ماذا تعني مقدمة “الجديد” ضدّ وسيم منصور؟” الوقوف في وجه كاشفي الفساد مشروع ومشرّع”


2024-03-16    |   

ماذا تعني مقدمة “الجديد” ضدّ وسيم منصور؟” الوقوف في وجه كاشفي الفساد مشروع ومشرّع”

شنّت مقدّمة نشرة أخبار على قناة “الجديد” مساء 13 آذار هجومًا شرسًا على شخص المدير العام السابق لشركة “ميك 2” (شركة تاتش) وسيم منصور. وبخلاف ما يفترض بوسيلة إعلام أن تفعل، حصل هذا الهجوم على شكل بيان بمعزل عن أيّ مادة إعلامية أو تحقيقية، على نحو يجعل من المستعصي على أيّ مستمع غير مطّلع أن يفهم أي شيء منه سوى أن هنالك صفقة جيّدة جدًا تعدها وزارة الاتصالات لتقديم خدمة OTT وأنّ هنالك شريرًا (شيطانًا) يُدعى وسيم منصور يُخشى أن يتدخّل لوقفها. واللافت أيضًا أنّ البيان لا يتحدّث عن واقعة حصلتْ إنما عن وقائع مستقبلية تخشى القناة حصولها، بمعنى أن الوسيلة الإعلامية تشنّ هجوما استباقيا وتحذيريّا يهدف قبل كلّ شيء إلى تعبيد الطريق أمام الصفقة التي تهمها في مواجهة ما تتوقعه من عوائق أمام إبرامها، عوائق أرادت اختزالها بشخص واحد وأشباح وشياطين أخرى تدور في فلكه. وقد جاء حرفيا في المقدمة الآتي: “تمّ إطلاقُ مخططٍ لبنانيٍّ فرنسي لإعادة إعمار المرفأ بعد أربعةِ أعوامٍ على انفجاره. كُلفةُ هذه المشاريع تتراوحُ  بين ستينَ ومئةِ مليونِ دولار يتمُّ تغطيتُها من ايراداتِ المرفأ. والايراداتُ في الخزينة .. تحتاجُ إلى إرادات ٍوعزائمَ لإنهاء سيطرة المنتفِعينَ والمنتفِخينَ على حساب أموال الدولة. وإذا كان تلزيمُ المرفأ هو شراكةٌ فرنسيةٌ لبنانية فإن تنظيمَ جُزءٍ من قطاع الاتصالات اليوم هو مُلكيةٌ حصريةٌ لبنانيةٌ لبنانية  وعائداتِه لن تكونَ معرّضةً لحُكمِ وُسطاءِ وسماسرةِ الهواء. مِنصّةٌ  لبنانيةٌ واحدة، تملِكُها وتديرُها الدولةُ عبر وَزارةِ الاتصالات وهيئةِ أوجيرو ستقدِّمُ الخِدمةَ ما يعرف بال OTT على غِرارِ شركاتٍ عِملاقة كـ Orange في فرنسا، وEtisalat في الإمارات العربية المتحدة، وSTC في المملكة العربية السعودية، وغيرِها من المِنصّات الرقمية مثل نتفلكس وشاهد… وفي حال دخلَ هذا المشروعُ حيّز التطبيقِ من دونِ أنْ تعترضَه مرتَزَقةُ السوق وأباطرةُ  الشبكاتِ العنكبوتية، ستحصُلُ الدولةُ أخيراً على عائداتِها المتناثرة وتضع حدّا لقراصنةِ المحتوى، وستساهمُ في حماية المُلكيةِ الفكرية للقنواتِ المحليةِ والعالمية. لكنَّ التفاصيلَ تلاقي شياطينَها وبينهم “زين الشباب” سابقا الذي شَغَلَ مَنصِبَ المدير العام لشركة تاتش وسيم منصور. وقد تملّكَ “الرجلُ الفضائي” سهمَ إيداعٍ لا يَسمحُ له القانونُ بالاحتفاظِ به مدى الحياة في تاتش، وكان عليه التنازلُ عنه حالما وَقَعت الاستقالةُ ومغادرةُ العمل، لكنه احتلَّ السهمَ ورماهُ في سوق التضليل. ولاستعادةِ الحقِّ، فإنَّ وَزارةَ الاتصالات رَفعت دعوىً على منصور… وللأسبابِ الآنفة فإن منصور يَنشرُ معلوماتٍ بناءً على غَرَضيّاتٍ وعلى تناقضِ مصالحِه، والى جانبه بعضٌ ممن سيشعرون باليُتمِ وقَطعِ الأرزاق إذا ما وَضعتِ الدولةُ يدَها على هذا القطاع. والمتضررونَ اليومَ .. هم المتنفِّعُونَ بالأمس وحتى قيامِ الساعة، وسيحارِبونَ هذا المشروعَ بكلِّ الوسائلِ حتى ولو اختَرقوا نواباً من قوى التغيير، ووَضَعوا أمامَهم حقيقةً مغايِرةً بهدف إيهامِهم بأنَّ ذلك هو للصالحِ العام. ولأجل الصّالح العام، مال الدولة والناس وحقوق الملكية  الفكرية، فإن الوقوف في وجه هؤلاء الضالّين والمضلّلين، سيكون من اليوم مشروعا ومشرّعا”.  

ونستشفّ تاليًا من المقدمة أنّ الوسيلة الإعلامية مجّدت بالصفقة المزمع عقدها مستنفرةً كل ما لديها بالمقابل من مفردات من أجل شيطنة منصور وصولًا إلى اعتباره حرفيًا شيطانًا ورجلًا فضائيًا يعمد إلى تضليل “نوّاب تغييريّين” لغايات شخصية. كما نستشفّ في نهاية المقدمة أنّ القناة أعلنت انخراطها في مواجهة أيّ ضالّ أو مضلّل، وعمليًا في مواجهة أيّ اعتراض ضدّ هذه الصفقة، بعدما اعتبرت انخراطها هذا “مشروعًا ومشرّعًا” بهدف حماية ما اعتبرته “الصالح العام”.  

وللتذكير، فإنّ منصور خبير في قطاع الاتّصالات، وقد تبوّأ بفضل خبرته منصب مدير عام شركة “تاتش” لفترة قصيرة قبل أن يستقيل من الشركة في العام 2014، وقد استحصل عند تبوئه هذا المنصب على سهم واحد من دون أن يوضع عليه أي شرط بوجوب إعادته عند ترك المنصب، وهو سهم من أصل آلاف الأسهم في الشركة لا يخوله تقاضي أيّ أرباح أو منافع جرّاء ملكيته له، طالما أن الشركة لا توزع أيّ أرباح إنما تحوّل كل أرباحها إلى الخزينة العامة. وبالواقع، لم يستعملْ منصور هذا السهم إلا بهدف تحريك الدعوى العامة في فضيحة استئجار وشراء مبنى تاتش بمبلغ فاق 100 مليون دولار، وهي الدعوى التي قدّمها ضدّ الوزيريْن جمال الجرّاح ومحمد شقير في 2020 بعدما تلكّأت النيابة العامة المالية عن القيام بأيّ تحرّك في هذا الخصوص رغم جسامة الشبهات. كما من الثابت أن ملكيته الهادئة والمستقرّة لهذا السهم لم تصطدمْ بأية منازعة إلا بعد تقدّمه بهذه الشكوى، وذلك بهدف واحد هو تجريده من صفة تقديمها تمهيدا لردّها وحفظ ملاحقة الوزيرين. وهذا ما ذهب إليه فعلا قاضي التحقيق الأول في بيروت شربل أبو سمرا (وهو نفسه الذي أبطل التعقبات ضد نجيب ميقاتي في دعوى الإثراء غير المشروع بحجة مرور الزمن وهو نفسه الذي ترك رياض سلامة في جلسة استجوابه بدعوى اختلاس مئات ملايين الدولارات) قبل أن تعود الهيئة الاتهامية في بيروت وتؤكد صفة منصور في تقديم الشكوى بعد التثبت من صحة تملكه للسهم، وهو الأمر الذي حمى مصلحة الخزينة العامة وشركة تاتش. وإذ عادت شركة تاتش وحرّكت شكوى ضدّ منصور أمام النيابة العامة المالية بهدف انتزاع السهم منه، فإن المحامية العامة دورة الخازن حفظت هذه الدعوى بعدما تثبّتت هي الأخرى من صحّة ملكيته لهذا السهم وانحصار استخدامه في حفظ حقوق الدولة ومكافحة الفساد. وكان منصور اعتبر في طلب وجّهه للنيابة العامة المالية في 2020 أن المنازعة في ملكيّته لهذا السهم إنّما أتتْ كردّ مباشر على كشفه الفساد الحاصل في صفقتي شراء واستئجار مبنى تاتش بهدف تجريده من الصفة اللازمة للقيام بذلك، طالبا منها اتخاذ إجراءات لحمايته. 

واللافت إذا في ظلّ كلّ هذه الوقائع أنّ القناة رأتْ من المناسب استخدام قصّة السهم في مسعاها لشيطنة هذا الشخص، من دون أن تتحرّى إطلاقًا عن وضعيّته ولا على كيفية استخدامه ولا على أبعاد المنازعة في ملكيته ولا عن مآلات المنازعة بشأنه أمام القضاء، كلّ ذلك من دون أن يكون لهذا السهم أصلًا أيّ صلة بصفقة OTT المزمع إبرامها.  

انطلاقًا من كلّ ذلك، تثير مقدّمة أخبار قناة “الجديد” والنهج الذي تمثّله ملاحظات عدّة أبرزها الآتية:

دور الإعلام في منع الأسئلة عن الصفقات؟  

“لأجل الصالح العام، فإنّ الوقوف في وجه هؤلاء الضالّين والمضلّلين، سيكون من اليوم مشروعا ومشرّعا”. بهذه العبارة، أنهت “الجديد” مقدّمتها النارية بشأن صفقة OTT ومخاوفها الاستباقية من قيام اعتراض عليها أو عوائق تحول دون إبرامها. وقد وردت كذلك ليس تبعًا لتحقيق بشأن هذه الصفقة وهوية المستفيدين منها أو الأسئلة المطروحة بشأنها، إنما تبعًا لتمجيد الصفقة التي لا نعرف شيئًا عنها وتنزيهها عن أيّ مؤاخذة في موازاة شيطنة كلّ من قد تسوله نفسه الاعتراض عليها من دون مناقشة أي من الأسباب التي قد تدعوه إلى ذلك. وعليه، لا يمكن فهم هذه العبارة إلا على أنها إعلان احتفالي من قبل القناة أنّ دور الإعلام يقوم ليس فقط على طرح الأسئلة بشأن الفساد والصفقات العمومية عملا بدورها ككلب حراسة WATCHDOG وهو الأمر الذي عرّضها سابقا لملاحقات عدة، بل أنّه يقوم أيضا أحيانا على إغلاق باب الأسئلة بشأنها بفعل التهويل في وجه كل من تسوّل له نفسه طرح أسئلة بشأن مشروعيتها وملاءمتها، حتى ولو كان خبيرا في مجال الاتصالات أو نائبا من واجبه الدفاع عن مصالح الدولة. بل كأنها تعلن مسبقا أن أي سؤال قد يطرح في شأن هذه الصفقة (التي لا يعرف الرأي العام عنها شيئا) ستتعامل معه القناة على أنه تضليل أو تعبير عن ضلال بمعزل عن أسناده أو مبرراته.       

وبمعزل عن نوايا الوسيلة الإعلامية، فإنّ من شأن هذا الممشى أن يحوّر دور الإعلام من إعلام يضمن الوصول للمعلومات ويطرح الأسئلة إلى إعلام يتجنّد لحجب المعلومات والأسئلة والتهويل على كلّ من قد ينوي طرح أيّ منها، كلّ ذلك من خلال شخصنة النقاش وشنّ حروب تشهير بحقّ أي من هؤلاء من دون تكبّد أيّ عناء في مناقشة هذه الأسئلة ومدى صحّتها. 

تقويض جهود الرقابة والمحاسبة

أمر آخر نلحظه على هامش هذه المقدّمة، هو انخراط وسائل إعلام ذات انتشار واسع في ممارسات من شأنها إضعاف الرقابة والمحاسبة وإحباط أيّ جهد لمكافحة الفساد وحجب الحقائق تحت غطاء كثيف للحقيقة البديلة التي قد تعمل هذه الوسائل على تثبيتها في الوعي العامّ. فمن دون التقليل من أهمية الملفات التي أثارتها القناة في برامجها ونشراتها المختلفة (ومنها ملفات فساد خطيرة كملفّ مبنى تاتش الذي ما كان ليكشف ويتحوّل إلى قضية من دون وسيم منصور)، فإن القناة نحتْ أحيانا في اتجاهات يصعب فهمها، سوى على أنها مساعٍ لإغلاق الملفات أو التهويل على من يقوم بجهود المحاسبة بشأنها. هذا مثلا ما سجّلناه في انخراط القناة في هجوم ناري ضدّ رئيسة هيئة القضايا هيلانة اسكندر وتحديدا ضدّ المواقف التي اتخذتها كممثلة للدولة اللبنانية في قضية ملاحقة رياض سلامة ورفاقه. وهذا أيضا ما سجلناه في تهجّمها في نشرات عدّة ضد المدّعي العام المالي جان طنوس الذي بذل جهودا كبرى لتكوين ملف رياض سلامة. 

وكان قانون حماية كاشفي الفساد الصادر في العام 2018 قد تحسّب إزاء ممارسات كهذه، مؤكّدا ضرورة حماية هؤلاء ليس فقط من التعرّض لأشخاصهم أو لحقوقهم الوظيفية أو المالية، بل أيضا من التعرض الذي قد يسبّب لهم أضرارا معنوية تبعًا لاستهداف أشخاصهم وسمعتهم على خلفية ما يقومون به في سياق كشف الفساد وطرح أسئلة بشأنه. وهذه فرضية تكاد تكون مطابقة لما فعلته القناة بحقّ منصور.  

التسليم بدور “الخبير” في متابعة صفقات الاتصالات

أخيرا، لا بد من التساؤل عن الأسباب التي دفعتْ القناة إلى التركيز على شخص وسيم منصور والتوجّس من تدخّله في هذه الصفقة، علما أنه ليس لا قاضيا ولا محاميا ولا نائبا ولا وزيرا ولا رئيس حزب سياسي ولا “شخصا فضائيا” مؤكدا كما تمّ وصفه. وبالواقع، لا يمكن تفسير ذلك إلا على أنه تعبير عن تسليم القناة بمحورية هذا الشخص بفعل خبرته في مجال الاتصالات ومتابعته للصفقات التي قد تجري في هذا القطاع وتأثيره على أصحاب القرار رغم أنه لا يملك أي سلطة شخصية، حتى ولو أعلنت في الوقت نفسه كرها لهذا الدور الذي سلمت للتوّ به. 

من هذه الزاوية، ومن دون التقليل من خطورة هذه المقدّمة، فإنّ عظمة الهواجس والمخاوف التي عبّرت عنها القناة مما قد يقوم به شخص واحد له الخبرة في قطاع الاتصالات والمثابرة على متابعة الصفقات الحاصلة في هذا المجال، إنما انتهى إلى تكريس دوره في طرح الأسئلة في معرض تجنّد القناة لحجبها.  

انشر المقال

متوفر من خلال:

سياسات عامة ، مؤسسات إعلامية ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد ، إعلام



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني