أزمة التضخّم في الثمانينيّات (3): المقاربة الاقتصادية السياسيّة


2021-03-24    |   

أزمة التضخّم في الثمانينيّات (3):  المقاربة الاقتصادية السياسيّة

في الجزئين الأوّل والثاني من هذه السلسلة، أشرنا إلى أنّ السبب المباشر لأزمة التضخّم المفرط في الثمانينيّات كان إقراض المصرف المركزي المستمر للحكومة لسد عجوزات الخزينة المتراكمة بعد اجتياح 1982. كما لفتنا النظر إلى التشوّه البنيوي في الاقتصاد منذ ما قبل الاستقلال، والذي ترافق وغياب السياسات الاقتصادية والماليّة. نكمل في هذا الجزء سرد ما جرى خلال الثمانينيّات، حيث أسفرت موجات التضخّم التي تتالت بين 1982 و1992 عن تعويم فئات اجتماعيّة على حساب فئات أخرى. كما كانت الدولة قد تمكنّت من إطفاء ديونها المتراكمة بالليرة جرّاء فروقات سعر الصرف كما أوضحنا في ختام الجزء الأوّل[1]. ونسعى في هذا الجزء إلى تقديم مقاربة جديدة للأزمة وهي المقاربة الاقتصادية السياسيّة. وقد ميّزنا من خلالها بين النزاعات داخل القطاعات الاقتصادية، الطبقات الاجتماعية، وكذلك النزاعات بين مدّخر بالليرة ومدّخر بالدولار وبين مودع ودائن إلخ. ونولي اهتماماً خاصاً لدور المصارف في تفاقم الأزمة بسبب سياسات المضاربة التي اتّبعتها. كما نتطرّق إلى نتائج الأزمة الاقتصادية التي طبعت النصف الثاني من مرحلة الحرب اللبنانيّة (1982-1990)، ونشير إلى الأسباب التي تدعو إلى عدم مقارنة أزمة الثمانينيّات مع الأزمة التي يمرّ بها لبنان اليوم.

التضخّم هندسة اجتماعيّة على حساب الفقراء

في الشق العلمي النظري، يعتمد الاقتصاديون النيوكلاسيكيون في تفسير أسباب أزمة التضخّم المفرط المقاربة نفسها التي يلجأون إليها لشرح حالات التضخّم العادي، فيحمّلونها لعجز المالية العامّة وطريقة تمويل هذا العجز. في المقابل لا ينفي الاقتصاديّون البنيويّون structuralistes دور هذه العناصر ولكنّهم يعيدون أصل المشكلة إلى حركة التنازع بين الأفرقاء الاجتماعيين لحيازة أكبر حصّة من الدخل الوطني ودور المسلكيات التضخمية للفئات الاجتماعية المختلفة[2]. وقد سألت “المفكرة” الأستاذ الجامعي ألبير داغر عن رأيه حول أسباب أزمة الثمانينيّات فاعتبر أنّه في الواقع موضوع نزاع على توزيع الثروة (conflits distributifs)، بين المقرضين والعملاء فضلاً عن العامل الخارجي المتمثّل في مصالح دول كبرى تدخّلت بالأزمة اللبنانيّة. ومن منطلق النزاع على توزيع الثروة أيضاً، شدّد كلّ من الأستاذ الجامعي غسّان ديبة والصحافي الاقتصادي محمد زبيب في مقابلة مع “المفكرة” على أنّ هناك أطراف عدّة كان لها مصلحة في التضخّم. وقال ديبة إنّ الدولة استفادت من التضخّم لإطفاء ديونها، فيما استفاد الصناعيّون من تدنّي قيمة أجر العمّال، بينما استفادت المصارف من رفع معدّلات الفوائد (علماً أنّ معدّل الفائدة هو تعبير عن سعر المال، أي سعر السلعة التي تتاجر بها المصارف). بدوره وصف زبيب “التضخّم المفرط” بكونه أداة للهندسة الاجتماعيّة، بحيث أدّت سياسة الجنوح نحو التضخّم المفرط من قبل السلطات النافذة إلى توسيع الهوّة بين الطبقات، وتركّز الثروات وتوسّع دائرة الفقر.

وأوضح رئيس “المركز الاستشاري للدراسات والتوثيق” عبد الحليم فضل الله في ورقة بحثيّة بعنوان “جذور التباين الاجتماعي والاقتصادي في لبنان” كيف انعكس التكوين السياسي والاقتصادي للبنان على التوازنات القطاعية والطبقية منذ الاستقلال، وكيف صار النظام الطائفي الآلية التي يتمّ من خلالها توزيع الثروة، إذ “كانت الزراعة والصناعة تؤمّنان حوالى ثلث الناتج الوطني وما يقارب 90% من مداخيل السكان. وفي المقابل استحوذ 10% ممن يعتاشون من أنشطة الخدمات على أكثر من ثلثي الناتج”[3]. وأضاف أنّه “عام 1949، كان عمّال التجارة يكسبون ضعف ما يتلقاّه عمّال الزراعة وأكثر بالثلث من عمّال الصناعة. وبلغ متوسط دخل أرباب العمل الصناعيين 23 ضعف دخل العمّال الصناعيين، وكان أصحاب المؤسسات الصغيرة الناشطة في التجارة الداخلية، ينالون سبعة أضعاف ما يناله عمالهم”. أمّا لناحية توزيع الثروات ما بين المناطق، فقد كان متوسط دخل القاطنين في بيروت عام 1954 يزيد على خمسة أضعاف القاطنين في المناطق الريفية والزراعية، حسب فضل الله.

الأوليغارشية اللبنانيّة عابرة للقطاعات والطوائف

النزاعات هذه موضوع البحث، لا تنفصل عن السياسات الماليّة والنقديّة ولا عن أسس البنية الاقتصادية والخلل في توازن القطاعات الاقتصادية وكل ذلك لصالح هيمنة القطاع المالي المصرفي وكبار التجّار. فبحسب دراسة “الطغمة المالية في لبنان” لكمال حمدان ومروان عقل، فإنً أهم ما ميّز رأس المال المصرفي أواسط الخمسينيّات هو تشابكه مع رأس المال التجاري حتّى هيمن على النشاط الاقتصادي برّمته. وكانت جرت عمليّة فرز داخل البرجوازية ذاتها، أفضت إلى تكوين وبروز فئة مهيمنة تجارية-مصرفية تسيطر على مواقع أساسية مقرّرة في الاقتصاد اللبناني[4]. وكتب البروفيسور في الأنثروبولوجيا نجيب حوراني في ورقة بحثيّة تحت عنوان “صراع بين الرأسماليين” أنّه “بعد 14 عاماً من الاستقلال، أصبح القطاع المصرفي ربما أكثر قوّة من أيّ قطاع آخر في الاقتصاد اللبناني”[5]، مشيراً إلى انزياح واضح لميزان القوى من يد “التجارة الدولية” -التي ترسخّت فيها سمعة لبنان- إلى أباطرة المال (financial tycoons) والذين تشعبت مصالحهم من دُور بيروت التجاريّة إلى القطاع المالي والتأمين والعقارات والتنمية السياحية. فكان أصحاب البنوك الكبرى ومراكز التجارة إمّا الأشخاص ذاتهم أو ينحدرون من العائلات ذاتها. تحدّث حوراني عن صراع كان دائراً بين شبكات مصالح ماليّة أوليغارشيّة، اشتدّت وطأته في الثمانينيّات وقال إنّ العلاقات العابرة للحدود كانت مفتاحاً أساسياً لإنشاء تلك الشبكات. بالمحصلة ووفقاً لتحليل حوراني، فقد استطاعت الأوليغارشية اللبنانيّة أن تشكّل شبكات مصالح عابرة للقطاعات والطوائف ولكن أيضاً امتدّت الشبكة إلى شراكات وعلاقات مع الخارج في ظلّ تمدّد سياسات العولمة.

المصارف تتّبع سياسة المضاربة

في الثمانينيّات تحت وطأة الموجات التضخميّة، لم تتأثّر ربحية القطاع المصرفي على نحو سلبي، وبقيت تسجّل أرباحاً عالية في فترة 1975 إلى 1982 [6]. وكنّا قد ذكرنا في الجزء الأوّل أنّ تراجع التحويلات من الخارج ابتداءً من العام 1983 قد أدّى إلى تفاقم العجز التجاري وظهور عجز في ميزان المدفوعات، ما انعكس على القطاع الخاص بأكمله. و”وجد القطاع المصرفي نفسه أمام نسبة مرتفعة للغاية من الديون المشكوك في تحصيلها والديون الهالكة” حسب داغر[7]. ومع تدهور الأوضاع، باتت المصارف تخشى انخفاض قيمة الديون التي ترتّبت لها بذمّة الدولة أيضاً بسبب ضعف إيراداتها. وقد وضع داغر هذه التطوّرات ضمن السياق السياسي العام الذي تمثّل تلك الفترة بحالة الانقسام وازدياد حدّة النزاعات المسلحة، ما ولّد تشاؤماً لدى المدّخرين وأصحاب الرساميل وتوجهاً لحيازة العملات الأجنبية. و”نشأت بالتالي استراتيجية قائمة على المضاربة[8] طبعت كل المسلكيات الخاصة آنذاك ومثلت ترجمة لمقاربة مفادها أن على كل واحد أن ينجو بنفسه، واتخذت شكلاً موحداً، هو الدولرة. وكانت عمليات شراء الدولار تحصل داخل القطاع المصرفي ومن خلاله، لصالح هذا المصرف أو ذاك، وأحيانًا بأسماء مغفلة، أو لمصلحة المودعين أنفسهم”، وفقاً لداغر.[9]

كما تم استخدام سوق اليوروبوند للمضاربة ما دفع مصرف لبنان في كانون الأول 1986 إلى منع المصارف غير المقيمة من تلقّي الودائع أو تقديم القروض أو فتح الحسابات بالليرة اللبنانية، وتمّ حظر القروض بالعملة المحلية لغير المقيمين[10]. وقال غسّان ديبة في ورقته البحثيّة بعنوان “السياسة الاقتصادية للتضخّم وتخفيض سعر صرف العملة في لبنان بين 1984 و1992” إنّ “ظهور فقاعة المضاربة أدّى إلى تغيير في تكوين الاستثمار الكلّي بعيدًا عن الاستثمارات الإنتاجية طويلة الأجل ونحو تمويل أنشطة المضاربة ذات المخاطر العالية، سواء في العقارات أو أسواق الصرف الأجنبي”[11]. فكانت المؤسسات الصناعية تغلق عملياتها وتتحول إلى المضاربة العقارية. وشرح ديبة أنّ إعادة التقارب في المصالح بين المصارف والصناعيين والشركات غير المالية الأخرى ساعد في إتاحة بيئة أكثر ملاءمة للتضخم.

ابتداءً من العام 1986، عمل حاكم المصرف المركزي إدمون نعيم (1985-1991) على تخفيض حجم السيولة المتوفرة لدى المصارف, والتي كان يمكن استخدامها لتغذية المضاربة. في آذار 1986، انتقد الصحافي الاقتصادي مروان اسكندر ترك المصرف المركزي وحيداً بمواجهة تدنّي سعر الصرف، وذلك باللجوء إلى السياسة النقديّة وحدها دون السياسة الماليّة. إلّا أنّ اسكندر انتقد كذلك سياسة تثبيت سعر الصرف من قبل المركزي، “فهذه السياسة تعتبر إجبار المصارف على التمسّك بما بقي لها من سيولة كأنّه سيمنع المضاربات”[12]، متحدّثاً عن مليارات من الليرات اللبنانيّة في حسابات لدى المصارف في الخارج لا تخضع لسياسات مصرف لبنان. وبدا أنّ حلّ الأزمة لم يعد متعلّقاً بإيجاد أدوات تقنيّة للحفاظ على الوضع القائم.

في الفترة نفسها تقريباً كتب عصام الجردي في جريدة “السفير” عن خلافات بين مصرف لبنان وجمعيّة المصارف عكست برأيه عمق الأزمة الاقتصادية والماليّة. واعتبر الجردي أنّ ما نشهده الآن من تنافس في الرؤية لدى المسؤولين عن السياسة المالية والسياسية والنقديّة والقطاع المصرفي ينمّ عن “أنّ أي إجراءات قد تتّخذ من دون جرعة سياسيّة كبيرة جداً لن تقوى على إيجاد حل مرضٍ وإن كان غير نهائي إذا كان ذلك الحل من شأنه توفير أسس البحث في حلول عندما يكون الوضع السياسي والأمني في البلاد قد سمح بذلك”. وتحدّث الجردي عن عمليات كرّ وفرّ بين المركزي والمصارف حول السيولة، “المركزي” من خلال سياسات مثل رفع الاحتياطي الإلزامي، والمصارف من خلال الإحجام عن الاكتتاب بسندات الخزينة التي كان يصدرها المركزي لتمويل دين الحكومة.[13]

التطبيع مع المضاربة

تحدّث ألبير داغر في ورقته البحثيّة عن النزاع بشأن توزيع الدخل كمحدّد لسعر الصرف مشيراً إلى أنّ اتفاق 7 على الأقل من بين المصارف الـ10 الكبار في لبنان فيما بينهم، كان كافياً لتغيير وتعيين سعر صرف العملة اللبنانية. بالتالي لا يعود أمر تحديد هذا السعر إلى السلطات النقدية وإنّما إلى المتعاملين من القطاع الخاص في سوق القطع[14]. وكان هناك رأياً شائعاً في الأوساط القضائيّة والاقتصادية في الثمانينيّات، يرى بأنّ المضاربات لا تشكّل جرماً، بينما كان لحاكم مصرف لبنان إدمون نعيم (1985-1991) رأي مغاير[15]. سألت جريدة “السفير” نعيم في 1 نيسان 1986 عن سبب عجزه عن كشف المخالفات في إطار المضاربة على الليرة، ومن ثمّ محاسبة المخالفين فقال إنّ “شراء وبيع العملة اللبنانيّة والعملات الأجنبيّة يمكن إذا ما اقترنا ببعض الظروف أن يشكلا جرماً يطاله قانون العقوبات”. وأضاف نعيم أنه وفي حال اعتبار هذا العمل جرماً “فهناك من يقول إنّ السريّة المصرفيّة المنصوص عنها في قانون 1956 لا تسمح بكشف على القيود التي تثبت هذا الجرم”[16].

في الواقع، تحرّك المجلس المركزي لمصرف لبنان في أيّار طالباً من لجنة الرقابة على المصارف “تزويده وبالسرعة القصوى بلائحة بأسماء المصارف التي قامت خلال الأيام القليلة الماضية بعمليات المضاربة ضد الليرة لإحالتها إلى القضاء”[17]. ردّ رئيس لجنة الرقابة على المصارف وليد نجا في اليوم التالي أنّ اللجنة أرسلت عشرات الرسائل واللوائح والمذكرات إلى حاكم المصرف والتي تتضمن أسماء المصارف المخالفة وقيمة الغرامات المترتبة على كل منها. ولكنه اعتبر أنّ “القوانين المرعيّة الإجراء التي تنظّم عمل لجنة الرقابة لا تسمح للجنة بإفشاء أسماء المصارف والغرامات التي ترتبت عن مخالفتها إلّا لشخص الحاكم فقط”[18]. ونقل داغر أنّ المركزي خلال تلك الفترة كان يرسل إلى قاضي التحقيق لوائح صادرة عن الحاسوب دون تحديد للإسم “ولم يكن هذا الأمر يؤدّي إلى أيّة نتيجة”.

في أيار 1986، وقع خلاف بين حاكم مصرف لبنان إدمون نعيم ووزير المالية آنذاك كميل شمعون بعدما طالبت وزارة المال بعشرة مليارات ليرة كفروقات قطع من مصرف لبنان. واعتبر وزير الأشغال العامة والنقل وليد جنبلاط حينذاك، أنّ هذه المطالبة تهدف إلى تدهور الليرة وتمويل المناطق الشرقية وميزانية الدفاع. وفي أواخر أيار 1986، صرّح رئيس الحكومة رشيد كرامي، على إثر اجتماع له مع نعيم والمدير العام لوزارة المال خطّار شبلي –”بحث معهما في الخلاف بينهما الناجم عن مطالبة وزير المال كميل شمعون المصرف بإيداع الوزارة 10 مليارات ليرة كفروقات قطع معظمها أرباح دفتريّة”[19]-، أنّ معالجة الوضع الاقتصادي وخصوصاً الجانب النقدي بالوسائل الروتينيّة باتت لا تفي بالغرض ولا تحقق النتائج المرجوّة[20]. وفي حزيران 1986، كتب عدنان الحاج في جريدة “السفير”، أنّ “الدولة أصبحت بعيدة عن هموم المواطن لأن همومها وخلافات أجهزتها المالية الداخلية صارت أكبر من همّ المواطن”، على اعتبار أنّه لا يوجد مسؤول واحد في المناطق عامّة يهتمّ بمصالح وهموم المواطن، وهي التي برأي الحاج من المفترض أن “تكون منطلقاً لأهداف كل الأحزاب والحركات السياسيّة”[21].

سبب غياب الحلّ السياسي

استمرّ تدهور الأوضاع وصولاً إلى اغتيال كرامي في حزيران 1987. بعد ذلك بأشهر قليلة، صرّح سليم الحص الذي تولّى رئاسة الحكومة بالوكالة أنّ الشخصيات التي تسيطر على الحكم والحكومة تستنزف إمكانيّات البلد والدولة والمجتمع بكل أساليب الابتزاز والاحتكار والتجارة. وأضاف أنّ “وقف التدهور ممنوع والذين يمنعونه هم أولئك الذين يقبضون على مقدرات البلاد والعباد في مراكز المسؤوليّة وخارجها”[22]. وشرح الحصّ سبب عدم رغبة هؤلاء في إيجاد حل سياسي، فأشار إلى أنّ “من يملكون 85% من موارد البلد بالعملات الأجنبيّة (يقصد الودائع) لا مصلحة لهم بوقف تدهور العملة اللبنانيّة، لأنهم يستفيدون من ارتفاع أسعار العملات الأجنبيّة والدولار”. وازدادت حدّة الأزمة أواخر ذلك العام، ففي حين أنّ موجودات خزائن القطع من العملات الأجنبيّة كانت بلغت 2673 مليون دولار نهاية عام 1982، تراجعت هذه الموجودات إلى نحو 385 مليون دولار في نهاية أيلول 1987، كي تفقد الليرة اللبنانيّة أهم عنصر من عناصر تثبيت سعر صرفها[23].

نتائج التضخّم

أسفرت أزمة الثمانينيّات عن نتائج ما زلنا نعاني من تداعياتها حتى اليوم:

  • هندسة اجتماعيّة جديدة تمثّلت غالباً في تعميق الفوارق بين الطبقات لصالح الطبقات الغنيّة ومن يملكون سيولة عالية بالدولار، على حساب الفقراء ومن لا يملكون هذه السيولة.
  • هجرة كثيفة لليد العاملة ذات الكفاءات والتدريب العلمي.
  • انحسار دور الليرة في الاقتصاد اللبناني، ذلك أنّ العملة لها ثلاث وظائف فهي مقياس للقيمة ومدخّر للقيمة ووسيلة للدفع. علم 1987، رأى محمد الأطرش في مقالة في جريدة “السفير” أنّه “من الواضح أنّ دور الليرة اللبنانيّة في القيام بهذه الوظائف بدأ ينحسر وبدأت العملات الأجنبيّة تقوم بهذا الدور عوضاً عنها”[24].
  • أدّى انحسار وظائف الليرة بدوره إلى تدهور وضع الدولة اللبنانيّة وتآكل سيادتها، لأنّ عملة أي بلد هي رمز لسيادته.
  • انحسار وظائف الليرة أدّى أيضاً إلى فقدان المصرف المركزي السيطرة على السياسة النقديّة فأصبحت تدخّلاته في السوق بائعاً العملات الأجنبيّة لتحقيق سعر معيّن لليرة أقلّ فعاليّة.
  • الدولرة الواسعة وغير الرسميّة للاقتصاد، وهي التي تواصلت بمعدلات مرتفعة حتّى بعد انتهاء الحرب. كما أشار زبيب خلال مقابلته مع “المفكرة”، إلى أنّ نسبة دولرة الودائع لم تتراجع إلى ما دون 57%، كما بقيت نسب دولرة الشيكات المصرفيّة بين 70 و80%. وخلال الأزمة التي يمرّ بها لبنان اليوم زادت نسب الدولرة على نحو واسع، كما أشار زبيب. وقال إنّ “الدولة ساهمت بتكريس الدولرة فقد سمحت بتحرير رساميل لشركات بالدولار”. وسمحت الدولة لبعض المصارف تكوين بعض أشكال الرساميل لديها بالدولار، حيث جرت تعديلات قانونيّة سمحت باستخدام الدولار كأصول لرساميل الشركات. إضافة إلى ذلك، فقد “تعاملت الدولة بعقود بالدولار، والدولة سعّرت بالدولار” حسب زبيب. ويعطي مثلاً “خدمات الاتصالات مسعّرة بالدولار رغم كونها ملكاً للدولة، يدخل إيرادات للدولة، لكنّ الإيرادات هذه مدولرة”، وكذلك أتمّت الدولة عقود أشغال عامّة بالدولار ويضاف إلى كلّ ذلك إصدار الدولة لسندات دين بالدولار. “الدولة لم تكن مجبرة أن تستدين بالدولار” وكل ذلك لمنح “حماية استثنائيّة” للمتعهّد أو العميل من انهيار سعر الصرف.  

أزمة الثمانينيّات لا تشبه أزمة اليوم

وشدّد زبيب على اختلاف أزمة الثمانينيّات عن الأزمة التي نعيشها اليوم. “لم تكن الدولة موجودة فعليّاً، بالتالي فإنّ مصادر دخلها، والمعابر الحدوديّة، وكل أدوات وجود الدولة كجهاز، أو كمؤسّسة، كانت خاضعة لقوى الحرب”. كانت الدولة عاجزة عن القيام بما يجب أن تقوم به لمنع الانهيار. توقّفت الدولة عن الجباية وعن التحكّم بمرافقها الاقتصادية. أما اليوم، فالدولة موجودة، ونحن أمام حالتين مختلفتين وإن بدت بعض النتائج متقاربة. رغم ذلك، يقول زبيب، بقيت المصارف طوال تلك الفترة تتمتع بسيولة عالية بالدولار وبالليرة، ولم تتوقف سحوبات القروض كما هي الحال اليوم. ويضيف زبيب “إذا ما أردنا نضع فرضيّة -ساذجة- تمحو آثار الحرب من عام 1975 حتى عام 1982، كنا لنرى أنّ المؤشرات الاقتصادية ليست سيئة. كان النشاط الاقتصادي ليستمرّ وما كان ليحصل انكماش اقتصادي ولا كانت الأوضاع الاقتصادية لتتدهور، ولا كانت الأجور لتتدهور على نحو واسع، وكانت الليرة لتراوح المعدلات التي كانت عليها قبل الحرب أي بين معدّل 2,5 و3,5 ليرات للدولار”.

خلاصة

وصف ألبير داغر في مقالة في “جريدة الأخبار”، لبنان بأنّه دولة باتريمونيالية حيث تتنظّم علاقة الدولة بالمواطن لا على أساس مبدأ المواطنة إنما على أساس زبوني وعبر أساليب وقنوات غير رسمية. وباختصار فإنّ الدولة الباتريمونيالية هي الدولة التي يستخدم محتلّو المواقع العامّة فيها مواقعهم من أجل المنفعة الشخصية فقط. وقد شرح داغر أنّ هذا النوع من الدول هو معادٍ للنمو الاقتصادي لأنّ النخبة الباتريمونيالية تكون غير معنية بأهداف التنمية، وتستولي على الموارد المخصّصة للتنمية من أجل الاستخدامات الخاصّة للزعماء لكي يستثمروها سياسياً[25]. في الواقع، شكّلت الثمانينيّات مرحلة تحوّل بنيوي في النظام الاجتماعي الاقتصادي اللبناني، وحصل ذلك التحوّل في وقت كان اللبنانيون، على اختلاف انتماءاتهم الطبقيّة والمهنيّة، قد تعبوا من القتل والخطف والتهجير والتدهور في وضعهم المعيشي. وتمّ إطفاء ديون الدولة على حساب كافة فئات المجتمع، وعزّزت الميليشيات هيمنتها على القوانين والمؤسّسات والإدارات العامة، ومن ورائها عزّزت الأوليغارشيّة التجاريّة-الماليّة مصالحها ونفوذها على حساب مختلف الفئات الاجتماعيّة. واليوم، بعد ثلاثة عقود على نهاية الحرب وأزمة التضخّم المفرط، لا زالت تلك النخب الباتريمونيالية مسيطرة على مقدّرات الدولة وغير عابئة بأوضاع الناس. لكننا نجد أنفسنا أمام مرحلة انتقاليّة جديدة للمجتمع. فهل يبقى لبنان خاضعاً لسطوة الأقليّة الأوليغارشيّة الحاكمة أم ننتقل إلى نظام رعاية اجتماعيّة يقيم الاعتبار لشتى القطاعات والمهن والفئات الاجتماعيّة المهمّشة، ولا يكون محصوراً في مدار أقليّة من أصحاب النفوذ والقرار العنفيين والمخرّبين والمبدّدين لثروات الدولة؟

[1]  “وقد انخفض الدين العام من أعلى مستوى بلغه وهو 6,45 مليار دولار عام 1982، إلى 2,23 مليار دولار في العام 1990, في حين أنّه زاد بالأسعار الإسمية بين هذين التاريخين، بمقدار 40 ضعفاً”.

د. ألبر داغر. سياسة سعر صرف العملة: التجربة اللبنانية والدور المطلوب من هذه السياسة. مجلة الدفاع الوطني، العدد 42، تشرين الأول 2002

https://bit.ly/33ZVdFG

[2] ألبر داغر. سياسة سعر صرف العملة: التجربة اللبنانية والدور المطلوب من هذه السياسة. مجلة الدفاع الوطني، العدد 42، تشرين الأول 2002

[3] عبد الحليم فضل الله. جذور التباين الإجتماعي والاقتصادي في لبنان: تحليل العوامل والأسباب من نهاية القرن التاسع عشر وحتى نشوب الحرب الأهلية. مجلة بحوث اقتصادية؛ العددان 76-77؛ خريف 2016 – شتاء 2017

[4]  كمال حمدان، مروان عقل. الطغمة الماليّة في لبنان. مجلّة الطريق، 1979

[5] Najib Hourani (2015): Capitalists in Conflict: The Lebanese Civil War Reconsidered, Middle East Critique

[6] G. Dibeh (2002) The Political Economy of Inflation and Currency Depreciation in Lebanon, 1984-92, Middle Eastern Studies, 38:1, p41

[7]  ألبير داغر. سياسة سعر صرف العملة: التجربة اللبنانية والدور المطلوب من هذه السياسة. مجلة الدفاع الوطني اللبناني، العدد 42 – تشرين الأول 2002

” وقد شكلت هذه الديون خلال العام 1984, نسبة 40% من التسليفات التي وفرها القطاع المصرفي لمؤسسات القطاع الخاص, وما يوازي 16% من مجموع أصول المصارف.”

[8]   ألبير داغر يشرح كيف تتم المضاربة:

“ولنفترض على سبيل المثال, أنه جرى افتتاح سوق القطع على أساس سعر معين للدولار. ولا تلبث هذه السوق أن تشهد بعد حين طلبًا على هذه العملة, لا يجد عرضًا يقابله. ويعبر ذلك عن تمنّع البائعين المفترضين عن البيع. وينتظر هؤلاء المتعاملون إرتفاع سعر الشراء الذي يعرض عليهم. الأمر الذي لا يتأخر بالحدوث. وبمجرد أن يرتفع هذا السعر إلى حد معين, فإن ارتفاعه يؤدي الى ظهور عرض ما لهذه العملة. إلا أن هذا الاخير يبقى غير كاف لتلبية حاجات الطلب, وإيقاف حركة الارتفاع في السعر. ويستمر سعر الدولار بالصعود حتى يبلغ المستوى الذي يريده, أو الذي قرره, أو اعتبره مناسبًا المتعاملون من القطاع الخاص في سوق القطع. وبالتالي, فإن ما كنّا نقع عليه لجهة العرض والطلب, كان يجسّد حركات مقصودة أو متعمّدة بهدف تحقيق تدهور أو تحسّن مصطنعان لسعر صرف الليرة. وقد كانت إحدى خصائص سوق القطع خلال الثمانينات, أن مبالغ صغيرة, لا بل زهيدة, كانت تكفي لإسراع عملية رفع لسعر الدولار سبقت برمجتها.”

[9]  ألبير داغر. سياسة سعر صرف العملة: التجربة اللبنانية والدور المطلوب من هذه السياسة. مجلة الدفاع الوطني اللبناني، العدد 42 – تشرين الأول 2002

[10] G. Dibeh (2002) The Political Economy of Inflation and Currency Depreciation in Lebanon, 1984-92, Middle Eastern Studies, 38:1, p43

[11] G. Dibeh (2002) The Political Economy of Inflation and Currency Depreciation in Lebanon, 1984-92, Middle Eastern Studies, 38:1, p44

[12]  مروان اسكندر. تحريك الاقتصاد  هدف أوّل. جريدة النّهار، 10 آذار 1986

[13]  عصام الجردي. تنسيق السياسات النقديّة المصرفيّة. جريدة السفير، 7 آذار 1986

[14] ألبير داغر. سياسة سعر صرف العملة: التجربة اللبنانية والدور المطلوب من هذه السياسة. مجلة الدفاع الوطني اللبناني، العدد 42 – تشرين الأول 2002

[15]   سعدى علوه. The Banker in the Bunker أو حين نتذكّر حاكم مصرف لبنان السابق إدمون نعيم. المفكرة القانونيّة، 24 نيسان 2020

نشرت هذه المقالة في العدد | 64 | نيسان 2020، من مجلة المفكرة القانونية بعنوان ” قبح النظام في مرآة المصارف”

https://bit.ly/3h3T2au

” حاول الحاكم عبر المجلس المركزي لمصرف لبنان التخطيط لإعادة تكوين الإحتياطي الخارجي والحد من تسليف الخزينة اللبنانية إستثنائياً وتشجيع الاكتتاب بسندات الخزينة وطرحه للجمهور وإعادة التوازن بين حجم الودائع وحجم التسليفات والحد من المضاربة بالليرة عبر تجنّب طبع العملة من دون تغطية الذهب أو العملة الأجنبية.

كما وجّه نصائح إلى الحكومة بالإمتناع عن الإنفاق غير المنتج، ورفْعِ الدعم عن المحروقات للحدّ من التضخم، وإعادة السيطرة على المرافئ الشرعيّة، وإغلاق غير الشرعيّة منها، والتوقّف عن تحويل 80% من فروقات القطع إلى حساب الخزينة اللبنانية، حيث اعتبر نعيم أنها حسابات دفترية (أي موجودة على الدفاتر فقط) وليست ناتجة عن نمو فعلي واقتصادي. فجّرت خريطة نعيم في مرحلتيها أزمتين في وجهه: الأولى مع المصارف والثانية مع وزارة المالية.

على جبهة القطاع المصرفي، اعتبرت المصارف أنّ فتح الإكتتاب بسندات الخزينة للجمهور يحول دون احتكارها لأموال المودعين من جهة ومن جهة أخرى سحب السيولة من بين أياديها منعاً للمضاربة بها، خصوصاً بعدما فرض عليها الحاكم الإكتتاب بـ20% من ودائعها بسندات الخزينة بالليرة اللبنانية.

وفي محاولة من مصرف لبنان لضبطِ الأمور، والحدّ من المضاربة على الليرة، حظّر على المصارف المقيمة تلقّي ودائع أو تقديم تسليفات أو فتح حسابات بالليرة اللبنانية للمصارف غير المقيمة والمؤسسات المالية والصيرفية غير المقيمة، وذكّرها بحظر التسليفات بالليرة اللبنانية لغير المقيمين، ودعاها إلى تصفية التسليفات كافة لغير المقيمين خلال مدة تنتهي في 31 كانون الأول 1986 تحت طائلة إحالتها إلى الهيئة المصرفية العليا.”

[16] حاكم مصرف لبنان في حوار مع جريدة السفير، 1 نيسان 1986″.

[17] المجلس المركزي يكلّف القضاء ملاحقة المضاربين. جريدة السفير، 8 أيّار 1986

[18] نجا يحتج على طلب المجلس المركزي تزويده بجداول المصارف المضاربة. جريدة السفير، 9 أيّار 1986

[19]  ضغط الدولار.. لم يحرّك الجمود السّياسي. جريدة السفير 28 أيّار 1986

[20]  كرامي يعتبر المعالجة الفعليّة للوضع الاقتصادي تتطلب حد من الإستقرار السياسي الأمني. جريدة السفير 28 أيّار 1986

[21]  عدنان الحاج. مستفيدون ومتضرر واحد. جريدة سفير، 12 حزيران 1986

[22]  الحص: وقف التدهور ممنوع والفاعليّات سبب البلاء. جريدة السفير، 8 تشرين الأوّل 1987

[23]  فادي فرحات. العناصر المكوّنة لتثبيت سعر صرف الليرة. جريدة السفير، 26 تشرين الأوّل 1987

[24]  د. محمد الأطرش. أزمة الليرة اللبنانيّة وبعض سبل معالجتها. جريدة السفير 17 تشرين الثاني 1987

[25] ألبير داغر. النخبة في لبنان. جريدة الأخبار، 18 كانون الأول 2019

انشر المقال

متوفر من خلال:

أطراف معنية ، البرلمان ، تحقيقات ، تشريعات وقوانين ، حركات اجتماعية ، سلطات إدارية ، سياسات عامة ، لبنان ، مؤسسات عامة ، مصارف



لتعليقاتكم