الوَجه الآخر لـ7 أكتوبر: كيف نُواجِه أسئلة العدالة والحقوق والحرية؟


2024-02-05    |   

الوَجه الآخر لـ7 أكتوبر: كيف نُواجِه أسئلة العدالة والحقوق والحرية؟

عَمِلت السرديات السياسية والإعلامية المُهيمنة، في الغرب وإسرائيل، على تجريد أحداث 7 أكتوبر من تاريخيتها وتحويلَها إلى زمَنيّة مُعلّقة في الهواء، وكأنَّها خرجَت من العدم لتُقيّضَ طمأنينة العالم الحرّ. وبنَفس القدر الذي وُضِعت فيه سبعة عقود ونيف من الاحتلال الإسرائيلي بين قوسين، عَملَت آلة السّرد الغربي على إنتاج اصطفاف مُضَلِّل، يَشتغل وفقا للمنطق الآتي: كل من يَقف مع إسرائيل فهو بالضرورة يقف مع “الحضارة” ضد “الهمجية” و”الإرهاب”. وقد أعطَى هذا الاصطفاف المقدّس كل المبرّرات لآلة التدمير الإسرائيلية، لكي ترتَكِب أبشع جرائم الحرب في التاريخ المعاصر ضدّ الشعب الفلسطيني. وقد ذهب “تضامن المهَيمِنين” أبعد من ذلك، إذ علّقَت دول أوروبية قوانينها الأساسية الحامية لحريات التعبير والتظاهر (بخاصة فرنسا وألمانيا)، وأدارت ظهرها للمذابح، وحاوَلت معالجة الحقائق بإشهار صيَغ قديمة لا تتناسب مع جوهر الوقائع، وأبرزها صيغة مُعاداة الساميّة.

على الضفة الأخرى لاحَت منظومة القانون الدولي وكلّ مُلحقاتها المؤسساتية، وكأنّهَا جَسد مريض ميؤوس من إنعَاشه. وأكثر من أي وقت مَضى، سادَت النزعة القائلة بأن هذا العالم لا يُمكن أن يُحكَم سوى بالقوّة، وأن كل القيم الإنسانية المشتركة لم تعد تصلح لتنظيم الاجتماع البشري. وهذه النزعة في حدّ ذاتها يجري الإعداد لاحتضانها من أنظمَة غير ديمقراطية، خاصة في المنطقة العربية، وهي تُعبّر أيضا عن كل الاتجاهات اليمينية المتطرفّة الصاعدة في أوروبا وأماكن أخرى من العالم، ولعلّ أخطرها على الإطلاق اليمين المتطرف الصهيوني الذي يَحكم إسرائيل الآن.

في الأثناء، ما زَالت المَسيرات الشعبية المندّدة بجرائم الإبادة مستمرة، خاصة في المراكز الغربية، ونجَحت إلى حد كبير في كسر الحصار الدعائي والسياسي الذي مَارَسته العديد من الأنظمة الغربية. ومن خلال إطالة أمد العُدوَان وتوسيع جرائم الحرب، يُرَاد لكل هذه الأصوات أن تُصبح غير ذات جدوى، وكأنها صَرخة أمل في عَرَض الصّحراء. وهنا تَكمن إحدى الدلالات الكبرى التي سيَفتح عليها كلّ ما سيَتلو 7 أكتوبر؛ هل ما زال بالإمكان مواجهة منظومة الإبادة العالمية ولُغتها وأسلحتها وأدواتها السياسية والدعائية؟ وهل بالإمكان إنتاج معانٍ جديدة للتنازع الإنساني والعالمي من خارج الأفق التصفوي؟ هل تَكمُن العطالة في جوهر القوانين ومنظومات الحقوق أم في طبيعة قوى الهيمنة العالمية وأدواتها في فرض إرادتها على الجُموع؟

هذه الأسئلة وغيرها تدفّقَت من سيل 7 أكتوبر، الذي أرادَ له التاريخ أن يتَجاوَزَ مساحة غزة الصغيرة ويُصبِح حالة مُعَولَمة، وبلا شكّ أنه سيكون علامة فاصلة بين زمنين؛ ما قبل 7 أكتوبر لن يكون ما بعده. وفي ظل الاهتزاز القيَمي والفكري والإنساني الذي نشهده اليوم في ظلال 7 أكتوبر، يبدُو الرّهَان مُعقّدًا وهائلاً بخصوص قراءة هذا الحدث وآثاره ونُدوبه، وخصوصا كلّ ما سيتأسّس عليه من مراجعات وتأويلات وسياسات عالمية. ومن الواضح حتّى الآن أن 7 أكتوبر أطلق العنان للعديد من التمثّلات، التي يجري اجتراح معظمها من إرث تاريخي تَصفوي، ويتمّ تَلميعها وإعادة إنتاجها بطريقة عمياء ومُجرّدة من أي معقولية إنسانية.

 
الاستمرار الإسرائيلي في الوجود يُعتبر الوجه الآخر لاستمرار بنية الهيمنة النيوليبرالية

استئنَاف معركة الأنسَنة أم إعادة رسكَلة “صدام الحضارات”؟

إن إعادة تأمّل 7 أكتوبر وما لحِقته من ردود أفعال دولية مُختلفة، يَدعونا ضرورة إلى الوقوف على المضمون الإيديولوجي الذي أصبَغته قوى الهيمنة على الحدث، وخاصة النسخة الأمريكية الإسرائيلية التي تَلُوح أكثر تَناغمًا ووضوحًا. منذ اللحظة الأولى، جرَت مُماثَلة بين أحداث 7 أكتوبر وأحداث 11 سبتمبر 2001، بل اعتبرها الرئيس الأمريكي جو بايدن أنها أخطر منها بـ 15 مرة، وقال: “لقد ارتكبت حماس فظائع تُذكّر بأسوأ ويلاَت داعش، وأطلقت العنان للشر المحض على العالم”.[1] وفي نفس خطّ السّير الأمريكي ظلّ رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يُردّد: “هذه معركة حضارة ضد الهمجية، وإسرائيل تَخوض معركة من أجل الحضارة”.

إعادة استخدام هجمات 11 سبتمبر في توصيف ما يحدث في غزة، واختلاق قصص قطع رؤوس الأطفال واغتصاب النساء، لعبَ دورا دعائيا في حجب المأساة الفلسطينية المستمرة منذ سنة 1948، وحوّلَ الاستعمار الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية -وما نجم عنه من إبادات وتهجير وسلب للحقوق- إلى واقعة لا تَستحق الكثير من الانتباه. وحَصلت استعادة واسعة النطاق لسردية “مكافحة الإرهاب” على الطريقة الأمريكية، التي سبق وأن غذّت غزو العراق واحتلال أفغانستان، مطلع الألفية الثالثة، وألهمَت معها نزعات “الإسلاموفبيا” التي اكتسحت أوروبا والغرب في تلك الفترة.

تمّت أمرَكَة 7 أكتوبر بشكل أو بآخر. بمعنى مَا، استُعيدت مكوّنَات الخطاب الأمريكي الذي بدأَ في التأثير عالميا منذ تسعينات القرن العشرين. وكان أشبه بالتركيبَة التي ضمَّت إليها معاني مختلفة تَجمع بين الحرية على الطراز الأمريكي وبين الصراع الحضاري والديني، وتنازع البقاء بين “محور الخير” و”محور الشر” على حد تعبير الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن. ووَفَّرَ هذا الخطاب الذريعة الإيديولوجية لحملات عسكرية عدّة، وألهمَ السرديات القائلة بالصدام الأزلي بين البُنَى الحضارية و الثقافية “الثابتة”، وقد حاول الباحث الأمريكي صامويل هانتغتون إضفاء مَسحة علموية على تلك السرديات، في مؤلّفه ذائع الصيت “صدام الحضارات”. وهذا التأسيس لفكرة إدارة العالم وفقا لأدلوجة البني الأزلية المتصادمة تتلقّفَه اليوم معظم الخطابات اليمينية الصاعدة في أوروبا والغرب، لتبرير عنصريّتها ضد المهاجرين والسّود وكل المُختلفين. ومن المفارقة أن هذه الخطابات التي تُعتبر سليلة النزعات المؤيدة لتصفيّة اليهود خلال النصف الأول من القرن العشرين، يجري اليوم غَسلها بفعل التأييد الذي تُبدِيه لجرائم الاحتلال الإسرائيلي.   

شقّت سردية “صراع الحضارات” طريقَها نحو التحوّل إلى صيغة تخاطب عالمي في الكثير من الأحيان، تتبدّل أشكال التعبير عنها في بيئات ثقافية واجتماعية مختلفة: صراع أديان، صراع هويات، صراع الشرق والغرب، صراع “نحن” و”هم”، إلخ. وتبدُو هذه السردية مُغرية للكثير من المجتمعات الطّرَفيّة، لأنها ملاذ اليائسين للنجاة من غطرسة الهيمنة، التي تأتيهم في أشكال مختلفة من التفقير والأمراض والاستِلاب الثقافي والاستعمار الاقتصادي. ورغم أن هذه السردية تُعيد إنتاج التنازع العالمي على الطراز الأمريكي، إلا أنّ بعض القوى السياسية -في منطقتنا العربية وغيرها من دول الجنوب- تروّج لها بوصفها الإمكانية الوحيدة للمقاومة والصمود أمام المنظومة الغربية. وهي في الحقيقة تؤدي إلى إعادة إنتاج الهيمنة بشكل أو بآخر، والحفاظ على وعي جماعي مضلَّل، وإخراج الإنسان من حالة التفتّح الذهني إلى حالة التكلّس الإيديولوجي التي تتحكّم فيها نزعات التشنج الهوياتي والإثني والثقافي.

تَكمن خطورة هذه السردية في سعيِها الدؤوب إلى إفقار فكرة “الإنسان”، وهو ما رمَت إليه بالفعل آلة الدعاية الصهيونية منذ انطلاق العدوان على قطاع غزة، من خلال محاولة تقليص وجود الإنسان الفلسطيني إلى ما دون الكينونة الإنسانية، ووصف الفلسطينيين بـ”الحيوانات البشرية”، وفق ما جاء على لسان وزير الدفاع الإسرائيلي. لذلك يبرز سؤال مُلحّ إزاء هذا التأسيس للانحطاط البشري؛ هل نقبل بتعميم التنازع الدولي على النمط الأمريكي الذي تُهيكله إيديولوجيا صراع الحضارات، أم أننا بحاجة إلى أفق تنازعي جديد يكون جوهره الإنسان وليس الإيديولوجيا؟                 

إن حالة الضِّيق الرؤيوي واختناق الخيال الفكري والسياسي، الذي فرضته قوى الهيمنة الغربية وامتداداتها العالمية يستحقّ دينامية مواجهة متعددة الواجهات، تؤسسّ لأنسنَة جديدة مُعولمة تتجاوز الاحتكارات المركزية الزائفة لفكرة الإنسان، وتستأنف في الوقت نفسه الرّوح الحضارية التي حرّرت مصير الإنسان من الإطلاقيات والفكر الغيبي والغرائز القاتلة، في أكثر من حضارة وثقافة. إن استئناف الانحطاط الأرثوذكسي الذي تؤسّس له النسخة الأمريكية الإسرائيلية -في اعتقادنا- لا يُمكن أن يُواجه إلا باستئناف دينامية “أنسنة” جديدة، تُغنِي فكرة الإنسان ولا تُفقرها، وتحرّر الوضع البشري من سرديّات الدّم والإلغاء.

الاحتلال كاستجابة لعولمة البِنية النيوليبرالية

عادة ما تَلعب الخطابات المؤدلجَة دورا في إخفاء الرهانات المادية داخل الصراعات البشرية. ولعلّ محاولة حجب واقعة الاستعمار الإسرائيلي للشعب الفلسطيني كانت من الرهانات الأساسية للخطابات المُؤَمركَة. فهذا الاحتلال المتواصل وما يحيط به من إذلال وحصار وتجويع لشعب بأسره، يُعدّ علامة قوية على استمرار الكولونيالية القديمة في عالمنا. لذلك قرأَت القوى الغربية المذابح التي يتعرّض لها الفلسطينيون بروح استعمارية قديمة، وكانت معظمها عاجزة طيلة الأيام الأولى للعدوان عن تقمّص لغة بسيطة توحي بالقلق الإنساني إزاء ما يتعرض له الفلسطينيون -باستثناء فكرة المساعدات التي تعتبر الوجه الآخر لهذه الروح الاستعمارية- واصطفّت بشكل أعمى إلى جانب المستعمِر الاستيطاني الحيّ، الذي وُلد من رحم ماضيها القريب. رغم الاتصال العضوي والتاريخي بين التوسّع الاستعماري -طيلة القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين- وبين ولادة الاحتلال الصهيوني، فإنه لا يُنظر لإسرائيل كدولة احتلال في الكثير من الخطابات الغربية الرسمية، وإنما كضرورة وجودية يستحقها النظام العالمي. وقد عبّر الرئيس الأمريكي جو بايدن عن هذه الفكرة بقوله: “قد قلتُ منذ فترة طويلة: إذا لم تكُن إسرائيل موجودة، فسيتعيَّن علينا اختراعها”.

إن الاستمرار الإسرائيلي في الوجود -بهذا الشكل المُدمِّر- يُعتبر الوجه الآخر لاستمرار بنية الهيمنة النيوليبرالية، وليس شيئا أعوج في تكوِينها، وإنمّا هو صِناعتها الأصيلة. فهذه البِنية التي يحكُمها منطق توسّع المصالح وإخضاع البشر والجغرافيا يُشكّل الوجود الإسرائيلي ضرورة ملحة لها، إذ سبق وأن فسّرَ المفكر الأمريكي نعوم تشومسكي الترابط بين الدورين الأمريكي والإسرائيلي، بالقول: “إن إسرائيل تقوم بدور الوكيل الذي ينُوب عن الولايات المتحدة لتُصبح مركزا عسكريا وصناعيا وماليا في نظام إقليمي يربط مصر وتركيا ودول الخليج المنتجة للنفط، فضلا عن أعضاء ثانويين آخرين”.[2] وهكذا فإن النموذج الإسرائيلي ضروري لإعادة إنتاج بِنية الهيمنة الاقتصادية في المنطقة، من خلال خَلق شبكات مصالح مستقرة وخادمة لمشروع التوسّع النيوليبرالي. ولعل الوجود الفلسطيني أصبح خاضعا لهذه الهندسة الاقتصادية، ويجري احتواؤه ضمن هذه البنية من أجل إحلال الاستعمار الإسرائيلي بشكل باطني مُعقّد، وجَعله مربُوطا عضويا بالمعيش اليومي للإنسان الفلسطيني. ويصف الكاتب الفلسطيني توفيق حدّاد هذا الوضع قائلا: “ساعدَ المجتمع الدولي “بسخاء” أو هو عرَض المساعدة في سن القوانين المالية والتنظيمية الفلسطينية (المصارف، الرهون العقارية، التمويل والإيجار، التأمين، معاشات التقاعد، الاستثمارات، التجارة، إلخ) ساعياً سعياً حثيثاً إلى تلبية مصالح القطاع الخاص على حساب الحاجات الاجتماعية والبيئية، وقوانين العمل العادلة، ناهيك عن الأولويات الوطنية. كل ذلك تحت شعار بناء مؤسسات دولة فلسطينية مستقبلية. إلا أن ذلك كان في الواقع مُحاولة لإحكام القبضة النيوليبرالية على حركة تحرير وطنية”.[3]

وضمن هذا السياق نفسه تندرج ما تُعرف باتفاقات “أبراهام”[4]، التي تُعدّ مراحل متقدمة لتطبيع الوجود الإسرائيلي في المنطقة وإرسال حقوق الفلسطينيين إلى الهامش من خلال تعزيز التعاون الأمني والاقتصادي بين دول المنطقة العربية وإسرائيل، ولكن دائما تحت سقف الشروط الاقتصادية التي يَتطلّبها تعميم النموذج النيوليبرالي.      

 مُعظم الأنظمة العربيّة أعاد إنتاج المنوال الإسرائيلي في الهيمنة بشكل أو بآخر

غزة الفلسطينية و”غزّاتُنا العربية”

يجرّنا 7 أكتوبر بشكل جارف إلى إعادة قراءة الذات. ولن تكون العودة الثقافوية على الشاكلة الكلاسيكية مفيدة جدّا، على غرار ما سَاد في أعقاب نكسة 1967 من تيارات فكرية صوّبَت كل معاولها نحو الشعوب وأهملت الأنظمة. لذلك يبدو من الأجدى إعادة قراءة أنظمة السيطرة الداخلية ومضامينها واتجاهاتها المستقبلية، وربط تلك القراءة بكل ما يَحصل في غزة وفلسطين المُحتلّة.

لطالما اختفَت أنظمة عربية استبدادية منذ الستينات وراء “الهمّ الفلسطيني” من أجل شرعَنة وجودها الداخلي بالغَلَبة، وتصفية تيارات سياسية وفكرية مناوئة قُذِفَت بتهم “العمالة” و”اللاّوطنية” و”التآمر على الأمن القومي”. ولكن مُعظم هذه الأنظمة أعاد إنتاج المنوال الإسرائيلي في الهيمنة بشكل أو بآخر، من خلال السّماح لنفسه بعسكرة الوجود السياسي والعقاب الجماعي للسكان وتصفية الخصوم السياسيين، وأمننَة الفضاء العام بشكل يختلف من بلد عربي إلى آخر. وبالعموم كانت النتيجة استباحة وجود الإنسان العربي-المواطن، صاحب الحقوق والباحث عن حياة عادلة، مثلما استباحت إسرائيل وجود الإنسان الفلسطيني. وقد كان الكاتب السّوري ياسين الحاج صالح مُوفّقا في استخدام مفهوم “التمَاثلات البراديغمية” لإثبات التّشَابه الهيكلي بين نظام الحكم الأسدي في سورية ودولة الاحتلال الإسرائيلي. ويَصف الحاج صالح جزءًا من هذه التماثلات قائلا: “أنتجت إسرائيل وسورية الأسد لاجئين بالملايين. إسرائيل لم تقُم من دون طرد ثلاثة أرباع الفلسطينيين خارج وطنهم، وسورية الأسد أنتجَت لجوء ما يقارب ستة ملايين، أكثر من ربع السكان، خارج سورية إلى اليوم، فضلا عن عشرات الألوف في سلسلة سابقة من المجازر. المجازر عنصر مشترك في تاريخ القوتين الشرق أوسطيتين”.[5]             

خلال العدوان الأخير على غزة خفتَت حدة التوظيف الرسمي للقضية الفلسطينية، بحكم استشراء التذيّل للموقف الأمريكي. وحتى بعض الاستثناءات التي حاولت رفع سقفها الخَطَابي في إدانة جرائم الاحتلال، على غرار الموقف الرسمي التونسي، فإنها لم تَصدُر عن رؤية جديدة للوضع الفلسطيني والعربي والإنساني، وإنما هي بصدد إعادة إنتاج الطراز العربي الرسمي القديم في توظيف القضية الفلسطينية داخليا. ومن الملاحظ هنا أن النظام الرسمي التونسي ليس بعيدا عن الممارسات العنصرية السائدة في الغرب وإسرائيل. فقد سبق وأن استخدم الرئيس سعيد مصطلحات موغلة في العنصرية للتعبير عن أوضاع المهاجرين من إفريقيا جنوب الصحراء إلى تونس، ملصقًا بهم تهم “الإجرام” و”تغيير التركيبة الديمغرافية” والمشاركة في مآمرة ترمي إلى المس من “الهوية العربية الإسلامية”.    

حاول جزء لا بأس به من الدعاية الرسمية العربية، والقوى الفكرية والسياسية المحافظة المرتبطة بها، استثمار 7 أكتوبر في مكان آخر، من خلال إدانة منظومة حقوق الإنسان، بوصفها بضاعة غربية قديمة ولا قيمة لها في إنصاف الضعفاء والمظلومين، ولكن هذا الموقف الذرائعي يُترجِم عموما رغبة داخلية في انتهاك الحقوق وإلغائها ومحاصرة الحريات، ولا يحمل أي قيمة نقدية تهدف إلى عولمة الحقوق وتعميم العدالة.  

على سبيل الخاتمة: خريطة تضامن عالمي جديدة ممكنة

إن قراءة دلالة الأحداث والمواقف التي عقبت 7 أكتوبر من داخل بنية الهيمنة العالمية وصيرورتها المستقبلية، وامتداداتها المحلّية، وحتى تناقضاتها الداخلية، قد يُعطي مساحة فكرية وسياسية أرحب لتأويل الحدث من خارج المنزلقات والفخاخ التي تضعها أمامنا سردية التنازع الأزلي بين البُنَى الحضارية الثابتة. ولعلّ التفوق العسكري والاقتصادي والسياسي لهذه البِنية هو الذي أدخل كل منظومات الحقوق في متاهَة العطالة، وأعطى انطباعا قويّا بأن تطرّف القوّة هو الذي يجب أن يحكم العالم.

تَكمن خطورة هذا المنطق في أنّه يُهدّد بِقَطع الشريط الإنساني الطويل الذي يَربِط غزة بكل أنصار القضايا العادلة في العالم، من جنوب إفريقيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية. فرغم الهيمنة الدعائية الأمريكية الإسرائيلية أفلح 7 أكتوبر في تشكيل خارطة تضامن عالمي عابرة للتمايزات الإثنية والدينية والثقافية، ضمّت إليها تركيبة احتجاجية ونضالية متنوعة: حركات إيقاف الحرب في أمريكا وأوروبا، حركات السلام العالمية التي تضم الآلاف من اليهود، حركة حياة السود مهمة في أمريكا، مجموعات نقابية وأناركية، تنظيمات للمهاجرين في المراكز الغربية، إلخ. وحتى المؤسسات الأممية والبرلمانية العالمية لم تَسلَم من الاهتزازات والاستقالات، احتجاجا على العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة. ولعلّ قضية الإبادة الجماعية التي رفعتها دولة جنوب إفريقيا ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية تُعدّ نقطة ضوء لاَمعة داخل هذه الخارطة التضامنية.

قد تلوح هذه التركيبة التضامنية غير مؤثرة، مقارنة بالتأثير الذي تلعَبه قوى النفوذ العسكرية والمالية والسياسية الكبيرة، ولكنها تتكلّم لغة سياسية متماسكة وذات دلالات نحو المستقبل، وأظهرت صرامة إنسانية فائقة من زاوية التزامِها بمبدأ تعميم الحقوق والعدالة. وقد أفلحت في الظهور إلى حد الآن بوصفها جبهة مضادة لجبهة الهيمنة، ترفع مطلبين مشتركين: الحقيقة والعدالة. وتدعو إلى إيقاف التضليل والإبادة.      

نشر هذا المقال ضمن الملف الخاص بالعدد 28 من مجلة المفكرة القانونية – تونس، وهو ملف مشترك مع مجلة لبنان العدد 71


[1] خطاب الرئيس بايدن حول أحداث 07 أكتوبر بتاريخ 18 أكتوبر 2023، منشور في الموقع الحكومي الأمريكي.

[2]  نعوم تشومسكي. النظام العالمي القديم والجديد (ترجمة عاطف معتمد عبد الحميد) ط1، مصر: شركة نهضة مصر للطباعة والنشر، 2007، ص: 409.

[3] توفيق حدّاد. 20 أوسلو: بناء الدولة النيوليبرالية. مجلة بدايات. العدد الخامس، ربيع 2013. 

[4] للوقوف أكثر حول هذه الاتفاقات، انظر: سليمان بشارات. اتفاقيات أبراهام وتشكل الجغرافيا السياسية لإسرائيل بمنطقة الخليج العربي. ورقة صادرة عن المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية، الاقتصادية والسياسية. 05 فيفري 2022.

[5] سورية وفلسطين ونظام الإبادة السياسية. مجلة الدراسات الفلسطينية. العدد 116، خريف 2018.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس ، فلسطين ، مجلة تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني