“العفو العامّ” واكتظاظ السّجون في زمن كورونا: الحقّ في الصحّة ذريعة لغايات سياسية وليس هدفاً


2020-12-20    |   

“العفو العامّ” واكتظاظ السّجون في زمن كورونا: الحقّ في الصحّة ذريعة لغايات سياسية وليس هدفاً
ملابس ومناشف وشراشف تتدلّى من نوافذ أحد أبنية سجن روميه، شرق بيروت، الذي لا تُحترم فيه أدنى معايير السلامة. الصورة من مسرحية "12 لبنانياً غاضباً" لزينة دكّاش، 25 حزيران، 2018. (تصوير: داليا خميسي/المركز اللبناني للعلاج بالدراما – كثارسيس)

“العفو العام” هدفٌ التزمت قوى سياسية عدّة تجاه مناصريها بتحقيقه منذ ما قبل انتخابات ربيع 2018. هذا الالتزام قفز إلى الواجهة مع ثورة 17 تشرين من خلال تضمينه في الورقة الإصلاحية التي قدّمتها حكومة سعد الحريري في سياق التزامها بتحقيق مطالب الثورة، قبل أيام من استقالتها. وقد قفز ذلك الهدف مجدداً إلى الواجهة، مرّة تلو الأخرى، من خلال الإصرار على وضعه ضمن مقترحات القوانين الواردة على جداول أعمال جلسات المجلس النيابي ابتداءً من 12 تشرين الثاني 2019 وصولاً إلى الجلسة المنعقدة في 21 كانون الأول من هذه السنة (جلسات 19 تشرين الثاني 2019 ونيسان وأيار وأيلول 2020). 

وقد تبيّن طبعاً عند النظر في الصيغ المختلفة لاقتراحات القوانين (أوّلها وأخطرها اقتراح القانون المقدّم من النائبين ياسين جابر وميشال موسى وثانيها اقتراح قانون رئيسة كتلة نوّاب المستقبل بهيّة الحريري وثالثها اقتراح القانون كما أقرّته اللجان المشتركة في أيار 2020) أنّه عفو فئوي يهدف بالدرجة الأولى إلى الاستجابة لمطالب فئات واسعة من الكتل الانتخابية التي تعوّل عليها القوى السياسية الوازنة بدرجات متفاوتة بهدف الحفاظ على ولائها لها أو استعادته. وفي مقدّمة هذه الكتل، الإسلاميون (بالنسبة لكتلة المستقبل) والمنخرطون في تجارة وإنتاج المخدّرات في منطقة بعلبك الهرمل (بالنسبة للثنائي الشيعي) والعملاء وعوائلهم (بالنسبة للتيّار الوطني الحرّ). والملفت أنّ القوى السياسية الوازنة لم تجدْ حرجاً في المزاوجة بين أولوية العفو العامّ ومقترحاتها المتعدّدة في المحاسبة ومكافحة الفساد، مبرّرة ذلك بأنّ القانون لا يتضمّن العفو عن الجرائم المالية أو جرائم استغلال السّلطة (وهو أمر أثبتنا عدم صحّته في محلّات عدة حيث أنّ الاقتراح يشكّل في العديد من صيغه عفواً ذاتياً واضحاً وبخاصّة لجهة إعفاء التهرّب الضريبي وجرائم المحاسبة العمومية والجرائم البيئية وجرم التهويل وجرائم التعذيب… إلخ).

ومع جائحة كورونا وتزايد التحذير من مخاطر اكتظاظ السجون ومراكز التوقيف، لم يجدْ النوّاب حلّاً أفضل للتعامل مع هذه الظاهرة سوى التّشديد على ضرورة إقرار قانون العفو العامّ. لا بل ذهبت اقتراحات قوانين العفو العام المقدّمة بعدئذ في اتّجاه تضمين جائحة كورونا في مقدّمة أسبابها الموجبة من دون أن تغيّر شيئاً في جوهر قوانين العفو العامّ الوارد فيها. وقد بدت هذه القوى وكأنّها تقارب كورونا ومخاطرها في السّجون فقط كذريعة تمكّنها من تقوية حجّتها لانتزاع قانون عفو عام من دون أن تشكّل تلك المخاطر أيّ عامل قلق لها يقتضي معالجته بحدّ ذاته.

وهكذا، مع كل جلسة تشريعية، كان جواب النوّاب للتّخفيف من اكتظاظ السجون تحسّباً من جائحة كورونا مرتبطاً بأمر واحد هو إمكانية توافق القوى السياسية على أحد اقتراحات قانون العفو العامّ. حتى إذا فشل هؤلاء في التوافق بفعل التناقض فيما بينهم في تعريف المسلّمات التي لا تقبل المساومة من منظار كلّ منهم أو من منظار الجماعات التي يعملون لتلبية مطالبها، سقط هذا الاحتمال ومعه أيّ مسعى للتخفيف من مخاطر الجائحة داخل السجون، ومن دون تقديم أيّ مقترح بديل. وهذا ما حصل تباعاً في جلسات نيسان وأيار وأيلول من هذه السنة، وسط اتّهام مؤيّدي قانون العفو العامّ لمعارضيه بعدم التحلّي بالحدّ الأدنى من الإنسانية تجاه السجناء والموقوفين. وهذا ما نستشفّه من تصريح رئيس مجلس النوّاب نبيه بري في إثر فشل التوافق في جلسة 30 أيلول حيث أبدى تأسّفه للمنحى الذي يسير وفقه جميع النوّاب (غير الإنساني) مؤكّداً أنّ هدفه من القانون “ليس إخراج أناس يخصّونه أو تجار المخدرات بل تخفيف العبء في ظلّ انتشار فيروس كورونا”. ولإدراك الاستثمار السياسي لهذه الجائحة، يقتضي التذكير بأنّ “المفكرة القانونية” المعارضة لفكرة العفو العامّ لأسباب عرضتها وذكّرت بها بمناسبة كلّ جلسة تشريعية، كانت تقدّمت بعدد من الحلول البديلة التي من شأنها تخفيف اكتظاظ السجون، وهي حلول تقوم أساساً على فكرة تعليق العمل بأحكام التوقيف الاحتياطي بالنسبة إلى الجرائم المرتكبة قبل تاريخ معيّن (مع استثناء الجرائم الأكثر خطورة) على نحو يؤدّي إلى تخفيض عدد الموقوفين الذين تتجاوز نسبتهم 50% من مجمل نزلاء السجون. وقد بنَتْ “المفكرة” مطلبها هذا على مبدأي التناسب وتخفيف المخاطر اللذين يبرّران التنازل عن ضمانة التوقيف في الحالات التي قد يعرّض فيها التوقيف حياة الشخص المشتبه به للخطر، كلّ ذلك على ضوء مدى خطورة الجرائم موضوع الملاحقة.

وفيما بقي اقتراح قانون العفو وارداً على جدول أعمال الهيئة العامة في الجلسة التي انعقدت في 21 كانون الأول 2020، إلّا أنّه تمّ تقديم، إلى جانب هذا الاقتراح، اقتراحَي قانون جديدين يهدفان إلى إيجاد حلول بديلة للتخفيف من اكتظاظ السجون في ظلّ ترقّب فشل جديد في التوافق السياسي على قانون عفو عام. إلّا أنّه هنا أيضاً لم يشأ مجلس النوّاب المضيّ في مناقشة هذين الاقتراحين إنّما قرر ضمّهما إلى اقتراح العفو العامّ لتحال الاقتراحات كلّها إلى اللجان النيابية للمزيد من الدّرس. وبذلك، ستنقضي سنة 2020 من دون اتّخاذ أيّ خطوة للتخفيف من اكتظاظ السجون. 

العفو العامّ في زمن كورونا: حماية الحقّ في الصحة ذريعة وليست هدفاً

كما سبق بيانه، شاعت مقترحات العفو العامّ كردّ على الثورة ومنذ ما قبل جائحة كورونا حيث انحصرت أسبابه الموجبة بعوامل سياسية وبدرجة أقلّ اجتماعية. وقد تمّ التعامل مع أزمة كورونا في هذا السياق تماماً كما تمّ التعامل مع الأزمة الاقتصادية والمالية، أي كأسباب موجبة لتمرير مشاريع سياسية أكثر ممّا هي أزمة اجتماعية تستدعي بحدّ ذاتها معالجة خاصّة. 

ومن أهم الأدلّة على هذا التوجّه، أدلّة أربعة: 

1. أنّ جائحة كورونا أضيفت إلى الأسباب الموجبة للعفو العامّ أقلّه في الاقتراحات المنجزة بعد حصولها. ومن أهمّ ما ورد في هذا الخصوص، الأسباب الموجبة الواردة في الاقتراح المقدّم بتاريخ 26 آذار 2020 من النائبة بهيّة الحريري حيث جاء: “ولمّا كان وباء الكورونا وتداعياته يشكّلان حالة ملحّة لإيجاد حلول سريعة لمسألة اكتظاظ السّجون الذي يهدّد حياة المساجين في كافّة السّجون اللبنانية خصوصاً بعد الأحداث الأخيرة والاعتراضات التي حصلت عليها”. وهذا أيضاً ما نقرأه في صيغة الاقتراح الصّادر عن اللجان المشتركة في أيار 2020 حيث جاء أنّ انعكاسات الانشقاقات السياسية الاقتصادية والاجتماعية “بلغت حدودها الأقصى في المرحلة الأخيرة ولا سيّما من خلال انهيار الليرة وبروز أزمة الكورونا”.  

2. أنّنا شهدنا تنامياً للخطاب العام حول فيروس كورونا ومخاطره داخل السّجون عشية الجلسة التشريعية ليعود وينحسر تلقائياً غداة الجلسة. ومن الثّابت أنّ هذا التنامي كان يتمّ بشكل خاص بدفع من تسريبات حول عدد مرتفع جدّاً للإصابات داخل السّجون وفيديوهات حول الأوضاع المزرية في مجال الوقاية داخل السّجون، وهي تسريبات وفيديوهات تعود لتندثر تماماً من بعدها. والملفت أنّ الجهات المسرّبة لم تكن تجد حرجاً في تظهير عوامل خلل جسيمة في الإجراءات المتّخذة في السّجون لمكافحة الجائحة (مثلاً عدم توزيع كمّامات أو أيضاً عدم إجراء فحوصات في بعض المراكز أو أيضاً عدم عزل المصابين بكورونا)، من دون أن يستدعي تظهير هذه العوامل أيّ رغبة في إجراء تحقيق برلماني أو اتّخاذ أيّة تدابير ملزمة لقوى الأمن الداخلي في هذا الخصوص. وقد وثّقت “المفكرة” كل هذه الأمور في مقالتين: الأولى، تحت عنوان: “227 إصابة والحبل على الجرّار: هنا روميه حيث الاكتظاظ 400%: نخشى أن نتنفّس” وقد كتبت تبعاً لتسريب أخبار عن تصاعد أرقام الإصابات في السجون. والثانية تحت عنوان: “رابع محاولة لتمرير العفو العامّ تحت جنح الكورونا: وتبقى حسابات المحاصصة هي الغالبة”. وقد جاء فيها: “ما إن تسرّبت فيديوهات وتسجيلات من سجن روميه لسجناء يهدّدون بانتفاضة لا تتوقّف إلّا بخروجهم من السّجن، حتى دعا رئيس المجلس النيابي نبيه برّي نهار الإثنين، 21 أيلول، هيئة مكتب المجلس للانعقاد، وعلى جدول أعمالها اقتراح قانون العفو العامّ، إضافة إلى اقتراحات قوانين أخرى”. 

3. أنّ طرح مقترحات العفو العام تمّ في جلسات عدّة (نيسان وأيار وأيلول) في غياب أيّة بدائل عنه من شأنها التخفيف من اكتظاظ السجون. فكأنّما النوّاب راهنوا على الكلّ أو اللاشيء، مع فارق وحيد قوامه أنّ الذي يدفع الثمن، في حال خسارة الرّهان، هم السّجناء ومعهم المجتمع برمّته وليس النوّاب. بل أنّ تلك اللامبالاة لا تقتصر على اللامبالاة حيال أزمة السّجون، بل أيضاً حيال مجمل الأزمات الحاصلة في لبنان، حيث تستمرّ المشاكل من دون أيّة معالجة. وخير دليل على ذلك هو تكرار تطيير نصاب الجلسات التشريعية فور فشل النوّاب في التوصّل إلى اتّفاق بشأن قانون العفو. وأحد الأمثلة على ذلك: تمكّن النواب من مناقشة 11 بنداً من أصل 37 ورد على جدول أعمال جلسة أيار 2020 وتمكّنهم من مناقشة 14 بنداً من أصل 43 ورد على جدول أعمال جلسة أيلول 2020. وفي كلتا الحالتين، تم تطيير الجلسة بعد فقدانها النّصاب نتيجة احتدام الخلاف حول اقتراح منح العفو العامّ. وفي الاتّجاه نفسه، يسجّل أنّ مكتب المجلس النيابي لم يضع حتّى اللحظة مشروع القانون الذي ورده من الحكومة في 19 آذار 2020 على جدول أعماله، وهو مشروع قانون اقتصر على منح عفو عامّ للمحكوم عليهم الذين يقضون مدة في الحبس بفعل تخلّفهم عن تسديد الغرامات المالية، وذلك تأكيداً على حصريّة العفو العامّ كمدخل وحيد للحلّ. 

وفيما قدّم نوّاب اقتراحين للتخفيف من اكتظاظ السجون في جلسة كانون الأول، إلّا أنّ ذلك لم يمنع المجلس النيابي من أن يقرّر إحالة هذين الاقتراحين مرفقين باقتراح قانون العفو للمزيد من الدّرس في اللجان. كما لم يمنع ذلك من تطيير الجلسة مباشرةً بعد ذلك بإرادة رئيس مجلس النوّاب المنفردة ومن دون إعطاء أيّ مبرّر، ليقتصر عدد الاقتراحات التي تناولها مجلس النوّاب على 45 من أصل 70.  

4. أنّ تحديد الجرائم التي يشملها العفو العام بدا متأثراً بالمعطى السياسي أكثر ممّا هو متأثر بمكافحة اكتظاظ السجون. وهذا ينتج عن مجموعة من العوامل: 

أوّلاً، أنّ المستفيدين من العفو العام ليسوا فقط السّجناء والموقوفين بل من المؤكّد أنّ العدد الأكبر من المستفيدين منه هم أشخاص لم يتعرّضوا لأيّ توقيف وربّما لأيّة ملاحقة. وهذا ما يتحصّل من اقتراح منح العفو في العديد من الجرائم بمعزل عن مدى ملاحقتها أو محاكمتها أو تنفيذ العقوبات التي قد تكون تقرّرت بشأنها، هذا فضلاً عن كون الكثير من حالات العفو هي عفو ذاتي عمّا ارتكبه أصحاب السّلطة والنفوذ أنفسهم. 

ثانياً، أنّ تحديد الجرائم المشمولة بالعفو وتلك المستثناة منه لم يستجب لمبدأَي التناسب والتخفيف من المخاطر اللذين يفترضان الموازنة بين أهمية ممارسة الحق العامّ من جهة والمخاطر الناجمة عن هذه الممارسة من جهة أخرى. وعليه، وفيما مُنح العفو العامّ لجرائم يشكّل التنازل عن الحق العامّ فيها خطورة أكبر من خطورة الاحتجاز، فإنّه حُجب عن جرائم أخرى تميل فيها كفّة الميزان لصالح ضرورة التخلّي عن ممارسة الحق العامّ بشأنها. وهكذا مثلاً، تمّ استثناء جرائم الأخلاق العامّة (وهي فيما عدا الاغتصاب جرائم قليلة الخطورة من حيث المبدأ وغالباً ما يلاحق فيها أشخاص من الفئات الاجتماعية الأقلّ حظوة) كما اشترط العفو العامّ بإسقاط الحق الشخصي بما يغلّب المصلحة المادية للمتضرّر الشخصي على حق المحكوم عليه أو الموقوف في الحياة والصحة. 

اقتراحات بديلة تكسر أحادية العفو العامّ في معالجة اكتظاظ السّجون

في موازاة ما تقدّم من فشل في التوافق على قانون للعفو العامّ، بقيت المبادرات التشريعية من جانب السّلطة التنفيذية (وزارة العدل والحكومة) عند حدّها الأدنى. فإلى جانب سعي وزارة العدل إلى استصدار مرسوم عفو رئاسي خاص (وهو مرسوم لم يصدر)، اكتفت الحكومة على الصعيد التشريعي، بتقديم مشروع قانون لإعفاء المحكوم عليهم كما سبق بيانه، وهو مشروع قانون لم يحظَ بأيّ استعجال من قبل مجلس النوّاب. أما على صعيد المبادرة التشريعية للنوّاب، فقد اقتضى أن ننتظر حتى انعقاد جلسة 21 كانون الأول 2020 لنرى بروز أوّل اقتراحَي قانون (اقتراحين للنائب جميل السيّد ولنوّاب اللقاء التشاوري) في هذا الشّأن. وفيما يسجّل إيجاباً لهذين المقترحين أنّهما خرقا أحاديّة العفو العامّ كطريق للتخفيف من اكتظاظ السّجون، فإنّهما يبقيان قاصرين عن تحقيق الهدف المعلن منهما (أي تخفيف الاكتظاظ) بصورة محسوسة، هذا فضلاً عن غلبة الاعتبارات الأمنية والتعويضات المالية وربما السياسية (أقلّه بالنسبة لاقتراح اللقاء التشاوري) على اعتبارات الصحّة العامّة. وهذا ما نتبيّنه بوضوح كلّي من مضمون هذين الاقتراحين كما نبيّن أدناه:  

الأوّل، وهو الاقتراح الصّادر عن النائب جميل السيّد بتاريخ 19 تشرين الأوّل 2020. وقد برّر السيّد ذلك الاقتراح بأنّ “جائحة الكورونا تستفحل يوماً بعد آخر ولا سيّما في السّجون المكتظّة بالمساجين وفي مراكز التوقيف المختلفة على الأراضي اللبنانية” وأنّ من شأن أيّ تأخّر في التصدّي لهذه الجائحة أن يؤدّي “إلى كارثة إنسانية ناتجة عن عدم القدرة على استيعاب الحالات الصحّية المتزايدة”. ولم ينسَ السيّد أن يستهلّ أسبابه الموجبة بالإشارة إلى “تعذّر التوصّل إلى اتفاق سياسي حول قانون العفو العامّ” في إشارة واضحة منه إلى أنّه يطرح اقتراحه كبديل للتخفيف من اكتظاظ السّجون في ظلّ تعثّر العفو العامّ. 

ويتحصّل من مضمون الاقتراح أفكار عدّة للتخفيف من حدّة الاكتظاظ، أهمّها تخفيض العقوبة السجنيّة المحكوم بها. ولهذه الغاية، اعتمد الاقتراح حساباً مختلفاً للسنة السجنيّة (ستة أشهر بدلاً من 10 حاليّاً وذلك للمحكومين حاليّاً أو الموقوفين الذين سيُحكمون مستقبلاً بعقوبة سجن لمدّة محدّدة). كما أنّه اعتبر عقوبة الإعدام معادلة لعقوبة 30 سنة سجنيّة وعقوبة السّجن المؤبّد معادلة لعقوبة 25 سنة، على أن تحتسب السنة السجنيّة هنا تسعة أشهر وليس ستّة كما ورد بالنسبة للعقوبات المحدّدة). إلّا أنّ هذا الاقتراح فقد الكثير من مفعوله في هذا الخصوص، من خلال اشتراط الاستحصال على إسقاط حقّ شخصي وذلك على غرار ما ورد بشأن اقتراح قانون العفو، وعلى نحو يؤدّي إلى إعطاء المتضرّر الشخصي سلاحاً بالغ الخطورة هو العفو إذا أراد والعقاب إذا لم يرد ذلك… كلّ ذلك نيابة عن المجتمع (صاحب الحق العامّ من حيث المبدأ) برمّته. 

وما يزيد من قابلية هذا الاقتراح للنّقد هو أنّه وضع حدّاً أقصى للتوقيف الاحتياطي في الجنح والجنايات، بحيث يُخلى سبيل أيّ موقوف تجاوزت مدّة توقيفه هذا الحدّ. لكنّ الاقتراح بدا من هذه الوجهة عقيماً في الكثير من حالات التوقيف الاحتياطي بحيث وضع حدّاً أقصى أعلى من الحدّ الأقصى للتوقيف الاحتياطي المنصوص عليه في المادة 108 من قانون أصول المحاكمات الجزائية والذي هو 4 أشهر للجنح وسنة للجنايات. هذا فضلاً عن اشتراط ورود إسقاط عن الحق الشخصي بخلاف ما ينصّ عليه قانون أصول المحاكمات الجزائية الذي يفرض الإفراج بحقّ، عند بلوغ الحد الأقصى. وكان يقتضي هنا على العكس من ذلك تماماً أن يخفّض الاقتراح الحدّ الأقصى أو أن يعلّق العمل بأحكام التوقيف الاحتياطي في مجمل الجرائم التي لا ترشح عن خطورة كبيرة وفقاً لما اقترحته “المفكرة” عملاً بمبدأَي التخفيف من المخاطر والتناسب. ويعتقد أنّ هذا الإجراء وحده يسمح بمعالجة إشكالية اكتظاظ السّجون، حيث يشكّل عدد الموقوفين بانتظار المحاكمة غالبيّة نزلاء السجون. 

ونذكر هنا أنّ هذا الاقتراح يبيّن لائحة الجرائم التي يعدّها خطيرة والتي لا يستفيد المحكومون والموقوفون فيها من أحكامه، علماً أنّ اللائحة طويلة جداً على نحو يؤدّي هنا أيضاً إلى الحدّ من مفاعيله (الموقوفون بأحكام وقرارات المجلس العدلي، الجرائم الواقعة على أمن الدولة الخارجي والداخلي من دون تفريق وفقاً للخطورة، جرائم المخدّرات في حالات التّصدير والتّصنيع والاستيراد والتمويل بقصد الاتّجار الدولي، قتل مدنيين أو عسكريين أو حرمان حريّتهم أو التسبّب بعاهة دائمة لهم وترؤّس عصابة مسلّحة أو تولّي وظائف قيادية فيها للقيام بأعمال إرهابية وجرائم الخطف من أجل الفدية وجرائم هدر المال العامّ وجرائم السّلب المسلح). ويلحظ في المقابل إخراج الأعضاء غير القياديين في منظّمات إرهابية والمزارعين ومروّجي وتجّار المخدّرات داخل لبنان من الاستثناء، بما يتماشى مع مطالب تيار المستقبل والثنائي الشيعي. 

بقي أن نشير إلى بند بالغ الأهمّية ورد في الاقتراح وتضمّن إسقاط “كلّ البرقيات ووثائق الاتّصال وبلاغات البحث والتحرّي والتقصّي وكتب المعلومات والإخضاع والتعاميم وبلاغات الاستقصاء المعمّمة بدون إشارة قضائية خلافاً لأحكام قانون أصول المحاكمات الجزائية والصادرة قبل تاريخ هذا القانون. وفيما يفيدنا الاقتراح لجهة إحصائه مجمل التدابير المتّخذة من الأجهزة الأمنية في هذا الخصوص، فإنّه يُخشى أن يفهم من تدخّل المشرّع لإسقاطها ضمن اقتراح لتخفيف اكتظاظ السجون على أنّه إقرار بشرعيّتها وبخاصّة أنّ إسقاطها اتّصل فقط بما صدر منها قبل صدور القانون المرتقب. بمعنى أنّه يُخشى أن يترافق إسقاط ما صدر منها ماضياً مع تشريع ما سيصدر منها مستقبلاً. ولا بدّ تالياً من ضبط النصّ في هذا الخصوص منعاً لأيّ التباس. 

أمّا الاقتراح الثاني، وهو الاقتراح الصّادر عن النوّاب فيصل كرامي وعدنان طرابلسي وعبد الرحيم مراد (من كتلة اللقاء التشاوري). وفيما ذكر واضعو هذا الاقتراح أزمة كورونا ضمن أسبابه الموجبة إلى جانب معطيات أخرى منها تأهيل المحكوم عليه ومبدأ التوازن بين مصالح المتّهم أو أشخاص المدان وتحقيق العدالة بين مصالح المتهم أو الشخص المدان وتحقيق العدالة ومصالح المجتمع بأسره، فإنّه لم يشرْ من قريب أو بعيد إلى قانون العفو. وقد نصّ هذا الاقتراح على منح عفو جزئي يوازي تخفيض العقوبة المحكوم بها إلى ثلثي مدّتها، مع تحويل عقوبتي الإعدام والمؤبّد إلى عقوبات سجنيّة (25 سنة و20 سنة). وقد بدا واضحاً أنّ هذا الاقتراح يهدف إلى معالجة مسألة الإسلاميين المحكومين بعقوبات عالية على نحو يجعله هو الآخر مبنياً على اعتبارات سياسية أكثر ممّا هو مبني على اعتبارات اجتماعية أو صحية. والدليل على ذلك أنّه لم يخصّص أيّة أحكام خاصّة للتخفيف من أحكام التوقيف الاحتياطي إلّا بالنسبة للموقوفين الذين فاقت مدّة احتجازهم ثلثي الحدّ الأقصى للعقوبة التي يمكن أن يحكم فيها فيما لو تمّت إدانتهم. وهنا أيضاً تكاد تكون هذه المدّة أعلى من الحدّ الأقصى المحدّد في قانون أصول المحاكمات الجزائية.

وعليه، وفيما يسجّل إيجاباً مجدّداً أنّ النوّاب المذكورين خرقوا بمبادرتهم أحاديّة العفو العامّ في معالجة الاكتظاظ، فإنّ مبادرتهم ما زالت قاصرة وتحتاج إلى مزيد من التطوير في اتّجاه تخفيف المخاطر.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، إقتراح قانون ، احتجاز وتعذيب ، البرلمان ، الحق في الصحة والتعليم ، المرصد البرلماني ، جائحة كورونا ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، عدالة انتقالية ، قضاء ، لبنان ، مجلة ، مجلة لبنان ، محاكم جزائية ، محاكمة عادلة ، محاكمة عادلة وتعذيب



لتعليقاتكم