ارتبط القضاء العسكري في ذهن الليبيين بالعهد الاستعماري. فإبان الغزو الإيطالي لليبيا، لعب القضاء العسكري دورا بارزا في فرض الهيمنة الإيطالية على البلاد. وقد حوكم الآلاف من الليبيين أمام المحاكم التي شكلها جنرالات روما. ولعل أشهر هذه المحاكمات محاكمة الزعيم التاريخي البارز عمر المختار. وإثر هزيمة إيطاليا وانكسارها في الحرب العالمية الثانية، وقعت البلاد فريسة للاحتلالين البريطاني في الشرق والفرنسي في الجنوب واللذين أداراها من خلال إدارة عسكرية صارمة وتحت سلطان القضاء العسكري. ويمكن القول أن قانون الأحكام العرفية الصادر بمرسوم ملكي في 5 أكتوبر 1955 يعد أول تشريع وطني تعرض لتنظيم المحاكم العسكرية إذ أناط بالمحاكم العسكرية الجزئية أو العليا النظر في الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكامه. وفي إثر التغيير السياسي الحاصل في 1/9/1969 ووصول القذافي للسلطة، صدر القانون رقم 39 لسنة 1974 بشأن قانون الإجراءات الجنائية العسكرية، الذي أُلغي فيما بعد بالقانون رقم 1 لسنة 1999 بشأن قانون الإجراءات الجنائية في الشعب المسلح والذي لا يزال ساريا حتى الآن.

ولا يفوتنا أن نشير هنا إلى أن قرار مجلس قيادة الثورة بشأن حماية الثورة الصادر في 11/12/1969 ومن بعده قانون نيابة أمن الثورة الصادر في سنة 1975 أجازا محاكمة المتهمين بارتكاب الجرائم السياسية المنصوص عليها في القرار السالف البيان أو الواردة في قانون تجريم الحزبية. واستنادا إلى هذين النصين، شكلت محاكم عسكرية خاصة أُحيل إليها المتهمون بارتكاب الجرائم سالفة البيان. ولعل أبرز الأمثلة في هذا الصدد محاكمة المتهمين بتفجير ميناء بنغازي ومحاكمة المتهمين بالإنضمام للحركة الشيوعية (1975) ومحاكمة الحركة الطلابية (1977).  

 

لمحة عن دستورية المحاكم العسكرية:

يختلف تقييم تنظيم المحاكم العسكرية بحسب النظام السياسي القائم. وسنستعرض هنا بإيجاز ثلاث مراحل لثلاثة أنظمة سياسية.

وسنبدأ بالمرحلة الاولى وهي النظام الملكي حيث نجد أن دستور الإستقلال لم ينص صراحة على مبدأ القاضي الطبيعي إلا أنه بالإمكان أن نستشف وجود هذا المبدأ من الجمع بين أحكام المادتين 43 و185 من الدستور الملكي. فقد نصّت المادة 43 على أن (السلطة القضائية تتولاها المحكمة العليا والمحاكم الأخرى التي تصدر أحكامها في حدود الدستور). وهذا يعني أن السلطة القضائية تتجسّد في المحكمة العليا بوصفها سلطة اتحادية ومحاكم محلية في الولايات ولا ثالث لهما. وعلى هدى هذا الفهم، لا يمكن قبول إنشاء المحاكم العسكرية لمخالفة ذلك لأحكام الدستور، إلا اذا اعتمدنا الرأي القائل بأن المحاكم العسكرية محاكم تأديبية تختصّ بتأديب العسكريين عند مخالفتهم للقوانين المنظمة لعملهم (القوانين العسكرية). إلا أن هذا الرأي يصطدم بكون هذه المحاكم تصدر أحكاما بعقوبات قاسية تصل لحد الإعدام.

ونأتي للمرحلة الثانية بعد الإستقلال، وهي نظام القذافي الذي لن يكلفنا كثيرا من الحديث نظرا لغياب وثيقة دستورية صادرة بطريقة ديمقراطية يمكن الإعتماد عليها. وبالتالي فالمسألة في تلك الفترة لم تنظم بقاعدة دستورية لا سيما وأن الدستور والتشريع في ظل هذا النظام يصدران عن سلطة واحدة.  

أما المرحلة الثالثة التي سنتناولها، فهي المرحلة الانتقالية بعد 17 فبراير 2011 من الإعلان الدستوري الصادر عن المجلس الوطني الإنتقالي في 3/8/2011. فعلى الرغم من تنصيصه في الفقرة الثانية من مادته الثانية والثلاثين على أنه "يحظر إنشاء محاكم استثنائية"، فإنه عاد ونص في فقرته الأولى على أن "السلطة القضائية مستقلة وتتولاها المحاكم على اختلاف أنواعها ودرجاتها ... الخ". وإذا كان اختلاف الدرجات مفهوما ومتصورا في هيكل المحاكم العادية، فإن القول باختلاف الأنواع قد يفتح بابا للقبول بالقضاء العسكري واعتباره قضاء شمله الدستور. ولكن يبقى أن على هذا القضاء في هذه الحالة أن يكون متخصصا وليس استثنائياً. وما ذكرناه بشأن الإعلان الدستوري المؤقت ينطبق تمام الانطباق على مشروع الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور. فهو أيضا كرر في المادة 133 نص الإعلان الدستوري، بعدما نص على حظر المحاكم الإستثنائية في المادة 135.

 

القوانين المنظمة للقضاء العسكري:

إذا أردنا الوقوف على القوانين المنظمة للقضاء العسكري في ليبيا وعلى مدى التزامها بمبدأ القاضي الطبيعي، فعلينا النظر في القانون رقم 1 لسنة 1999 بشأن الإجراءات الجنائية في الشعب المسلح والذي يعد بمثابة القانون الأساسي للقضاء العسكري.

وبمطالعة القانون المذكور، يتبيّن أن عنصر الحياد في هذه المحاكم معدوم بفعل تبعيتها للسلطة التنفيذية ممثلة فيما كان يسمى اللجنة المؤقتة للدفاع  -حلت محلها وزارة الدفاع–  طبقا للمادة الأولى من القانون وهي المختصة بمحاكمة العسكريين في حالات التمرد أو الخروج على الديمقراطية (الجرائم الواردة في الباب الأول من الكتاب الثاني من قانون العقوبات). وقد خصّص القانون مادته 93 لتنفيذ عقوبة الإعدام. فضلاً عن ذلك، يتّضح من مطالعة نصوص القانون إخلال بقواعد المحاكمة العادلة التي تستلزم الاستقلال والحيادية. فعلاوة على كون قضاة المحكمة العسكرية تابعين لوزارة الدفاع كما سلف البيان، فإن أغلبهم يفتقر إلى ما يكفي من المؤهلات المهنية والتدريبية مما يؤدي بالضرورة إلى افتقادهم لعنصري الحياد والاستقلالية. ويكفي في هذا الصدد أن نلقي نظرة سريعة على المواد 38 و39 و40 المتعلقة بأنواع المحاكم العسكرية لنجد أن أغلب القضاة من العسكريين لم يتح لهم أي معرفة بقواعد القانون والمرافعات. كما أن المادة 65 من القانون تضمنت أنه في حال استمعت المحكمة إلى شهادة أحد الشهود ودونتها في المحضر ثم تغيرت المحكمة أو بعض أعضائها، فيجوز للمحكمة بهيئتها الجديدة أن تحكم بناء على الشهادة السابقة وفي ذلك خروج سافر على مبدأ شفهية المرافعة وهو أحد الركائز المهمة للمحاكمة العادلة. وعلى الرغم من أن الفقه والقضاء قد تنازعتهما اتجاهات عديدة في وضع معيار منضبط للقضاء الاستثنائي، فإن جمهرة من فقهاء المرافقات وعلى رأسهم د. الكوني عبودة يرون أن خضوع المحاكم أيا كان نوعها لرقابة المحكمة العليا ينأى بها عن وصف الاستثنائية.

ونجد في مبادئ ديكو ما يدعم هذا الاتجاه حيث ينص المبدأ السابع على أنه ينبغي في جميع الحالات التي توجد فيها محاكم عسكرية أن يقتصر اختصاصها على محاكم الدرجة الأولى وبالتالي ينبغي مباشرة إجراءات التظلم وخصوصا الطعون أمام المحاكم المدنية. وفي جميع الحالات، ينبغي أن تقوم المحكمة العليا بالفصل في المنازعات المتعلقة بالشرعية القانونية.

ولا يغيب عن البال أن قانون الإجراءات الجنائية العسكري قد خالف هذا المبدأ وأناط بالمحكمة العسكرية العليا النظر في الطعون المقدمة في أحكام المحاكم العسكرية الأدنى درجة.

إزاء ما سقناه من حجج يمكن لنا أن نقول بكل وضوح أننا نميل إلى الرأي القائل بأن المحاكم العسكرية بوضعها الحالي هي محاكم استثنائية.

 

ولاية القضاء العسكري:

وإذا ما اشحنا بوجهنا عن طبيعية واستثنائية القضاء العسكري والتفتنا صوب حدود ولاية هذا القضاء، فسنجد أنه طبقا للمادة 45 منة، يختص القضاء العسكري بنظر الجرائم التي يرتكبها الخاضعون لأحكام القانون العسكري. وهم تباعا العسكريون والنظاميون المتطوعون والمدنيون العاملون بالجيش والأسرى العسكريون. وتكون الولاية منعقدة في حالات الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات والجرائم ذات الطابع السياسي (المنصوص عليها في الباب الأول من الكتاب الثاني من قانون العقوبات أو المنصوص عليها في قانون تجريم الحزبية أو الواردة في قرار مجلس قيادة الثورة بشأن حماية الثورة) والجرائم المرتبطة بها، والجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات والقوانين المكملة له التي يرتكبها الخاضعون لأحكام قانون العقوبات العسكري داخل مقرات الجيش او إذا كانت تنفيذ الواجب. واستبعد المشرع في ذات المادة من اختصاص المحاكم العسكرية الجرائم المشار إليها إذا أسهم فيها أشخاص لا يخضعون لأحكام قانون العقوبات العسكري. وبموجب القانون رقم 8 لسنة 2007 أضاف المشرع إلى اختصاصات المحاكم العسكرية الجرائم المنصوص عليها في قانون التطهير التي يرتكبها الخاضعون لأحكام قانون العقوبات                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                                   العسكري والجرائم التي تقع اعتداء على ممتلكات وأموال ومستندات الجيش والجرائم التي تقع داخل المعسكرات أو المقرات العسكرية باستثناء المؤسسات التعليمية.

 

التطور التشريعي بعد ثورة فبراير 2011  

وبعد التغيير السياسي في فبراير 2011، نستطيع القول أنه طرأ تطور نسبي في مسألة الاختصاص والأفراد الخاضعين للقضاء العسكري. فقد صدر القانون رقم 11 لسنة 2013 في شأن تعديل قانوني العقوبات والإجراءات العسكرية. وعدل بموجبه  قانون العقوبات العسكري بحيث قصر شريحة الخاضعين لأحكامه على العسكريين النظاميين الذين لهم رتبة منصوص عليها في قانون الخدمة العسكرية والأسرى العسكريين النظاميين مما يعني استبعاد المدنيين العاملين بالجيش وكذلك المتطوعين بالجيش. وتبعا لذلك أيضا، عدل قانون الإجراءات الجنائية العسكري بحيث أصبح اختصاص المحاكم العسكرية قاصراً على الجرائم التي يرتكبها الخاضعون لأحكام قانون العقوبات العسكري (العسكريون، الأسرى العسكريون) متى نصّ عليها هذا القانون. إلا أن المؤتمر الوطني العام عاد لتعديل هذا الاختصاص بموجب القانون 5 لسنة 2015 ليشمل اختصاص المحاكم العسكرية والجرائم  المنصوص عليها في قانون العقوبات العسكري وقانون العقوبات العام.

 

حكم قضائي مميز

لسنا بصدد سرد النصوص المنظمة لاختصاص المحاكم العسكرية، لكن تجدر الإشارة إلى حكم متفرد لدائرة الجنايات بمحكمة استئناف طرابلس بتاريخ 30/6/2013 وقفت فيه عند نفس المادة 20 من قانون نظام القضاء رقم 6 لسنة 2006 التي نصت على أن: "تختص المحاكم بالفصل في كافة المنازعات والجرائم وليس للمحاكم أن تنظر في أعمال السيادة" وانتبهت إلى أن هذا النص جاء على غير العادة التي ألفها المشرع في قوانين نظام القضاء المتعاقبة فلم يذيل بعبارة "إلا ما استثنى بنص خاص". ورأت بحق أن إسقاط هذه العبارة لا يمكن أن يعدّ سهوا أو وليد نسيان ولا يمكن أن يكون مقصودا لأن يفترض أن يكون المشرع حكيماً ورتبت على ذلك نتيجة منطقية مؤداها أن المشروع قد أعاد تنظيم ولاية القضاء بكاملها. وعلى هدى هذا الفهم وتطبيقا لقاعدة اللاحق يلغي السابق، لا مناصّ من القول بأن قانون نظام القضاء قد نسخت أحكامه أحكام قانون الإجراءات الجنائية العسكري بمعنى أن المشرع قد سحب الإختصاص الذي كان قد منحه للقضاء العسكري وأعاده لصاحب الولاية العامة والإختصاص الأصيل (القضاء العادي) ولازم ذلك أن قانون الاجراءات الجنائية العسكري قد ألغيت نصوصه بالكامل لأن المحاكم والنيابات التي نظمتها لن يكون لها وجود بدون اختصاص. وينبني على ما قلناه أن التعديلات اللاحقة لصدور قانون نظام القضاء والتي أجريت على قانون الإجراءات الجنائية العسكري وقد وردت على غير محل مما يفقدها أية قيمة. لا ريب في أن هذه النتيجة قد لا يرتضيها الكثيرون لكنها على الأقل وجهة نظر قابلة للنقاش.

 

قضاء المحكمة العليا: الاختصاص المانع

ومهما يكن من أمر، فأننا لا نملك إلا أن نتعجب من مسلك المشرع. وما يزيد من تعجبنا هو المنحى الذي ذهبت إليه المحكمة العليا في صدد اختصاص المحاكم العسكرية. هذا المسلك الذي يتمثل في التنازل والتخلي عن مساحات شاسعة -إن صح التعبير- من الولاية العامة للقضاء العادي الذي تقف هي على رأسه لصالح المحاكم العسكرية ذات الاختصاص الاستثنائي.

 فالمحكمة العليا ذهبت في مواضيع أخرى إلى التفرقة ما بين الإختصاص المانع والإختصاص غير المانع. لكنها حين تصدت لمسألة اختصاصات المحاكم العسكرية خالفت هذا النهج. فقضت بتاريخ 24/2/2014 أن القانون 11 لسنة 2013 بتعديل أحكام قانوني العقوبات والإجراءات العسكريين نص في مادته الثالثة على أن تختص المحاكم العسكرية بالفصل في الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات العسكرية التي يرتكبها الخاضعون لأحكامه... ولما كان الثابت أن المشكو ضدهم من العسكريين النظاميين من لهم رتب منصوص عليها في القانون 11 لسنة 2013 وكانت الجريمة المنسوبة إليهم تقع تحت طائلة المادة 111 من قانون العقوبات العسكرية، فإنهم يخضعونه لأحكامه وتختص المحاكم العسكرية دون غيرها (بمعنى أن اختصاصها يكون مانعا) بالفصل في الجريمة المنسوبة إليهم (الحكم 1/61 ق).

من جهة أخرى، يشار إلى أن المحكمة العليا تنازلت لصالح القضاء العسكري عن اختصاص آخر. فقد قضت الدائرة الإدارية بتاريخ 6/7/2008 بأن القانون رقم 46 لسنة 1974 بشأن الخدمة في القوات المسلحة ينظم أسباب انتهاء الخدمة العسكرية والاستغناء عن خدمة العسكري وإجراءات إنهاء الخدمة وما يترتب عليها من آثار وأنه لم ينص على وجهة أخرى غير الإدارة العسكرية أو القضاء العسكري للفصل فيما يثار بشأنها من نزاعات. وقد خلصت الدائرة إلى القول بأن القضاء الإداري غير مختص ولا سيما بالفصل في النزاعات. ولا شك أن هذه الحجة التي استندت عليها المحكمة واهية. فقانون الخدمة قانون موضوعي ولا شأن له بإجراءات التقاضي.

 

خاتمة:

كل القوانين المنظمة للقضاء العسكري تحتاج مراجعة كاملة بشكل يجعلها متماشية مع المعايير الدولية لاستقلال القضاء. فحتى القوانين التي صدرت بعد الثورة وتوقعنا أنها ستتماشى مع التغيير الديمقراطي. لكن السنة الغالبة لها أنها لم تبنَ على استراتيجية واضحة محددة المعالم والأهداف إنما كانت عبارة عن ردود أفعال عكسية فضلا عن كونها في الكثير الغالب متناقضة مع المنظومة التشريعية.

 

نشر في العدد الخاص حول المحاكم العسكرية في دول المنطقة العربية.

النسخة اللبنانية

النسخة التونسية

 

 يذكر أن القذافي ألغى الجيش وقال أن السلطة والثروة والسلاح بيد الشعب وبالتالي استبدلت عبارة الجيش التقليدي بالجيش المسلح وهو من يحمي الوطني وبالتالي صارت المؤسسة العسكرية تسمى الشعب المسلح. وعندما صدر قانون الاجراءات سميت الاجراءات الجنائية في الشعب المسلح و يقابل تسمية الاجرءات الجنائية العسكرية

محاضرات الدكتور الكوني عبودة لقسم الدراسات العليا بكلية القانون جامعة طرابلس