أصدر مجلس القضاء الاعلى المصرى قراراً بتاريخ 9 يناير 2017 برئاسة المستشار مصطفى شفيق رئيس محكمة النقض، بحظر نشر أية أخبار تتعلق بشؤون القضاء والقضاة على كافة مواقع التواصل الاجتماعي، أيا كانت طبيعتها أو القائمون عليها. يحصل هذا الأمر في الوقت الذى أصبح فيه تداول أخبار تخص القضاة أمراً اعتيادياً في مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية ، وأصبحت شؤون السلطة القضائية وأجور ورواتب القضاة ومخصصاتهم المالية الضخمة متداولة. وكان ثبت مؤخرا تورط العديد من القضاة بقضايا رشوة (مالية أو جنسية) وإتجار بالمواد المخدرة. وآخر تلك الحالات إلقاء القبض على أحد القضاه بتاريخ 14 يناير الماضى بتهمة الإتجار بمخدر الحشيش. وهو ما أدى إلى تصاعد حالة النقد والغضب الموجه للقضاة.

وقد أثار هذا القرار جدلاً واسعاً بين القانونيين والمهتمين بالشأن العام، حيث أن تفسير القرار يشوبه الكثير من الغموض حول الملزمين بتنفيذه.

فهناك من رأى أن القرار موجه لكافة المتعاملين مع مواقع التواصل الاجتماعي ويهدف لمنع المواقع الإلكترونية من تناول القضايا التى يتورط فيها أعضاء السلطة القضائية أو التى تنظرها الهيئات القضائية المختلفة. ولكن هذا التفسير إن صحّ يعدّ مخالفاً للدستور والقانون المصري وذلك حيث منع الدستور بنص المادة (92) الإنتقاص أو المساس بأصل وجوهر الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن وكفل بنص المادة (65) حقّ التعبير عن الرأي بالقول أو الكتابة بأي وسيلة من وسائل التعبير أو النشر. كما أن اختصاص المجلس الأعلى للقضاة ينحصر بتنظيم شؤون القضاة والنيابة العامة ولا يملك إصدار قرارات حظر النشر. وفى حال اشتمل النشر على جريمة فى حق القضاة، يستطيع المجلس التقدم بشكوى لجهات التحقيق المختصة (النيابة العامة) للتحقيق بها إذا كان ما تم نشره يشكل جريمة وفقاً لقانون العقوبات مثل سب القضاة. فضلا عن ذلك، يتعارض هذا التفسير مع مبدأ علانية المحاكمات ومع اعتبار أن الأحكام تصدر باسم الشعب وأن القضاة يخضعون للرأي العام من خلال نشر أخبار الجلسات وغيرها من الأمور التي تضمن وتكفل حق المواطن فى مراقبة استقلال السلطة القضائية والقضاة عن غيرها من السلطات.

أما الرأي الآخر وهو الأرجح، فمفاده أن حظر النشر المنصوص عليه بالقرار لا يخاطب جمهور المواطنين أو وسائل الإعلام، وإنما القضاة ووكلاء النيابة أنفسهم فقط، بحيث يشكل حظر النشر تحذيراً لهم من التعامل مع وسائل التواصل الاجتماعي وإبعادهم عن الجدل. فمن اختصاص المجلس الأعلى للقضاء تأديب عضو الهيئة القضائية الذى يخالف قرارات المجلس (القضاة واعضاء النيابة العامة) عن طريق مجلس التأديب بموجب نصوص المواد 93 إلى 115 الواردة فى الفصل التاسع من القانون رقم 46 لسنة 1972 قانون السلطة القضائية ،ولكن قرارات المجلس الاعلى للقضاء غير ملزمة إلا للقضاء العادي والنيابة العامة دون قضاة مجلس الدولة الذين يلتزمون بقرارات الجمعية العمومية لمجلس الدولة .

وكان سبق هذا القرار تواتر أنباء تم نفيها عن رفع الحصانة عن 50 مستشارًا بمجلس الدولة للتحقيق معهم على خلفية تعليقهم وإبداء تضمانهم على صفحات "الفيسبوك" مع المستشار وائل شلبي أمين عام مجلس الدولة السابق الذي انتحر على خلفية اتهامه في قضية رشوة (قضية الرشوة الكبرى) بعدما تم حبسه 4 أيام. وقد ألقي القبض بذات القضية على مدير إدارة المشتريات بمجلس الدولة والذي تم ضبطه وبحوزته نحو مئتي مليون جنيه مصريا "سائلة" بمسكنه.

 كما سبق القرار المذكور إحالة 50 قاضياً للتفتيش القضائي  للتحقيق معهم ورفع الحصانة عن 6 منهم بسبب الإدلاء بآرائهم في أزمه اتفاقية ترسيم الحدود بين مصر والسعودية بشأن جزيرتي تيران وصنافير على صفحاتهم الشخصية. وكان من بينهم اثنان من نواب رئيس محكمة النقض بمنتصف مايو 2016 .

ولكن التساؤل الذى يطرح نفسه هل يمتنع على القاضى التعبير عن رأيه؟

أوضحنا سابقاً أن القراريخالف العديد من مواد الدستور التي تنص على حرية "المواطن" في التعبير عن رأيه وفكره. ولكن هل يمتلك القاضى هذا الحق أم أن وظيفته تمنعه من التعبير عن رأيه بحرية؟ وهل الحفاظ على هيبة وكرامة القضاء يحرم القاضي من حقوق اللصيقه بشخصه والتى منحها الدستور لجميع المواطنيين بدون استثناء؟

نظم القانون قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 ذلك و تناول واجبات القضاه وحظر على القضاه الإشتغال بالسياسة أى عدم ممارسة العمل السياسي فقط ،ولم يحرم القضاة من إبداء الرأى. وهذا ما استقرت عليه القوانين المنظمة لشؤون القضاء المصرى منذ اصدار المرسوم بقانون رقم 66 لسنة 1943 ،ثم المرسوم بقانون رقم 188 لسنة 1952 . إلا أن القانون رقم 43 لسنة 1965 اضاف حكماً جديداً بنص المادة (75) مفاده "إذا قام القاضى بترشيح نفسه فى الانتخابات يعد مستقيلاً من تاريخ الترشيح" .  

وقد جاء نص المادة الثامنة من الإعلان العالمي لاستقلال السلطة القضائية "يحق لأعضاء السلطة القضائية كغيرهم من المواطنين التمتع بحرية التعبير والإعتقاد وتموين الجمعيات والتجمع. ومع ذلك يشترط أن يسلك القضاه دائماً لدى ممارسة حقوقهم مسلكاً يحفظ هيبة منصبهم ونزاهة واستقلال القضاء"[1]

ومن ثم يكون القرار الصادر من مجلس القضاء الاعلى للقضاء مخالفاً للدستور والقوانين المصرية المتعاقبة. وإن كانت اختصاصات المجلس لا تمنعه من توجيه القضاة، إلا أنها تحظر عليه حرمانهم من حقهم فى التعبير عن آرائهم بحرية فيما يخص الشؤون العامة والتداول فى حقوقهم ودراسة شؤون وظائهم على مواقع التواصل الاجتماعي، شريطة ألا يضر ذلك بكرامة القضاء.

 


[1] - صدر الاعلان العالمى السلطة القضائية بالمؤتمر السابع لمنع الجريمة ومعاملة المجرمين الذى نظمه المجلس الاقتصادى والاجتماعى بالامم المتحدة ، وعقد فى مدينة ملاينو ، باغسطس 1985 .