في 10-5-2018، أصدر وزير النقل قرارًا بزيادة أسعار تذاكر المترو بمحافظة القاهرة بنسبة 250%، لتفادي الخسارة التي تتعرض لها هيئة مترو الأنفاق، معتبرًا أن التذاكر في مصر من أرخص التذاكر على مستوى العالم دون أن يأخذ في عين الاعتبار تدني دخول المواطنين المصريين. وشهدت محطات المترو بالعاصمة المصرية يوم السبت 12-5-2018 احتجاجات من المواطنين على الزيادة المقررة، واقتحم بعض المواطنين عربات المترو رافضين استخدام التذاكر بعد زيادة الأسعار[1].

يأتي هذا القرار بعد شهر من موافقة مجلس النواب زيادة رواتب رئيس البرلمان ورئيس مجلس الوزراء وأعضاء الحكومة والمحافظين ونوابهم[2]. وعليه،  أصبح صافي مرتب رئيس البرلمان ورئيس مجلس الوزراء والوزراء يعادل الحد الأقصى للأجور حيث تقدر بـ 42 ألف جنيه[3]. كما تضمنت النصوص المعدلة، زيادة رواتب نواب الوزراء والمحافظين لتصل إلى ما يعادل 90٪ من الحد الأقصى للأجور. وفيما يخص المعاش، نصت المادة الرابعة مكرر من القانون على استحقاق الفئات المُشار إليها، معاشًا شهريا يعادل 80٪ من راتب أو مكافأة كل منهم في تاريخ انتهاء شغل المنصب، يتم الجمع بين المعاش المقرر وفقًا لأحكام هذا القانون وأي معاش مقرر بموجب أي قانون آخر.

الجدير بالذكر أن مصر تعاني  من أزمة اقتصادية على مدار السنوات الأخيرة، وهو الأمر الذي دفع بالمسؤولين بالحكومة وأعضاء البرلمان إلى الدعوة مرارًا وتكررًا إلى التقشف وترشيد النفقات لتجاوز الأزمة التي بدأت منذ تحرير سعر صرف الجنيه أمام الدولار في نوفمبر من العام الماضي، ولكن يبدو أن دعوات التقشف موجهة فقط للمواطنين وليس للحكومة والبرلمان.

 

الاعتماد على المواطن وحده لتحمل الأزمة الاقتصادية

بدأت اجراءات سياسة التقشف برفع أسعار الوقود منذ عام 2014-2015، وكان آخر تلك القرارات في نوفمبر 2016 برفعها بمتوسط 35%، في نفس الشهر الذي كانت مصر تضع فيه اللمسات الأخيرة على اتفاقها مع صندوق النقد الدولي[4]. وينص الاتفاق على اقتراض مصر 12 مليار دولار بهدف "معالجة نقاط الضعف في الاقتصاد الكلي وتعزيز النمو الشامل وتكوين فرص العمل". وشملت النقاط الأساسية ببرنامج القرض الذي قدمه الصندوق: تحرير سعر الصرف )أي تعويم الجنيه المصري (وخفض نفقات الموازنة وزيادة الضرائب وإجراء إصلاحات هيكلية لتحفيز النمو الاقتصادي وتعزيز برامج الحماية الاجتماعية بزيادة الإنفاق على المجموعات الضعيفة مثل الشباب والنساء والاطفال[5].

وطبقت مصر أغلب التزامتها سالفة الذكر من تحرير سعر الصرف ورفع الدعم عن الوقود وفرض ضريبة القيمة المضافة، والتي عانت من آثارها الطبقة المتوسطة والفقيرة. وفي المقابل، لم تقرر أية اجراءات حمائية لزيادة قدرة المواطن من الطبقة المتوسطة على مواجهة هذه القرارات، مما يعني مزيدًا من الإفقار وانخفاض القيمة الحقيقة لأجور الموظفين. فوفقاً لبيانات الموقع الإلكتروني للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، ارتفع معدل الفقر الرسمي في مصر من % 19.6 في 2005 إلى % 27.8 في 2015. وتعاني المناطق الفقيرة في الصعيد من أعلى معدلات الفقر، حيث عاش % 56.7 من سكان هذه المناطق في فقر في عام .2015

  

وفي ذات السياق تحايلت الحكومة ورفضت تطبيق حكم محكمة القضاء الإداري بزيادة معاش أرباب المعاشات بعد إلزامها بضم علاوات الخمس الأخيرة بفترة عملهم.[6]

 

الأغنياء خارج خطة التقشف

في المقابل، لم يكن هناك أي التزام بالتقشف على الصعيد الرسمي. فبدلاً من اتخاذ الحكومة إجراءات التقشف من أجل الخروج  من الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تمر بها البلاد، وإعادة النظر في أجور ومكافآت كبار موظفي الدولة، وبدلات السفر والمكافآت، تم زيادة رواتب الوزراء وفق ما أشرنا إليه. كما حصلت زيادات متوالية لرواتب القضاة وضباط الجيش والشرطة.[7]

وتجدر الإشارة إلى أن صندوق النقد كان أوصى  الحكومة المصرية بفرض أشكال ضريبية ذات تأثيرات تصاعدية، تساعد في حل مشكلة التفاوت في توزيع الدخل وتتزايد فيها معدل الضريبة مع تزايد العائدات والثروة. ويمكن أن تتضمّن هذه الأشكال الضرائب على الممتلكات والأرباح الرأسمالية والسلع الكمالية[8]. إلا أنه لا يوجد لدى الحكومة المصرية أي توجه لزيادة الأعباء الضريبية على الشركات والثروات ومداخيل الأغنياء. فعلى سبيل المثال، جمدت مصر ضريبة الأرباح الرأسمالية لمدة عامين في مايو 2015 ونسبتها 10 % على المكاسب الرأسمالية للأسهم المدرجة في البورصة، والتي تم إقرارها بعام 2014، ثم مددت في يونيو 2017 تعليقها لمدة ثلاث سنوات إضافية[9]، وفرضت عوضًا عنها رسوم طوابع تفرض على كل معاملة تتم في البورصة. وقد ضغط صندوق النقد الدولي على مصر لإعادة فرض هذه الضريبة، إلا انه فشل. كما خفض الرئيس المصري الحد الأقصى لضريبة الدخل على الشركات والدخل الشخصي المرتفع (ما يزيد عن مليون جنية مصري) من 30% إلى 22.5 %.[10]

 

خاتمة

على الرغم من تعزيز حماية الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في دستور 2014، فإن السياسات المُتبعة من قبل الحكومة تخالف المادة 38 من الدستور التي تشترط فرض الضرائب التصاعدية لتنمية موارد الدولة ولتحقيق العدالة الاجتماعية والتنمية الاقتصادية والثقافية.

وتخالف تلك السياسات نص المادة 27 من الدستور والتي تلزم الحكومة بالقضاء على الفقر من خلال التنمية المستدامة والعدالة الاجتماعية ورفع مستوى معيشة المواطنين والتوزيع العادل لعوائد التنمية وتقليل الفوارق بين الدخول والالتزام بحد أدنى للأجور ومعاش يضمن الحياة الكريمة.

وسيؤدي الاستمرار في هذه السياسة إلى تحقيق مزيد من الرخاء لفئة الطبقة العليا والمزيد من الإفقار للطبقة المتوسطة والفقيرة دون تدخل من الدولة لحماية المواطنين عن طريق مراقبة أسعار السلع الأساسية، وتوفير برامج التوظيف وزيادة معدل الإنفاق الاجتماعي. ويبدو أن الدولة لا تستجيب للاحتجاجات والاعتراضات المتوالية تجاه سياستها الاقتصادية.

 

  • للإطلاع على النص مترجما الى اللغة الإنكليزية يمكنك/ي الضغط هنا

[1] - خبر موقع مصراوى بعنوان" قفز جماعي في محطة المرج" نشر بتاريخ 12/5/2018 .

[2] - حيث وافق البرلمان على مشروع الحكومة بتعديل بعض أحكام القانون 100 لسنة 1987، راجع: محمود حسين " تعديل مرتبات قيادات الدولة.. 12 معلومة شاملة عن القانون 100 لسنة 87" بجريدة اليوم السابع - بتاريخ 16/4/2018 .

[3] وكان الحد الأقصى للأجور، قد أقره الرئيس عبد الفتاح السيسي، عبر قرار بقانون في يوليو [3]2014، بحيث يكون الحد الأقصى لما يتقاضاه أي من العاملين في الحكومة بمبلغ 42 ألف جنيه شهريا، ليمثل 35 ضعف الحد الأدنى للأجور.

[4] - كتب محمد جاد بجريدة (أصوات مصرية) " في وثائق القرض.. من المسئول عن أزمة مصر المالية في رأي الحكومة والصندوق" بتاريخ 18/1/2017

[5] - تقرير بعنوان " برنامج صندوق النقد الدولي في مصر:تقييم تحديات الاقتصاد السياسي "صادر عن مركز بروكنجز الدوحة –بتاريخ يناير 2018 .

[6] - أقام عد من ارباب المعاشات دعوي قضائية للإلزام الحكومة المصرية بضم علاوات الأجر المتغير للخمس سنوات الأخيرة لمدة عملهم، واستجابت المحكمة لهم وقضت بإلزام الدولة بضم العلاوات لمعاشهم المستحق .

 كتب عبد الجيهني " حيثيات الحكم بإلزام الحكومة إضافة العلاوات لأصحاب المعاشات " بتاريخ 31/3/2018 .

[7] - تقرير نشر بموقع ساسة بوست بعنوان" لآثار الاجتماعية لـ«تعويم الجنيه».. أين تذهب الطبقة المتوسطة؟ - بتاريخ 10/11/2016

[8] - تقرير مركز بروكنجز سابق الإشارة إليه.

[9] - خبر بموقع الأسواق العربية بعنوان " مصر تمدد تجميد ضريبة الأرباح الرأسمالية 3 سنوات إضافية" نشر بتاريخ 30/5/2017

[10] - خبر بجريدة اليوم السابع بعنوان " "المالية": الحد الأقصى لضريبة الدخل على من يزيد دخله عن 200 ألف جنيه" نشر بتاريخ 20/8/2015 .