تسليع لبنان


2024-04-08    |   

تسليع لبنان
رسم رائد شرف

افتتاحية العدد 72 من مجلة المفكرة القانونية – لبنان

الأقنعة لا تسقط. الأقنعة تتبدّل. بمعنى أنّ سقوط قناع لا يُظهر الوجه الحقيقي إنّما قناعًا آخر محله، قناعًا آخر سرعان ما تصوّره وسائل الإعلام على أنّه وجه حقيقي بخلاف القناع الذي سقط، تصوّره كذلك مهما كان بيّنًا أنّه ليس كذلك إلى أن يسقط بدوره في زمن آخر تاركًا المحلّ لقناع آخر أكثر إقناعًا. وبذلك تستمرّ أوبرا “تبديل الأقنعة” مع الوجوه نفسها، من دون أن نرى أبدًا وجهها الحقيقي. وعليه، ما أن أسقط التدقيق الجنائي قناع الهندسات المالية، حتى ظهر قناع جديد على أوجه المصارف. “انسوا أنّها التي تواطأت مع مصرف لبنان للاستيلاء على الودائع. انسوا حتى العمليّة التي تمّ بموجبها تكوين الودائع لدى مصرف لبنان. فقد آن أن تكتشفوا الوجه الحقيقي للمصارف. إنّها ليست كما صوّر لكم. إنّها واحدة منكم. إنّها مودعة مثلها مثلكم، وهي كأيّ مودع مهدّدة بضياع وديعتها “المقدسة”. نعم انسُوا أنّ المصارف شاركت في مخطّط “بونزي”، هذه الكلمة الثقيلة التي رُدّدت على مسامعكم. هي ضحيّة مثلها مثلكم، وقد حان أن تروا الحقيقة كما هي. وكاد مجلس شورى الدولة أن يصرخ: “أيّتها المصارف، أيّها المودعون اتّحدوا” حين اعتبر أنّ تخلّف الدولة عن إيفاء ديون مصرف لبنان تجاه المصارف هو الذي يمنع هذه الأخيرة من إيفاء ديون المودعين لديها.

هذا الكلام ليس طبعًا كلام “المفكرة”. هو كلاممجلس شورى الدولة، الذي وضع يده على الدعوى التي قدّمتها جمعية المصارف ضدّ الدولة خارج اختصاصه، ليصرّح بالفم الملآن: “المصارف مُودعة. الودائع مقدّسة. إذًا حقوق المصارف مقدّسة. والدولة هي المسؤولة عن ردّها”. ولهذه الغاية، تفانى شورى الدولة في استحضار إعلانات الثورة الفرنسية والعالم وأوروبا لحقوق الإنسان وكل ما وصل إليه من مراجع لإضفاء مصداقية على الوجه الجديد: “وجه الضحية” التي تمّ انتهاك حقوقها الأساسية.

وما كان لهذا الكلام أن يأخذ بعده الطاغي لولا حملاتٍ شارك فيها إعلاميّون وسياسيّون مُخضرمون تعهّدوا أن يرجّعوا صداه. وتبرّعت لجنة الإدارة والعدل في فتح ورشة تشريعيّة استمدّت مشروعيّتها من قرار شورى الدولة، قوامها تكليف لجنة فرعيّة دراسة اقتراحيْن قدّمتهما تباعًا كتلتا الجمهوريّة القويّة والتحرير والتنمية وذهبا إلى تحميل الدولة مسؤوليّة ردّ الودائع وتسليع مجمل أصولها أو الجزء الأكبر منها لهذه الغاية. فكأنّما هاتين الكتلتين انتهتَا ليس فقط إلى التسليم بوضعيّة المصارف “الضحية” بل عمدتا إلى منحها وضعية “الضحية الممتازة” أي الضحية التي يقتضي أن تسخّر الدّولة جلّ مواردها لإصلاح الغبن الذي لحق بها، وهو أمر لم تفعله من أجل أي ضحية من قبل. وقد سارعتْ كتلة أخرى وازنة إلى تقديم اقتراح ثالث هدف هو الآخر إلى تسليع الدولة وتسهيل بيع أصولها بعدما أقرّت هي الأخرى مسؤوليّة الدولة في ضياع الودائع. وبالطبع، لم تقدّم أيٌّ من الكتل دراسةً حول أثر اقتراحاتها أو واقعيّة سدّ الفجوة المالية الهائلة بعائدات أصول الدولة التي تشير مجمل الدراسات إلى محدوديّتها. كما من اللافت أنّ هذه الاقتراحات كلّها غلّبت مسؤوليّة الدولة التي أعلنَها مجلس شورى الدّولة في جبر ضرر المصارف الضحية على مجمل وظائفها الأخرى، وفي مقدّمتها ضمان حسن سيْر مرافقها العامّة وإعادة الاعتبار للوظيفة العامة وضمان الحقوق المدنية والاجتماعية والاقتصادية. فكأنّما لا بأس من الاستمرار في تجاهل كلّ هذه الوظائف التي هي تصنع مشروع الدّولة، الأولويّة كل الأولويّة هي لإيفاء المصارف ودائعها. 

وقد أظهرت تاليًا هذه الكتل هوسًا مشتركًا (هي التي قلّما تشترك بشيء) بمصالح المصارف. هوس ظهر  في مقاربة الماضي فلا يُحمّل أيّ من هؤلاء أعباء الخسائر، كما يظهر في مقاربة المستقبل حيث تتوارى وتتلاشى المصالح العامّة التي يجدر بالدولة حمايتُها وراء المصلحة العامّة التي لا يمكن للمصارف استعادة عملها من دونها، وقوامها بيع أصول الدولة وإيفاء الودائع من أجل استعادة الثقة الائتمانية. وقد تكفّلت وسائل الإعلام الكبرى في نقل الهوس والسرديّة التي يرشح عنها بهدف تحويلهما إلى هوس عامّ وسرديّة مُهيمنة، في موازاة تهميش وتقويض كلّ ما يناقضها. فلا ماضٍ إلّا الماضي الذي يظهر المصارف بشكل حسن. ولا مستقبل إلّا المستقبل الذي تستعيد فيه المصارف نفسها بريقها. وبين الماضي الذي يطمس والمستقبل الذي يزداد بريقه والآمال المعقودة عليه، يسهل نهب أموال الدولة التي يرجّح أن تتحكّم بها في حال إقرار هذه الاقتراحات قلّةٌ بأبخس الأثمان استكمالًا لنهب مدّخرات اللبنانيين. وهذا ما دفعنا لعنونة هذا العدد: “تسليع لبنان” تحذيرًا من خطورة هذا المخطط وجسامتِه واستنهاضًا لمقاومته دفاعًا عن المجتمع.

فالماضي ليس كما يصوّره مجلس شورى الدولة أو جمعية المصارف. إذ أنّ المصارف لم تودع أموالها لدى مصرف لبنان كرهًا ولا قسرًا ولا نتيجة حيلة، إنّما أودعت أموالها لديه بنتيجة اشتراكها اليد باليد والفم على الفم (أو فيما يسمّى جمعية أشرار) في إطار هندسات وخطط تكثر الأدلّة والشبهات على طابعها الجرمي. والانهيار لم يحصل نتيجة عدم تغطية الدولة الخسائر الخفية لمصرف لبنان، إنما حصل بشكل أساسي بفعل الكلفة الباهظة لهذه الهندسات والخطط التي ليس بإمكان أيّ اقتصاد أن يتحمّلها. هذا على الأقل ما يؤشّر إليه تقرير التدقيق الجنائي لشركة “ألفاريز ومارسال” الذي حدّد كلفة هذه الهندسات على مصرف لبنان بـ 76 مليار دولار أميركي وهو مبلغ يعادل مرّة ونصف الفجوة التي تثبّت التقرير منها في 2020، هذا عدا عن دعوته إلى إجراء مزيد من التحقيقات بشأن ظروف التعاقد بين الحاكمية والمصارف وشروطه والعمولات المسدّدة في إطاره، وهي تحقيقات لم يباشر لا حاكم مصرف لبنان ولا النيابات العامّة أيًا منها. ومن هذه الزاوية، فإنّ ودائع المصارف لدى مصرف لبنان ليستْ مقدّسة كما وصفها مجلس شورى الدولة إنّما هي أحد عناصر الجريمة التي أطاحت بالمجتمع والدولة.

والمستقبل الذي تعِد به المصارف والكتل النيابية الوازنة، أي استعادة الثقة الائتمانية ومعها ازدهار المصارف والاقتصاد، هو أيضًا مستقبل لن يتحقق أبدًا. فعدا عن محدودية المتوقع تحصيله من تسليع أصول الدولة، يبقى أنّ انهيار المصارف وما أعقبه من مشاعر إحباط وإذلال وخوف من فقدان “جنى العمر”، طبع ويطبع الذاكرة الحيّة للبنانيين، على نحو سيصعب على أيّ كان نسيانها أو طمسها. ذاكرة كهذه لا تعالج بأوهام ولا بتوزيع براءات ذمّة مستحيلة للمصارف ولا باستدعاء مفاهيم “المقدّس” وإلقائها على عواهنها وبالتأكيد لا بتبديل أقنعة… ذاكرة كهذه لا تعالج إلّا بكشف الحقيقة ومُحاسبة شفّافة وفاعلة والأهم بإجراءات تضمن أنّ مصارف الغد لن تكون كمصارف اليوم متفلّتة من أيّ قانون أو ضابط. من هذه الزاوية، فإنّ استعادة الثقة الائتمانية تتمّ ليس في تسليع الدولة والتفريط بها كما يقترح شورى الدولة ومعه كتل وازنة، إنّما على العكس تمامًا، في تقوية الدولة وأجهزتها وقوانينها ووظائفها وفي طمأنة أضعف مواطنيها إزاء عسف أقواهم. بكلمة أخرى، حال اللادولة لا يعالج بمزيد من اللادولة بل بالدولة. 

لقراءة وتحميل العدد 72 بصيغة PDF

انشر المقال



متوفر من خلال:

مصارف ، مجلة لبنان ، لبنان ، مقالات ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني