مدافعات عن الحقوق من دون حقوق


2024-03-19    |   

مدافعات عن الحقوق من دون حقوق
أمهات معتقلي حراك الريف في مسيرة مطالبة بالإفراج عنهم

في شهر مارس، حيث يخلّد العالم في أسبوعه الأول تاريخ النضال والتضحيات التي قامت بها النساء من أجل حقوقهن، تتزايد التحديات التي تواجه المدافعات عن حقوق الإنسان في مختلف أنحاء العالم. فهن يعانين من اضطهاد مزدوج، حيث يتعرضن للتمييز والعنف في بيئة اجتماعية تتأثر بالقوانين والسياسات والثقافات المعادية للمساواة وحقوق النساء، بسبب كونهن نساء. ولكونهن مناضلات أيضًا، هن يشاركن في تجارب القمع والتضييق بجانب كل المدافعين عن حقوق الإنسان الذين ينتقدون سياسات الدول في مجال انتهاكات الحقوق.

تاريخيًا، لعبتْ النساء المغربيات دورًا بارزًا في النضال من أجل الحرية وحقوق الإنسان. ورغم أن هذا الدور لم يحظَ بالتوثيق الكافي في السجلات التاريخية المعتادة، إلا أن تضحياتهن الكبيرة قد سجلت حضورهن البارز في حركات التحرير والنضال منذ فترة الحركة الوطنية وحتى الوقت الحاضر. يمكننا الحديث عن نساء مناضلات مثل مليكة الفاسي، التي شاركت في إعداد وثيقة المطالبة بالاستقلال ووقعت عليها في 11 يناير 1944، الى جانب 66 رجلاً. وهناك أيضًا المقاومة عائشة بنت أبي زيان، التي شاركتْ في معركة أنوال بقيادة محمد بن عبد الكريم الخطابي في عام 1921، وعايدة بويقبة التي أسست أول تنظيم نسائي مغربي وأطلقت عليه اسم “جبهة أخوات الصفا”. بالإضافة إلى الشاعرة والمناضلة سعيدة لمنبهي الناشطة في المنظمة اليسارية إلى الأمام، التي استشهدت في 1977 عن عمر يناهز الـ 25 عامًا بعد دخولها إلى جانب مجموعة من رفيقاتها في إضراب مفتوح عن الطعام من أجل الاعتراف بهنّ كمعتقلات سياسيّات ومن أجل حريتهن. إنهن وغيرهن نساء بصمن مسار المقاومة والنضال في المغرب.

ومع تطور التكنولوجيا الرقمية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي في المغرب، أصبحت النساء قادرات على تسجيل حضورهن بشكل ملحوظ، خاصة خلال فترة الاحتجاجات سنة 2011 وما بعدها، وعلى وجه الخصوص حركة 20 فبراير. فشهدت النساء مشاركة فعالة في هذه الحركة سواء على الساحة العامة أو عبر منصّات التواصل الاجتماعي، حيث نجحن في إثبات وجودهن القوي والمؤثر.

كانت حركة 20 فبراير فرصة حقيقية لتسليط الضوء على الدور الحيوي الذي تلعبه النساء في النضال من أجل الديمقراطية وحقوق الإنسان. فقد لعبت الشابات دورًا أساسيًا في تنظيم الاحتجاجات وتأطيرها، وساهمن في اللجان الوظيفية وشاركن في الحوارات العامة والإعلامية. ولم يقتصر دورهن على ذلك، بل شاركن أيضًا في النقاشات التي جرت في أحياء المدن والقرى حول الاستفتاء على الدستور لعام 2011 والنقاش حول الانتخابات وقضايا أخرى. كما كن في الصفوف الأمامية أثناء قمع الاحتجاجات. ورغم تراجع حركة 20 فبراير، إلا أن تواجد النساء أصبح ملحوظا في الفضاءات العمومية وعلى الساحة الرقمية، حيث يعبّرن بقوة عن آرائهن ومواقفهن حيال سياسات الدولة وأساليب الحكم في المغرب.

ورغم تحرير الفضاءات العمومية وجعل الاحتجاج ممارسة مواطنة فعلية يمكن للجميع القيام بها، إلا أن الدولة المغربية قد تعاملتْ مع الاحتجاجات بمقاربة أمنية بدلاً من الاستجابة لمطالب المواطنات والمواطنين. يمكن الاستدلال على ذلك من خلال حالة حراك الريف الذي شهدته منطقة الريف شمال المغرب، حيث اندلعت احتجاجات شعبية بعد استشهاد محسن فكري في 28 أكتوبر 2016، مطالبة بالعدالة له وبتحقيق مجموعة من المطالب المحلية للمنطقة. وشهد الحراك اعتقالات جماعية للنشطاء على رأسهم ناصر الزفزافي، وقد تم متابعتهم ومحاكمتهم بالسجن لمدة تصل إلى 20 عامًا. ولم تكن النساء بعيدة عن هذا النوع من المعاملة، إذ تمت متابعة الناشطة سيليا الزياني وتم الإفراج عنها بعد ذلك بعفو ملكي، بالإضافة إلى متابعة نوال بنعيسى في حالة سراح قبل مغادرتها البلاد.

بالإضافة إلى ذلك، شهدت مدينة جرادة احتجاجات في بداية عام 2018 بسبب وفاة شقيقين في منجم للفحم، مما أثار غضبًا بين السكان الذين يعانون من التهميش والبطالة. هذه الاحتجاجات أدت كذلك إلى اعتقالات ومتابعات للنشطاء. وفي عام 2021، شهد حراك الأساتذة الذين فرض عليهم التعاقد في المغرب تظاهرات واحتجاجات، ووجهت بالقمع والاضطهاد من خلال متابعات قضائية ومنع الاحتجاجات.

هذه الأمثلة وغيرها تعكس تعامل الدولة مع الاحتجاجات منذ عام 2011، سواء كانت تتعلق بالمطالب الاقتصادية، والاجتماعية أو السياسية، حيث فضّلت الدولة اعتقال النشطاء ومتابعتهم، وقمع الاحتجاجات، وكذلك ضبط الفضاء الرقمي الذي كان وسيلة للتعبير الحر للنشطاء. وتعرضت المدافعات عن حقوق الإنسان لنفس المقاربة والأسلوب، على الرغم من الترويج لخطاب احترام حقوق النساء في المحافل الدولية، خصوصاً بعد تبني الدستور الجديد الذي أقر في فصله 19 المساواة بين النساء والرجال. ومع ذلك، فإن الواقع يظهر شيئًا مختلفًا، خاصة فيما يتعلق بحرية التعبير والنقد والمواقف المناهضة لسياسات الدولة في مجال حقوق الإنسان.

كذلك كان الحال مع الناشطة سعيدة العلمي التي صدر بحقها حكم بالسجن النافذ بتهم تتعلق خصوصا بإهانة هيئة منظمة وتحقير مقررات قضائية. كما تم متابعة الصحفية حنان بكور بتهمة نشر وقائع كاذبة ومسّ بالحياة الخاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتمّ إدانتها بحبس موقوف التنفيذ وغرامة مالية بعد محاكمة استمرت لسنتين بناءً على شكوى من حزب التجمع الوطني للأحرار- حزب رئيس الحكومة المغربي.

ومن بين القضايا الأخرى التي شهدتها هذه الفترة، حالة الناشطة حليمة زايد في حراك مدينة فجيج 2023-2024 من أجل الحق في الماء، حيث تم متابعتها بسبب نشاطها وآرائها المناهضة لخوصصة استخدام الماء بناء على شكاية قائد المنطقة. وليست هذه الحالات النموذجية الوحيدة، بل تعرضت العديد من النساء في حراك التعليم لعقوبات إدارية بسبب انتقادهن لسياسات الدولة والقرارات الحكومية، وهو ما حصل في إطار حراك التعليم ضد النظام الأساسي لسنة 2024 حيث اعتبر نشاط نساء ورجال التعليم خرقا إداريا وجب معاقبة صاحبه. هذه القضايا تمثل نموذجاً للتحديات التي واجهتها المدافعات عن حقوق الإنسان، حيث تمّ استخدام القانون كوسيلة للقمع والتضييق عليهن بدلاً من حماية حقوقهن في التعبير عن الرأي والمشاركة في النضال من أجل العدالة والمساواة.

بالإضافة إلى ذلك، تتعرض المدافعات عن حقوق الإنسان لحملات تشهير وعنف وتمييز تهدف إلى كبح نشاطهن وتقليل تأثيرهن في المجتمع. تستهدف هذه الحملات حياتهن الشخصية ونمط عيشهن واختياراتهن، ويصبحن موضوعًا للانتقاد والاعتداء عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي وحتى في الحياة الواقعية. حيث يتمّ نشر معلومات عن حياتهن الشخصية بشكل علنيّ، وغالبًا ما تكون هذه المعلومات كاذبة أو مبالغا فيها، مما يزيد من الضغط عليهن ويعرضهن للمزيد من التمييز والانتقادات. يمكن الإشارة إلى حالة الصحفية هاجر الريسوني التي تعرضت للتشهير بعد اعتقالها في عام 2019 بتهم تتعلق ب”الفساد والإجهاض والمشاركة فيه”، فاستهدفت في حياتها الخاصة وسمعتها كامرأة وكصحفية. وكذلك حالة الناشطة في مجال حقوق النساء والدفاع عن الحريات كريمة نادر التي تعرضت لحملة تشهير في عام 2020 كأم عازبة لوصمها بالعار واستهداف وضعيتها من اجل إسكاتها والتضييق عليها. يهدف هذا النوع من الحملات إلى إلحاق الضرر بسمعتهن وتقويض دورهن كمدافعات عن حقوق الإنسان، وقد يؤدي إلى منعهن من المشاركة بفعالية في النضال من أجل التغيير.

في المغرب، غالبًا ما يتم التركيز على مختلف أشكال العنف التي تتعرض لها النساء، سواء من قبل الفاعلين المؤسساتيين أو المدنيين، وحتى من طرف الجمعيات النسائية. ومع ذلك، يُغفل عادةً عن واقع المدافعات عن حقوق الإنسان، اللواتي يخترن النضال والكفاح بشجاعة باستخدام مختلف الوسائل، مثل الاحتجاج والتدوين والنشاط الإعلامي والعمل المدني.

إن التضييق الممارس على هؤلاء المدافعات يشكّل عنفًا مباشرًا، وتمييزًا لكونهن نساء ومناضلات في وضعية صعبة في مناخ سياسي يهمش ويقمع كل من ينتقد سياسة الدولة، ويحدّ من حريّتهن في التعبير التي تعتبر ركيزة أساسية من ركائز المواطنة الكاملة المكفولة لهن في القوانين الوطنية وفي التزامات المغرب الدولية.

هذا الواقع الذي يغفل عن دور المدافعات عن حقوق الإنسان، ولا يلقي الضوء على التضييق الذي يتعرضن له، يجعلهن يواجهن المزيد من التحديات بسبب جرأتهن في الكشف عن الانتهاكات والدفاع عن الضحايا. حيث يزداد التضييق عليهن، ويؤثر ذلك سلبًا على قدرتهن على العمل بكفاءة وفعالية وبحرية. إن حماية المدافعات عن حقوق الإنسان تُعتبر مؤشرًا على التزام الدولة باحترام وترسيخ حقوق الإنسان. ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال إحداث تغيير جذري في المناخ السياسي والثقافي والقانوني، حيث يُحترم فيه الحقوق والحريات، ويُقدّر دور المدافعات عنها دون تمييز أو انتهاك.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، جندر وحقوق المرأة والحقوق الجنسانية ، المغرب



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني