بتاريخ 2 يولية 2017، أصدرت الدائرة الأولى (فحص الطعون) بالمحكمة الإدارية العليا حكماً جديداً من أحكام المبادئ التي تؤسس لمجتمع جديد قامت فيه ثورة شعبية، وصفها الدستور في ديباجته بأنها فريدة بين الثورات الكبرى في تاريخ الإنسانية، ويؤكد بما لا يدع مجالاً للشك – كما يسجل الحكم بحق – أن "مجلس الدولة الحارس الأمين والمؤتمن المكين على حماية حقوق وحريات الأفراد".

 صدر الحكم محل التعليق بالجلسة المنعقدة علناً برئاسة المستشار أحمد الشاذلي رئيس المحكمة وعضوية المستشار الدكتور محمد خفاجي (المستشار المقرر) والمستشار مبروك حجاج، وبحضور المستشار محمد رسلان (مفوض الدولة)، في الطعن المقام من وزير الداخلية بصفته ضد السيد عبد الجواد أحمد عبد الحميد بصفته مدير المجلس العربي لدعم المحاكمة العادلة وحقوق الإنسان، طعناً على حكم محكمة القضاء الإداري (الدائرة الأولى بالقاهرة) في الدعوى رقم 37688 لسنة 65 قضائية بجلسة 30 أبريل 2013. ونشير في عجالة إلى وقائع الدعوى، ثم حكم المحكمة، لنخلص إلى الدروس المستفادة منه.

أولاً: وقائع الدعوى

تقدم المطعون ضده، بصفته مدير المجلس العربي لدعم المحاكمة العادلة وحقوق الإنسان ACSFT([1])، بطلب إلى الجهة الإدارية (وزارة الداخلية) يلتمس فيه تقديم مكالمة هاتفية مجانية للمحتجزين في كافة أقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز والاعتقال فور إلقاء القبض عليهم، باعتبارها إحدى وسائل الاتصال التي كفلها الدستور والقانون لهم في هذه الحالة. وإذ لم يتلق الطالب رداً على طلبه خلال المدة القانونية، طعن أمام محكمة القضاء الإداري بالقاهرة على القرار السلبي للجهة الإدارية، المتمثل في امتناع وزارة الداخلية عن إصدار قرارها بتمكين المقبوض عليهم والمعتقلين من الاتصال هاتفياً بذويهم أو أحد محاميهم، باعتباره قرارا يخالف أحكام الدستور والقانون والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي صدقت عليها مصر.

قضت محكمة القضاء الإداري بإلغاء قرار الجهة الإدارية السلبي بالامتناع عن إصدار القرار المطلوب بتمكين المقبوض عليهم والمعتقلين من الاتصال هاتفياً بذويهم أو أحد محاميهم أو معارفهم. ولكن الجهة الإدارية لم ترتض حكم محكمة القضاء الإداري الصادر ضدها، وقامت بالطعن عليه أمام المحكمة الإدارية العليا، التي أصدرت حكمها محل التعليق.

ثانياً:
أ- أسانيد الحكم

كعادة المقرر المستشار الدكتور محمد عبد الوهاب خفاجي، نائب رئيس مجلس الدولة، في تأسيس أحكامه على أسانيد دستورية وقانونية ودولية، واقعية ومنطقية، شاملة بحيث قلّما يجد المعلق سنداً إضافياً أغفله الحكم يمكن إضافته، بل إننا في هذا التعليق المختصر لا نستطيع تسجيل كافة الأسانيد التي ساقها المقرر بدقائقها، وتقع في خمس عشرة صفحة. لذلك لا نملك إلا تلخيص أسانيد الحكم برفض الطعن على حكم محكمة القضاء الإداري، ومن أبرزها الآتية

  • الدفع بعدم اختصاص القضاء الإداري ولائياً بنظر النزاع
    هنا، أسست المحكمة رفضها له، طبقاً للمادتين 54، 55 من الدستور المصري، على أن الضمانات المتعلقة بحقوق المعتقلين والمتهمين والمحبوسين احتياطياً، وفي مقدمتها حقهم في الاتصال بمحاميهم وذويهم، هي من الحقوق والحريات العامة، ويعتبر المساس بها داخلاً في نطاق القرارات الإدارية، التي يختص القضاء الإداري بنظر طلبات إلغائها.
     
  • الدفع بانتقاء القرار الإداري
    رفضته المحكمة، لأن القرار الإداري لا يشترط لتوافره اتخاذه شكلا معيناً، بل يمكن استخلاصه من تصرفات جهة الإدارة وسلوكها حيال موقف أو طلب من أحد المواطنين. ولا يوجد شك في أن عدم تمكين المقبوض عليه أو المحتجز من الاتصال بمحاميه وذويه يعتبر قراراً إدارياً، قوامه إفصاح الجهة الإدارية المختصة عن إرادتها في حرمانه من إجراء ذلك الاتصال، اقتناعاً منها باعتوار مسلكه ومخالفته للنظام القانوني الذي قاده إلى القبض عليه أو الاحتجاز، أي حرمانه من حق كفله له الدستور والقانون، وهو ما يعد قراراً متكامل الأركان،
     
  • الدفع بعدم توافر المصلحة للمطعون ضده في الطعن على القرار السلبي
    رفضته المحكمة على أساس أن المطعون ضدّه مدير المجلس العربي لدعم المحاكمة العادلة وحقوق الإنسان، ، وبهذه الصفة فإن من أخص واجباته الدفاع عن الحقوق التي كفلها الدستور للمقبوض عليهم والمحتجزين، وهو ما قضى به الحكم المطعون فيه.
     

ب- الأسانيد الموضوعية

استندت المحكمة في رفض الطعن على حكم محكمة القضاء الإداري إلى أسانيد عدة، نوجزها فيما يلي:

1- النصوص الدستورية: نص المادة 54 من الدستور "... يجب أن يُبلغ فوراً كل من تقيد حريته بأسباب ذلك، ويحاط بحقوقه كتابة، ويُمكٌن من الاتصال بذويه وبمحاميه فورا......". كما تنص المادة 55 من الدستور على ضرورة معاملة المقبوض عليه أو المحبوس أو المقيدة حريته بما يحفظ عليه كرامته، ولا يجوز تعذيبه، ولا ترهيبه، ولا إكراهه، ولا إيذاؤه بدنيًا أو معنوياً ...

2- النصوص القانونية: تنص المادة 139 من قانون الإجراءات الجنائية على أن يكون لكل من يقبض عليه أو يحبس احتياطياً الحق في الاتصال بمن يرى إبلاغه بما وقع والاستعانة بمحام ويجب إعلانه على وجه السرعة بالتهم الموجهة إليه ... كما تنص المادة 141 من القانون ذاته على أن للمحقق أن يأمر بعدم اتصال المتهم المحبوس بغيره من المسجونين وبألا يزوره أحد وذلك بدون إخلال بحق المتهم بالاتصال دائماً بالمدافع عنه بدون حضور أحد.

3- النصوص الدولية: طبقاً لمجموعة المبادئ المتعلقة بحماية جميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الاحتجاز أو السجن، الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في التاسع من ديسمبر 1988، "لا يجوز حرمان الشخص المحتجز أو المسجون من الاتصال بالعالم الخارجي، وخاصة بأسرته أو محاميه، لمدة تزيد على أيام"، "ويحق للشخص المحتجز أو المسجون أن يتصل بمحاميه وأن يتشاور معه". وقد تأكدت المبادئ الدولية في عدة اتفاقيات صدقت عليها مصر، فصارت طبقاً للمادة 93 من الدستور لها قوة القانون الداخلي، منها العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية مناهضة التعذيب، وقواعد الأمم المتحدة النموذجية لمعاملة السجناء (قواعد نيلسون مانديلا)، التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر 2015.

4- أن المشرع لم يشترط أن يتم الاتصال بين المقبوض عليه أو المحبوس احتياطياً ومن يرى لزوم الاتصال بهم بوسيلة معينة أو محددة، وإنما أجاز أن يتم ذلك بكافة وسائل الاتصال المتاحة دون أن يقصرها على وسيلة دون غيرها. فالحق في الاتصال يتفرع عن الحق في الدفاع الذي كفله الدستور والقانون. ولا ريب أن وسيلة الاتصال التليفوني غدت في العصر الراهن أيسر وأسهل وسائل الاتصال، ويتعين تيسيرها وتمكين المعتقلين أو المقبوض عليهم من هذه الوسيلة، كي يتاح لذوي المقبوض عليه أو المعتقل دون علمهم الحق في معرفة مكان أبنائهم حتى يطمئن بالهم عليهم، ولا يتركوا في جهالة من أمرهم، ويتمكنوا من متابعة أمورهم وتوفير المحامين الذين يباشرون الحضور عنهم أمام جهات الشرطة وأمام النيابة العامة. ومما لا شك فيه أن وضع هذا الحق موضع التنفيذ يستلزم تدخل الجهات التي يتم احتجاز المواطن بها، ومنها وزارة الداخلية، باستصدار القرار الذي يمكن بمقتضاه للمحتجزين لديها الاتصال هاتفياً بذويهم أو أحد محاميهم فور احتجازهم، بعد أن جردتهم من وسائلهم الشخصية فى الاتصال، على نحو يغدو معه امتناعها عن إصدار هذا القرار مخالفاً للقانون.

ثالثاً: منطوق الحكم والدروس المستفادة منه:

حكمت المحكمة برفض الطعن على حكم محكمة القضاء الإداري، الذي قضى بإلغاء قرار الجهة الإدارية بالامتناع عن إصدار قرار بتمكين المقبوض عليهم والمعتقلين من الاتصال هاتفياً بذويهم أو أحد محاميهم، عن طريق تقديم مكالمة هاتفية مجانية للمحتجزين في كافة أقسام الشرطة وأماكن الاحتجاز والاعتقال، فور إلقاء القبض عليهم، باعتبار ذلك إحدى وسائل الاتصال التي كفلها الدستور والقانون لهم في هذه الحالة.

وأكدت المحكمة أنه لا ينال من هذا الحق ما نصت عليه المادة 38 من القرار بقانون رقم 106 لسنة 2015، بتعديل بعض أحكام قانون تنظيم السجون رقم 396 لسنة 1956، من حق كل محكوم عليه في التراسل والاتصال التليفوني "بمقابل مادي" تحت رقابة وإشراف إدارة السجن، فهذا النص ينصرف خطابه إلى "المحكوم عليهم" الذين استقرت أوضاعهم بأحكام قضائية، وليس المحتجزين الذين لم يصدر بشأنهم أحكام بعد، وهم في الأصل أبرياء حتى تثبت إدانتهم. ومن ثم وجب إجراء المكالمة الهاتفية مجاناً لهم بحكم ظروف الاحتجاز التي تجردهم من هواتفهم ومتعلقاتهم الشخصية قبل احتجازهم. لذلك يكون حق المحتجز في الاتصال بمن يحدده من الحقوق الدستورية العالمية، فيحق للمشتبه فيه أو المشكو منه، فور احتجازه لضرورات التحقيق، الاتصال بأحد أفراد عائلته أو بمحام يختاره أو بأحد معارفه.

ما تقدم هو موجز لهذا الحكم الهام، وهو يضع لبنة في صرح بناء حقوق الإنسان الذي أصابه الوهن والتصدع في السنوات الأخيرة. ولا يستطيع  القضاء إلا توجيه سلطات الدولة إلى الخلل الذي أصاب منظومة الحقوق والحريات الأساسية، إما نتيجة إصدار قوانين مقيدة لها أو اتخاذ إجراءات وتدابير تفرغها من مضمونها الحقيقي. ولم يقتصر الحكم على حسم النزاع في الحالة المعروضة، بل تطرق إلى جوانب تؤكد أن القضاء الإداري المصري هو حامي الحقوق والحريات الأساسية، كما كفلها الدستور والقانون والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، وكما ينبغي أن تكون وليس بالحالة الكائنة عليها في الوقت الراهن. لذلك نعتبر أن هذا الحكم قد أعطى دروساً ينبغي الوقوف عندها والاستفادة منها، حتى لا تكون مجرد كلمات قد يراها البعض تزيداً في حكم قضائي فصل في مسألة محددة. ونعتقد أن أهم ما يستفاد من هذا الحكم، ويجب الوقوف أمامه بالدرس والفهم العميق ما يلي:

1- أن الالتزام بما ورد فى هذا الحكم، في المسألة التي قضي فيها، يرسم سبيلا للقضاء على حالات الاختفاء القسري، وقد تناولناها في مقال سابق، والتي إن لم يمكن اعتبارها ظاهرة، إلا أن بعض الحالات الفردية يحاول البعض أن يجعل منها ظاهرة تسيئ إلى جهود سلطات الأمن. فالالتزام بإتاحة المكالمة الهاتفية المجانية لكل محتجز لدى أجهزة الشرطة يدرأ عنها الاتهامات التي تطالها، نادراً بحق وغالباً بغير حق، عند فقد أحد الأشخاص أو اختفائه في ظروف غامضة.

2- يجب أن نسجل بالتقدير ما ذهب إليه الحكم من وجود رابطة قوية لا تنفصم عراها بين حقوق الإنسان والأمن، بحيث أن احترام سيادة القانون واحترام حقوق الإنسان يعدان توأمين في سبيل مكافحة الجريمة ومواجهة الخارجين عن أحكامه لتوفير الأمن والاستقرار، لذا "فقبضة يد الأمن يجب أن تتحلى بسوار من سياج حقوق الإنسان".

3- أن هناك ثمة التزاماً على كافة سلطات الدولة التنفيذية والتشريعية بما تقترحه أو تصدره من تشريعات، والقضائية بما تراه من مخالفة لأحكام الدستور والقانون، أن تراعي دوماً فيما يعرض عليها من أنزعة الأوامر والمبادئ الدستورية والقانونية، ونضيف إليها القيم الإنسانية والاجتماعية والدينية والأخلاقية.

4- تأكيد المحكمة على أن نص المادة 93 من الدستور يضفي على الاتفاقيات المتعلقة بحقوق الإنسان "وضعاً دستورياً خاصاً"، يلزم الدولة المصرية دستورياً بأن تجري كل التعديلات على التشريعات الصادرة عنها، قبل النص الدستوري أو بعده، بما لا يمثل خروجاً على حكم شملته هذه الاتفاقيات، وأن النصوص السارية يجب ألا تتعارض مع هذه الاتفاقيات وذلك احتراماً لحكم المادة 93.

5- أكدت المحكمة على أن احترام اتفاقيات حقوق الإنسان لا ينال من سيادة الدولة، وأن القول بغير ذلك يتجافى مع الواقع والقانون، بحسبان أن الدولة في دستورها هي التي وضعت هذه الاتفاقيات موضع الاحترام والتقدير، فمن ينفذ التزامه الدستوري لا يجرح كبرياءه، بل يؤسس لنظام ديمقراطي يعلى من شأن الفرد وكرامته وحقوقه. وفي هذا السياق لا ينبغي النظر إلى الإدعاءات التي تصدر عن بعض المنظمات والدول القائمة على أساس الانتقاء والهوى،

6- أن المواثيق الدولية التي صدقت عليها مصر، وصارت أحكامها جزءاً لا يتجزأ من التشريع الوطني، تؤكد على الإطار القانوني لحق المحتجزين والسجناء والمعتقلين في الاتصال بالعالم الخارجي والزيارة والمراسلة، باعتبار ذلك كله جزءاً من الإصلاح والتأهيل الاجتماعي الذي هو الهدف الأسمى للمعاملة العقابية في مفهومها الحديث.

7- أن المبدأ الدستوري العالمي المتعلق بأصل البراءة يفرض إعطاء المحبوس أو المعتقل أو المشتبه فيه حقوقه الكاملة، التي تنسجم مع حقوقه كإنسان، خلال مراحل الملاحقة والاحتجاز والتوقيف والمحاكمة، والحق في الاتصال على القمة منها، وصولاً إلى الحكم ببراءته أو بإدانته. وفي كل الأحوال فإن الوصول إلى الحقيقة في إطار  ضمان حقوق المتهم أجدى وأعظم أثراً وبرهاناً على قدرة المحقق العلمية والعملية ووضع لبنة في بناء العدالة.

صفوة القول أننا أمام حكم قضائي، لا يكتفي بالفصل في واقعة محددة وفي كلمات معدودات، بل هو يتجاوز خصوصية الحالة المطروحة إلى عموم المبادئ التي ترتكن إليها، ليمارس القاضي الإداري دوره الخلاق المنشئ لأحكام القانون الإداري، والمؤكد للمبادئ والقيم الإنسانية المستمدة من الدستور أو القانون أو القواعد الدولية أو من مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة. إنه القاضي الإداري الذي يمارس أيضاً دوراً توجيهياً مرشداً لكل السلطات في الدولة وللأفراد ألا يقفوا عند ظاهر النصوص وكلمات القوانين، بل ينفذوا إلى روح القوانين وجوهرها الحقيقي.

هل مصير هذا الحكم الذي بات نهائيا ومبرما سيكون أفضل من مصير بعض الأحكام التي سبقته والصادرة من هذه الدائرة أو من غيرها؟ نأمل ذلك ولا سيما أن تنفيذه لن يكلف الدولة كثيرا، وأن من شأنه أن يحسن من صورة الدولة المصرية فى مجال احترام حقوق الإنسان.

 


[1] تأسس المركز الرئيسي للمجلس العربي لدعم المحاكمة العادلة بمدينة القاهرة بجمهورية مصر العربية عام 2006، كمؤسسة أهلية غير هادفة للربح، تعني بالدفاع عن حقوق الإنسان وحرياته الأساسية في البلدان العربية، وعلى الأخص الحق فى الحصول على المحاكمة العادلة والمنصفة وفق المعايير والضمانات الدولية للمحاكمة العادلة ووفق المرجعيات الدولية والوطنية لحقوق الإنسان. وقد ساهم المجلس العربى عام 2011 في تأسيس المجلس الدولي لدعم المحاكمة العادلة وحقوق الإنسان ICSFT التابع لمنظمة الأمم المتحدة ومقره مدينة جنيف السويسرية.