أخذت قضية كفاح صفاء الفحيل، المعوقة حركيا، لتحصيل حقها بالتعليم الجامعي، أبعادا هامة في الخطاب العام. وهي قضية تأتي لتذكر أن الأحكام الدستورية والقانونية الجميلة قلما تجد إرادة في تطبيقها، بغياب كفاح الفئات المعنية بها. "المفكرة" تحيي صفاء الفحيل التي تعلمنا الكثير (المحرر).

 

رفضت إدارة المعهد العالي للغات بنابل ترسيم الطالبة صفاء الفحيل التي تحصلت على توجيه جامعي للمعهد ضمن طلبة السنة الأولى شعبة اللغة العربية  للسنة الجامعية 2018-2019 بحجة أن إعاقتها العضوية واستعمالها كرسيا متحركا في تنقلاتها تجعل من المستحيل عليها أن تستعمل مرافق المعهد كما تعيق فعليا تنقلها بين قاعاته الموزعة على أربعة طوابق.

في مواجهة هذا الرفض الشفوي، تقدمت الطالبة دفاعا عن حقها في التمدرس بمقترح تكفلت فيه بتهيئة المدارج بإنشاءات تسهل تنقلها. فكان أن تمسكت إدارة المعهد مجددا برفض طلبها بمقولة أن الإنشاءات التي تقترحها لا توفر لها السلامة الواجبة.

نقلت صفاء في مواجهة هذا الرفض معركتها إلى الفضاء العام، حيث وجدت مساندة من ناشطي المجتمع المدني بنابل. فكان من ثمار هذه الخطوة أن اضطرّت وزارة التعليم العالي للتدخل والاعتراف بمسؤوليتها في حلّ الإشكال القائم. طلبت الوزارة في مرحلة أولى من صفاء أن تقبل مقترحا بإعادة توجيهها لمؤسسة جامعية أخرى، يتم التحري عند اختيارها أن يكون مقرها مهيئا بشكل يسمح بتمدرس ذوي الاحتياجات الخصوصية بها. رفضت صفاء المقترح الذي بدا لها مهينا وتمسكت بحقها في الدراسة بالمؤسسة التي تم عليها اختيارها وسمح لها مؤهلها الدراسي بأن تتوجه إليها. وهنا كان أن عاودت الوزارة الاتصال بصفاء بعد جفوة قطعها تطور موجة التعاطف معها لتعد بإيجاد حل للمشكل لم تتبين معالمه بعد[1].

تكشف واقعة صفاء أن الدولة ومؤسساتها ما زالت تمارس تمييزا مهينا ضد ذوي الاحتياجات الخصوصية سببه عدم التزامها بالقوانين التي استنتها لذاتها. ومن هذه الالتزامات التي يتم الإخلال بها، "إنجـاز وتهيئـة البناءات العمـوميـة والفضاءات والتجهيزات المشتركـة بالمركبات السكنية والبناءات الخاصة المفتوحة للعموم المواصفات الفنيّة لتيسير تنقل الأشخاص المعوقين."[2] ومنها أيضا اعتبار حق المعوقين في التعليم "مسؤولية وطنية"[3] لا يجوز التملص منها تحت أي مبرر. كما تؤكد هذه الواقعة أن تنزيل قيم الدستور التونسي التي تعترف بحق "ذي الإعاقة في الانتفاع، حسب طبيعة إعاقته، بكل التدابير التي تضمن له الاندماج الكامل في المجتمع،" وتوجب "على الدولة اتخاذ جميع الإجراءات الضرورية لتحقيق ذلك"، يحتاج وعيا مجتمعيا وتلزمه خطوات نضالية تؤسس لنقل التصورات النظرية الجميلة للواقع المعيوش الذي تؤكد مؤشرات عدة أنه ما يزال مريرا عند من يعانون من الإعاقة.

 

مقالات ذات صلة:

القاضي لاعب أساسي في ضمان الحرية والمساواة: قراءة في أعمال اللجنة التونسية للحريات الفردية والمساواة

 


[1] خبر أورده الناشط الحقوقي محمد البوبكري  الذي كان من ابرز من دافعوا عن حق صفاء في التسجيل  على صفحته للتواصل الاجتماعي ليلة 19-09-2018 .

[2]   الفصل 12 من القانون التوجيهي عدد 83 لسنة 2005 المؤرخ في 15 أوت 2005 المتعلق بالنهوض بالأشخاص المعوقين و حمايتهم.

[3]   ينص  الفصل الثالث من ذات القانون على أنه " تعتبر مسؤولية وطنية:
- الوقـاية من الإعـاقـة والكشف المبكر عنها والحـدّ من انعكاساتها،
- حماية الأشخاص المعوقين من الاستغلال الاقتصادي والجنسي والتشرد والإهمال والتخلّي،
- تأمين الخدمات الصحيّة والاجتماعيّة لهم،
- تأهيلهم وتربيتهم وتعليمهم وتكوينهم المهني،
- تشغيلهم وإدماجهم في الحياة العامة،
- توفير ظروف العيش الكريم لهم والنهوض بهم.
وتتضافر جهود الأسرة والدولة والجماعات المحلية والمنشآت والمؤسسات العمومية والمؤسسات الخاصة والمنظّمات الوطنية والجمعيات والأفراد والأشخاص المعوقين لتجسيم هذه المسؤولية الوطنية."