التحركات الأوروبية الأخيرة في تونس: أية نتائج؟


2023-06-16    |   

التحركات الأوروبية الأخيرة في تونس: أية نتائج؟
صورة من صفحة رئاسة الجمهورية التونسية

أثارت زيارة رئيسة الحكومة الإيطالية جورجيا ميلوني القصيرة إلى تونس في 6 جوان المنقضي عديد التكهنات حول محاور “الصفقة الأوروبية” الجديدة التي يتمّ تحضيرها في الكواليس كتمهيد للاتّفاق مع صندوق النقد الدولي، الذي ما فتئت الخطوط الحمراء التي وضعها قيس سعيّد حوله في شهر أفريل المنقضي تتزحزح تباعا. وبعد زيارة الوفد الأوروبي المكوّن من رئيسة الحكومة الإيطاليّة ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين ورئيس الوزراء الهولندي مارك روتة يوم 11 جوان المُنقضي، سُرعان ما لاحت طبيعة المحاور والاتفاقات التي تمّ التطرق إليها. لكن وكالمُعتاد تماما من مثل هذه اللقاءات، لم يتّضح تماما ذلك الثمن الذي ستدفعُه الحكومة التونسية، وإن كانت هناك دلائل متواترة عن تنازلات تونسية محتملة في ملف الهجرة غير النظاميّة خصوصا. ولم تخلُ هذه الزيارة كذلك من الرسائل السياسيّة الداخليّة، حيث سُجّل غياب لافت لرئيسة الحكومة نجلاء بودن عن الاجتماع وسط حضور عدد من الوزراء الآخرين على غرار وزير الاقتصاد ووزير الداخليّة. ولم تظهر رئيسة الحكومة إلا في ما يُشبه الدور التشريفاتي عند استقبال المسؤولين الأوروبيين. فهل هي إشارة لعدم رضا سعيّد عن رئيسة الحكومة وطريقة إدارتها مع تصاعُد الانتقادات من وسط معسكر الرئيس وداعميه قبل مُعارضيه عن الفشل الحكومي والمطالبة بتغيير ديناميكية عمله؟

رئيسة المُفوضية الأوروبيّة تكشف عن الاتفاق

في مُقدّمة تصريحها الصحفي، حدّدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون ديرلاين الخطوط العريضة للاتفاق المطروح، مع التذكير بدعم الاتحاد الأوروبي السابق لـ “رحلة تونس الديمقراطية في طريقها الطويل والصعب” على حدّ تعبيرها. هذه اللهجة الدبلوماسية التي تُشيح النظر عمّا طال الانتقال الديمقراطي في تونس من مطبات كثيرة، ولا تتجرّأ على توصيف المسار السياسي الحالي ونزوعه السلطوي، تؤكّد التوجه الأوروبي القائم على أولويّة مفهوم النظام المستقرّ على حساب ضمان الحقوق والحريات. بل نعتت فون ديرلاين مختلف الانتقادات التي طالت ما وقع في الساحة التونسية ب “الشكوك العالميّة” ولم تُقدّم تحديدا لماهية النظام السياسي القائم حاليّا. وهو ما يُفهم على أنّه تحفظ عن الموقف الذي تمّ التعبير عنهُ في بيان مجموعة الدول السبع خلال الاجتماع الأخير لها في مدينة هيروشيما اليابانية، الذي أكّد على “ضرورة تشجيع الحكومة التونسية على تلبية التطلّعات الديمقراطيّة لشعبها”.

وعلى مستوى مضمون الاتفاقيّة، عرضت رئيسة المفوضيّة الأوروبية حزمة تعاون شاملة مبنية على خمس ركائز، تتضمن مساعدة مالية كليّة بقيمة 900 مليون يورو مع توفير دعم عاجل بـ 150 مليون يورو للميزانية. أما الجانب الثاني فيتعلّق بدعم الاستثمار وإعادة النظر في الاتفاقيّة التجاريّة بين تونس والاتحاد الأوروبي لدعم الاستثمار في تونس، وخصوصا في القطاع الرقمي عبر دمج تونس ضمن مجال كابل “ميدوسا” البحري، الذي يربط 11 دولة عبر البحر الأبيض المتوسط في أفق 2025 لتوفير نطاق الإنترنت العالي السرعة للمنطقة. وفي البعد الثالث من هذا الاتفاق وهو البُعد الطاقيّ، عرضت المفوضية الأوروبية التعاون مع الجانب التونسي في مجال الطاقة النظيفة وتصدير الكهرباء إلى أوروبا عبر مشروع الربط الكهربائي “إلماد” واقتراح تنظيم منتدى استثماري في مجال الطاقة المتجددة ومن بينها الاستثمار في قطاع الهيدروجين الأخضر مع وضع خارطة طريق مشتركة للانتقال الطاقي ومذكرة تفاهم حول مصادر الطاقة المتجدّدة مع تونس.

وفي المقابل لم تتّضح طبيعة الاتفاق حول الهجرة غير النظامية وإن اكتفت رئيسة المفوضية الأوروبيّة في تصريحها ببناء شراكة عمليّاتية وتقديم الاتحاد الأوروبي لـ 100 مليون يورو لإدارة الحدود وعمليات البحث والإنقاذ و”الترحيل”. عدم الإفصاح عن توافق في هذا المجال يُمكن قراءته هنا عبر احتمالين رئيسيّين، بين إمكانيّة رضوخ الجانب التونسي للمطالب الأوروبية بشكل غير مُعلن في انتظار تقييم المسار الذي ستتخذه الخطوات الأولية للاتفاق، أو ربما فتح المجال لمزيد التفاوض حول هذا الملف بشكل دقيق أثناء مناقشة مذكرة التفاهم حول حزمة الشراكة الشاملة التي ستكون محلّ نقاش واسع بين وزير الخارجية التونسي والمفوض الأوروبي لشؤون الجوار قبل تاريخ توقيع المذكّرة المقرّر في أواخر شهر جوان الحالي.

المصالح الأوروبية العاجلة والآجلة

هذا التحرّك الماراتوني، قادته خاصّة رئيسة الحكومة الإيطالية جيورجيا ميلوني على جميع المستويات الدبلوماسية وشمل التواصل مع المؤسسات الماليّة الدوليّة وتوجيه حملة سياسية كاملة ضمن الفضاء الأوروبي لتقريب بعض وجهات النظر. وكان الهدف من الجهود الإيطالية محاولة إحداث اختراقات في الموقف الأوروبي لصالح جرعة استباقية من المساعدات الماليّة قبل توقيع الاتفاق مع صندوق النقد الدولي. ولا يخفى ما لمثل هذا التوجه من انسجام مع أولويّات الحكومة الإيطاليّة اليمينيّة القائمة في استباق ما يُعرف ب”الموجة الصيفيّة” للهجرة غير النّظاميّة واستغلال الاتفاق الأولي الأوروبي حول الهجرة الذي تمّ النقاش فيه بين 27 دولة أوروبية وشهد موافقة كلّ من إيطاليا واليونان عليه بعد سلسلة من المفاوضات الشاقّة قبل يومين من زيارة الوفد الأوروبي لتونس. هذا الدور الإيطالي الذي عمل على استدامة الوضع القائم (statu quo) في تونس خوفا من موجات كبرى للهجرة يعكسُ كذلك تخوّفا من سيناريو سياسي جديد قد يُطيح بالحكومة الحاليّة التي قدّمت تعاونا “استثنائيّا” مع الجانب الإيطالي في سياسات الهجرة وترحيل المهاجرين. وذلك ما نستشفّه من تصريح  ميلوني في لقاء تلفزيّ لها قبيل زيارتها التمهيدية الأولى إلى تونس في 6 جوان، حين قالت: “إذا سقطت الحكومة التونسيّة، فيمكننا أن نعيش سيناريو مقلقا، وهو سيناريو نعمل على تجنّبه. إنها مهمّة ينبغي القيام بها على المستوى الدولي ولا يمكن لأحد أن يُفكّر في أنه يمكنه إيقاف الرياح بيديه”.

أما في ما يتعلّق بالمحور الثاني للاتفاق الأوروبي التونسي الأخير وهو الملف الطاقي، فلم يُوضح الإعلان الصحفي لرئيسة المفوضيّة الأوروبية حجم الاستفادة الاقتصاديّة التونسية منه، ونتحدّث هنا بالتحديد عن الطاقات البديلة. بل ركّز الاتفاق على المكاسب الأوروبيّة تحديدا عبر الإشارة إلى عمليات تصدير معظم الهيدروجين الأخضر المنتج في الأراضي التونسية إلى أوروبا ولم يحدّد أثر هذا الاستثمار في الطاقات المتجدّدة على تجاوز حالة العجز الطاقي في تونس أو باعتباره بديلا عن سياسة دعم المحروقات التي ستتخلّى عنها الدولة خلال السنوات القادمة في صورة التطبيق الكامل لتوصيات صندوق النقد الدوليّ. عدا عن ذلك يطرح استغلال الهيدروجين الأخضر في حدّ ذاته عديد التساؤلات حول الشروط التي سيتمّ اتباعها من الجانب التونسي، مع تنبيه عدد من الخبراء لجملة من النقائص المتعلّقة بالاستثمار في هذا المصدر الطاقي البديل على دول المنشأ. كما أشارت بعض الدراسات إلى عدم وجود أبحاث استباقيّة لتقييم الأثر البيئي والاجتماعيّ لاستغلال الهيدروجين الأخضر مع العلم أن إنتاج هذا النوع من الطاقة يتطلّب كميّة هامّة من الموارد المائيّة واستغلالا مفرطا للموارد الطبيعيّة.

أمّا المحور المتعلّق بربط تونس بمشروع “ميدوسا” للأنترنت عالي التدفق في أفق 2025، الذي لا يقلّ أهمّية عن محاور الاتفاق الأخرى، فيعكسُ كذلك نيّة أوروبية (خصوصا من شركة أورانج الفرنسية المتعهّدة بالمشروع) لمنافسة عديد الاستثمارات الأجنبية في مجال التكنولوجيا الرقمية في تونس، وخصوصا استثمارات شركة “هواوي” الصينية في قطاع أنترنت الجيل الخامس بتونس الذي سيتمّ الإعلان عن خارطة الطريق الخاصّة به خلال هذه السنة حسب تصريح وزير تكنولوجيات الاتصال نزار بن ناجي.

تصريحات بلينكن الأخيرة و تناقضات الموقف الرّسمي التونسي

مباشرة على إثر الاجتماع في قرطاج، واصلت الدبلوماسيّة الإيطالية تحرّكاتها على الساحة الأمريكيّة هذه المرّة، حيث جمع لقاء بين وزير الخارجية الأمريكي أنطوني بلينكن ونظيره الإيطالي أنطونيو تاياني بمقرّ وزارة الخارجية الأمريكية في 12 جوان المنقضي، حيث تمحور كما هو متوقع حول مخرجات اجتماع قرطاج والاتفاق الأوروبي الأخير مع تونس. وقد حرص الطرف الإيطالي كما يبدو على تجاوز الأثر السلبيّ لتقييم وكالة فيتش حول الاقتصاد التونسي، مراهنا على ما تمّ تحقيقه في اجتماع تونس. وقد أنتجت هذه الوساطة الإيطالية بعض الانفتاح في الموقف الأمريكي حول خطّة إصلاح معدّلة يمكن للحكومة التونسية أن تقدمها إلى صندوق النقد الدولي كبديل عن الاتفاق المبدئيّ مع صندوق النقد في أكتوبر الماضي، كما عبّر وزير الخارجية الإيطالي عن التعاطي الإيجابي حول هذا المقترح من قبل مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا خلال اتصال مطول جمعه بها يوم 13 جوان.

غير أنّ التناقضات المسجّلة في الموقف التونسي الحالي، وهي تناقضات جديّة داخل السلطة التنفيذية بين برنامج عمل الطرف الحكومي وتصريحات الرئيس الذي وضع عديد الخطوط الحمراء حول معارضة التفويت في المؤسسات العمومية ورفع الدعم عن المواد الأساسيّة والمحروقات وحديثه عن “رفض الإملاءات من الخارج” لا تُبشر بسهولة التوصّل إلى وثيقة اقتصاديّة منسجمة سيتمّ تقديمها للمؤسسات المالية الدولية في الأفق القريب. إذ تتالت المؤشّرات عن عدم رضا سعيّد على أعضاء بعينهم داخل الحكومة ومن بينهم رئيسة الحكومة نفسها التي طالتها الانتقادات مؤخرا من قبل أنصار الرئيس وبعض الأحزاب المساندة له على غرار حركة الشعب. كما يعكسُ إبعاد رئيسة الحكومة ووزيرة المالية عن الاجتماع مع المسؤولين الأوروبيين رغم تواجد رئيسة الحكومة داخل القصر، عدم الثقة التي أصبحت لدى سعيّد في طريقة التسيير الحكومي، وهو ما ظهر قبل ذلك في اجتماعه مع عدد من الخبراء الاقتصاديين في 31 ماي الماضي الذي انتقد فيه سعيّد الخيارات الاقتصاديّة للحكومة بشكل واضح.

قد تُشير مثل هذه التباينات داخل السلطة التنفيذية إلى إمكانيّة إبعاد رئيسة الحكومة عن عديد الملفات مستقبلا وتولّي القصر مباشرة التنسيق مع بعض الوزارات في الملف الاقتصادي وهو ما من شأنه أن ينزع عن رئاسة الحكومة جزءا مما تبقى لها من صلاحيات فعلية في التسيير، غير أنّ مثل هذا التوجّه قد يزيد كذلك من تحميل المسؤولية السياسية المباشرة للرئيس في إدارة الشأن الاقتصادي، وهي مسؤولية لطالما حاول سعيّد مرارا تحاشيها والتنصل من تبعاتها، سواء عبر خطابات التآمر والتخوين و”التلاعب بقوت التونسيين” أو في تحميل مسؤوليتها مرارا إلى الحكومة دون الظهور في واجهة الأحداث.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أحزاب سياسية ، مقالات ، تونس ، دولة القانون والمحاسبة ومكافحة الفساد



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني