومة أو تمهيد للتراجع عن قرارات الحجر الصحّي. ومن الطبيعيّ أن يؤثر تراجع الثقة في هذه الأرقام بشكل محسوس على منسوب التزام المواطنين بتنفيذ إجراءات الحجر الصحّي، وذلك بخلاف الخطاب الرسمي الذي غالباً ما عزا انخفاض هذا المنسوب إلى قلّة الوعي أو المسؤولية الوطنية لدى المواطنين.

ثانياً، غياب التعاون الفعلي بين سلطات الدولة وإداراتها. ولعلّ المثال الأشهر على ذلك هو تجاهل المجلس النيابي صفة العجلة التي أضفَتها الحكومة على بعض مشاريع القوانين المقدّمة منها، وأهمّها مشروع القانون لفتح اعتماد إضافي بقيمة 1200 مليار ليرة لتوفير شبكة أمان اجتماعي مواكبة لتداعيات الجائحة أو إعفاء المحكوم عليهم الذين خدموا عقوبتهم السجنيّة، من الغرامات. 

ثالثاً، شرعية القرارات المشكوك فيها. فقد اكتسَت غالبية القرارات المتّخذة في ظلّ التعبئة العامّة شبهة عدم الشرعية، سواء لصدورها عن مرجع غير مختصّ أو لإخلالها بشروط جوهرية أو لكونها أتت بمثابة تحوير للسّلطة. وتمثّلت المخالفة الأكثر جسامة في تعميم آلية “التفويض” لتمكين رئيس الحكومة أو سائر الوزراء من اتّخاذ إجراءات وتدابير استثنائية لمكافحة الجائحة، ضمن ما تجيزه حالة التعبئة العامّة المعلنة. وقد أدّى هذا الأمر إلى تمكين وزير الداخلية من الاستفراد بالكثير من القرارات مقابل تحجيم دور وزير الصحّة ومعه الاعتبارات الصحّية، بما يخالف تماماً أحكام قانون الأمراض الانتقالية (1957). ومن أشهر التدابير التي أمكن وضعها في هذا الإطار هي قرارات منع التجوّل أو قرارات المجوز والمفرد. الأمر نفسه نلحظه على صعيد البلديات التي ذهب العديد منها إلى اتّخاذ قرارات خلافاً للقانون الذي يسمح بعزل المناطق الموبوءة وليس عزل مناطق بحجّة حمايتها من محيطها.

رابعاً، أنّ إعلان التعبئة العامّة بدا شكليّاً أكثر ممّا هو فعليّ، بمعنى أنّ السلطة العامّة تلكّأت طوال هذه المدة عن ممارسة صلاحياتها القسرية المكرّسة في قانون الدفاع الوطني، لجهة مصادرة الأموال أو الأشخاص بهدف توفير الموارد اللازمة لمكافحة الجائحة. فلم تلجأ الحكومة إلى استخدام هذه الصلاحية لا حيال الفنادق الرافضة لتأمين أماكن للحجر الصحّي ولا حيال المصارف الرافضة فتح فروعها للمواطنين ولا حيال المستشفيات الخاصّة التي تلكّأت عن فتح أقسام لمرضى كورونا وزيادة غرف العناية الفائقة رغم مطالبتها بذلك. لا بل أنّ الحكومة لم تحرّك ساكناً لاستعادة الأملاك العامّة البحرية المعتدى عليها، ممّا أفقدها إمكانية توفير أماكن للحجر الصحّي. 

يضاف إلى ذلك كمّ من الاستثناءات الواردة في قرارات الحجر الصحّي مراعاة لهذه الفئة أو تلك، فضلاً عن تراجع السّلطة عن عدد من قرارات الحجر الصحّي تحت ضغط اللوبيات أو الظروف السياسية.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أحزاب سياسية ، اقتصاد وصناعة وزراعة ، البرلمان ، الحق في الصحة ، الحق في الصحة والتعليم ، جائحة كورونا ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، سياسات عامة ، فئات مهمشة ، لبنان ، مؤسسات عامة ، مجزرة المرفأ ، مجلة ، مجلة لبنان ، مصارف ، مقالات



لتعليقاتكم