خطوات جديدة متسارعة في طريق الاستبداد في تونس


2023-04-25    |   

خطوات جديدة متسارعة في طريق الاستبداد في تونس
رسم عثمان سلمي

بعد قرابة شهرٍ من الانقطاع، عادت سلسلة الإيقافات السياسيّة في تونس من الباب الكبير. فقد داهمت قوات أمنية في ليلة 17 أفريل مقرّ سكنى راشد الغنوشي، زعيم حركة النهضة ورئيس البرلمان المنتخب في 2019، وأوقفته مع مرافقيْن له. إيقاف الغنوشي جاء على خلفيّة المداخلة التي ألقاها في مسامرة رمضانيّة لجبهة الخلاص، قبل ذلك بيوم، وأثارت جدلا في وسائل الإعلام. كما داهمت قوات الحرس الوطني، بعد ذلك بساعات، مقرّ حركة النهضة في مونبليزير، الذي وُضع على ذمّة الفرقة المركزية الخامسة لمكافحة جرائم تكنولوجيا المعلومات والاتّصال لتفتيشه، وأوقفت القياديّيْن فيها محمد القوماني وبلقاسم حسن، اللذيْن شاركا في المسامرة ذاتها. وصل عدد الموقوفين، حسب تصريح الناطق الرسمي باسم الحرس الوطني، إلى 7 أشخاص، بشبهة “الاعتداء المقصود به تبديل هيئة الدولة أو حمْل السكّان على مهاجمة بعضهم بعضا وإثارة الهرج والقتل والسلب بالتراب التونسي”. وقد صدرت بطاقات إيداع في حقّ ثلاثة منهم، وهم الغنوشي وأحمد المشرقي ويوسف النوري، مع إضافة تهمة التآمر على أمن الدولة، في حين تُرك البقيّة في حالة سراح. تزامنا مع ذلك، تداولت في وسائل التواصل الاجتماعي صورة لبرقية صادرة عن وزير الداخليّة كمال الفقيه تتضمن تحجير اجتماعات حركة النهضة وجبهة الخلاص استنادا إلى الأمر المنظم لحالة الطوارئ، لم تؤكدها الوزارة بشكل رسمي، ولكن تطبيقها بدأ حسب قياديّي الجبهة والنهضة الذين منعوا من دخول مقراتهم. هكذا، مرّت سلطة سعيّد إلى السرعة القصوى في استهداف المعارضة السياسيّة، معوّلة على جهاز أمني مستنفر وقضاء فقدَ آليات المقاومة بوجه سياسة ترهيب لم يعرف مثيلا لها حتى خلال عشريات الاستبداد. ركّزت السلطة بشكل مباشر على حركة النهضة ورموزها، في مسعى للاستثمار في المزاج الشعبي والنخبوي المعادي لها، وتحييد قسم من خصومها ممن لم يتعلّموا درس بداية التسعينات، فألقت قرابين من الحجم الثقيل تسكتُ مؤقتا جوع الناس، لتُنسي عجزها وتخبّطها وتناقضها أمام الأزمة الاقتصاديّة وشبح التخلّف عن السداد.

مقرّ النهضة، من موقع ميدل إيست أونلاين 

تجريم المعارضة

مرّ أكثر من شهرين من وضع سبعة من أبرز قيادات المعارضة التونسية في السجون، في قضيّةالتآمرالتي انفضح تهافت ملفّها، القائم على شهادة ووشاية مجهولتي المصدر خياليّتي المضمون، وتأكّد الغرض السياسيّ منها، وهو تصفية المعارضة وإسكات الأصوات النقديّة ووأد مبادرة سياسيّة كانت في مراحلها الأخيرة. في غياب أدلّة مادّية، كانت “قضيّة القهوة” في حدّ ذاتها دليلا على الطابع السياسي لحملة الإيقافات، وعلى أنّ الرئيس يعتبر أيّ معارضة له تآمرٌ على الدولة. خطابات سعيّد نفسه، وإصداره بنفسه أحكام الإدانة بوجه معارضيه، وتهديده العلني للقضاة الذين “يتجرّؤون على تبرئتهم”، جميعها مؤشرات قويّة تؤكّد الطابع السياسي للعمليّة.

وكما لم يدفع انفضاح غياب الأدلة في ملفّ التآمر السلطة إلى التراجع وإطلاق سراح الموقوفين، فإنّ هذه الأخيرة واصلت في الاعتماد على الأسلوب والتهمة ذاتهما تجاه زعيم حركة النهضة. الفارق الأبرز، هو التخلّي على الصبغة الإرهابيّة هذه المرّة، على الرغم من منع المحامين من الحضور ليلة الإيقاف، في ظلّ انتفاء الحاجة لشهادات أو وشايات مجهولة الهويّة، ووجود شكاية أخرى ذات صبغة إرهابيّة في حقّ الغنوشي.

الغنوشي، الممنوع من السفر منذ ما يقارب السنة، والذي وقع الاستماع له طيلة الأشهر الماضية مرات عديدة في أكثر من قضيّة، جاء قرار إيقافه بعد أقلّ من 24 ساعة من تصريح له، في مسامرة لجبهة الخلاص بثّت مباشرة على وسائل التواصل الاجتماعي. في هذا التصريح، الذي جاء تعقيبا على مداخلة محمد القوماني التقييميّة للجبهة بعد سنة من تأسيسها، قال الغنوشي بالخصوص أنّ “الانقلابات لا يحتفى بها” وإنّما “ترمى بالحجارة”، وأنّ “تصور تونس بدون هذا الطرف أو ذاك، تونس بدون نهضة، بدون إسلام سياسي، بدون يسار، بدون قوميّين(؟)، تونس بدون أيّ مكون من المكونات، هو مشروع حرب أهلية، وهو إجرام”. اعتبر هذا التصريح، وفق كلام الرئيس سعيّد نفسه، “دعوة” للحرب الأهليّة، و”فتنة” هي أشدّ من القتل. لترسيخ هذا التأويل، بثّت صفحات الفايسبوك وبعض وسائل الإعلام التصريح بطريقة مجتزأة ومركّبة، بشكل يقتصر فيه الحديث على النهضة والإسلام السياسي، وهي النسخة التي جوبه بها الغنوشي أثناء استجوابه من طرف قاضي التحقيق، مما أثار احتجاج محاميه.

لكن، بقطع النظر عن مدى ملاءمة المفردات المستعملة في التصريح أو التقييم السياسيّ له، فإنّه يبقى مجرّد تصريح، أي من “الأقوال” التي لا تتوفّر فيها أركان جرائم التآمر أو “الاعتداء” المقصود به تبديل هيئة الدولة، التي تحتاج أفعالا مادّية. إذ أنّ ملاحقة الغنوشي من أجل هذا التصريح بالذات يصنّف آليّا القضيّة ضمن محاكمات الرأي. ويشكّل عدم تناسب تصريحه مع التهم الموجّهة إليه دليلا إضافيا على أنّ قرار الإيقاف كان سياسيّا، وليس من المستغرب تاليا أنّ خبر بطاقة الإيداع قد نُشر في وسائل إعلام معتبرة قبل صدورها عن قاضي التحقيق بساعات، بما يؤشر إلى أنّ القرار كان محسوما قبل الاستماع للغنوشي ومحاميه.

أمّا مسؤولية الغنوشي عن فشل الانتقال الديمقراطي، والأخطاء أو حتى الخطايا التي قام بها خلال مسيرته السياسيّة والتي ساهمت بدرجة كبيرة في الوصول إلى الوضع الحالي، فهي مسؤولية سياسيّة، يمكن أن تفسّر (إلى جانب عوامل أخرى ليس هنا المجال لاستعراضها) الصورة السلبيّة التي تشكّلت عنه لدى جزء كبير من الرأي العامّ، ولكنّها لا تبرّر التشفّي في إيقافه. فما بالك بالإيقاف في حدّ ذاته؟ إذ أن المسؤوليّة السياسيّة، مهما كانت فادحة أو كارثيّة، فإن جزاءها يكون  سياسيا. أمّا المسؤولية الجزائيّة، فتترتب على وجود أفعال واضحة مجرّمة بالقانون، وتوفّر أدلّة على وقوعها وعلى مسؤولية الشخص عنها. كثيرا ما يختلط الأمر في النقاش العامّ، خصوصا في علاقة بالحركة الإسلامية وبالقضايا الأكثر حساسيّة، المتعلّقة بالاغتيالات السياسيّة والإرهاب والتسفير. وقد عادت هذه القضايا إلى الاستغلال السياسي بقوّة في الآونة الأخيرة، حيث ربطت بعض أبواق النظام بين إيقاف الغنوشي وزيارة وزير الخارجية السوري فيصل المقداد بعد قرار سعيّد تطبيع العلاقات مع نظام الأسد، مفترضة حيازة السلطات السورية لـ”أدلّة على تورّط حركة النهضة في تسفير المقاتلين التونسيين”. كما أنّ سعيّد، في معرض دفاعه على إيقاف الغنوشي، لم يتردّد في الإشارة إلى عمليّة ذبح الجنود في جبل الشعانبي في صيف 2013، في تلميح إلى الربط بين النهضة والإرهاب. يبقى أنّ إيقاف الغنوشي جاء على خلفيّة تصريح سياسيّ، وبقرار سياسيّ، في سياق استهداف غير مسبوق منذ الثورة للحريات السياسيّة، وسجن عشرات المعارضين من خلفيّات سياسيّة متعدّدة في قضايا مختلفة القاسم المشترك بينها تهافت ملّفاتها واعتمادها على قضاء تحت الترهيب. وليس أدلّ على ذلك من تزامنه مع قرار وزير الداخلية غلق مقرات حركة النهضة وجبهة الخلاص.

حالة الطوارئ: المطيّة القديمة-الجديدة لنفي الحريات السياسية

إذا كان إيقاف الغنوشي حلقة جديدة في سلسلة متواصلة وممتدّة من الإيقافات السياسيّة، بلغت أوجها منذ منتصف شهر فيفري، فإنّ غلق مقرات النهضة وجبهة الخلاص بقرار من وزير الداخلية يشكّل سابقة خطيرة في مجال الحريات السياسيّة. ولئن لم تعلن الوزارة بشكل رسمي عن القرار، باستثناء تأكيد وكالة رويترز له نقلا عن مصدر رسمي، إلاّ أنّ تطبيقه بدأ في الواقع، بما يرجّح صدقيّة الوثيقة المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي. تتمثل هذه الأخيرة في برقيّة من وزير الداخلية إلى المديرين الأمنيين في تونس والمناطق، إضافة إلى الولاة، تتضمن “تحجير الاجتماعات” بمقرات حركة النهضة بكامل تراب الجمهورية، ومقرّ جبهة الخلاص في العاصمة، بالاستناد إلى الفصل 7 من الأمر عدد 50 لسنة 1978 المنظم لحالة الطوارئ.

هذا الأمر الذي صدَر بشكل مستعجل في 26 جانفي 1978، اليوم ذاته لإعلان حالة الطوارئ للمرة الأولى بعد الاستقلال بمناسبة الإضراب العامّ العمالي، لم تنجح فترة الانتقال الديمقراطي في إلغائه على الرغم من مخالفته الواضحة للدستور. بل أنّ حالة الطوارئ طبّقت بشكل متواتر منذ الثورة، ومن دون انقطاع منذ نوفمبر 2015، وهو ما كان قيس سعيّد الخبير في القانون الدستوري ينتقده بشدّة. لكنّ استعمال حالة الطوارئ اقتصر بالأساس على صلاحية الإقامة الجبريّة، ومنع الجولان في مناسبات محدّدة. حتى محاولة سلطة الرئيس قائد السبسي استعماله لمنع المظاهرات المندّدة بمشروع قانون المصالحة، لم تمرّ أمام يقظة المجتمع الحقوقي والسياسي حينها. قيس سعيّد، الذي اعتبر حين مدّد للمرة الأولى منذ وصوله إلى قصر قرطاج حالة الطوارئ، أنّه كمنيقبض على الجمر، واقترح حينها وضع صلاحية الإقامة الجبرية في قانون الإرهاب للخروج من حالة الطوارئ، طبّع معها بشكل لافت، خصوصا منذ انقلابه على الدستور الذي أقسم على احترامه. اقتصر اجتهاد الرئيس الحريص جدّا على الشكليات، على تفادي تكرار التمديد، والمرور في كلّ مرّة عبر إعلان جديد لمدّة شهر، يليه تمديد وحيد لمدّة طويلة، بستة أشهر في 2021 ثمّ سنة كاملة ابتداء من 2022. فالإعلان المتجدّد عن حالة الطوارئ لا يعكس كما ذهبت إليه بعض القراءات فارقا في الصلاحيات الممنوحة، وإنما تحايلا في تطبيق إجراءات الأمر عدد 50 لسنة 1978 التي تفترض تمديدا واحدا يتضمّن أجلا نهائيّا.

منذ الأسابيع الأولى لانقلابه باسم حالة الاستثناء، لم يتردّد سعيّد في استعمال حالة الطوارئ، خصوصا صلاحيّة الإقامة الجبرية، التي شملت في البداية 50 شخصيّة ودامت أكثر من شهرين، ولم ير الرئيس الأول للمحكمة الإدارية حينها موجبا لإيقاف تنفيذها. كما استعملت حالة الطوارئ لوضع القيادي في حركة النهضة نور الدين البحيري بالإقامة الجبرية واخفاء مكانه خلال الأشهر الأولى لسنة 2022. وقد تعدّدت الإشارات في الآونة الأخيرة حول خطر استعمال صلاحيّات حالة الطوارئ للتضييق أكثر فأكثر من هامش الحريات. فقد أشار سعيّد نفسه، خلال زيارته لمقرّ وزارة الداخلية مباشرة بعد الشروع في حملة الإيقافات، إلى أنّ التظاهر من المفرض أن يكون ممنوعا في ظلّ حالة الطوارئ. كما منع والي أريانة خالد النوري، قبل بضعة أيّام من قرار غلق مقرات النهضة وجبهة الخلاص، الحزب الدستوري الحرّ من عقد “ندوة ثقافية” تحت عنوان “المرأة البورقيبية في مجابهة الظلاميّة”، بالاستناد إلى حالة الطوارئ. كل هذه المؤشرات تدلّ على توجّه السلطة إلى استعمال صلاحيّات الأمر المنظم لحالة الطوارئ بشكل واسع وتعسّفي لنفي الحريات السياسيّة وغلق مساحة العمل المتبقّية للأحزاب المعارضة. إذ أنّ غلق مكاتب قوة سياسيّة معيّنة ومنع اجتماعاتها ليس مجرّد تضييق عابر من الحريّة، وإنّما يكاد يضاهي في استتباعاته منع نشاطاتها، من دون المرور عبر إجراءات المرسوم المنظم للأحزاب السياسيّة. فهو يذكّر باستعمال حالة الطوارئ طيلة عقود في أنظمة عربيّة استبداديّة لقمع الحريات السياسيّة. وهو تأكيد إضافي على الطابع البوليسي لنظام سعيّد، حيث تصدر القرارات من مبنى وزارة الداخليّة، وتطبخ الملفات هناك، ولا يبقى للقضاة سوى الانصياع إلى الأوامر، بعد أن ذاقوا جزاء الاستقلالية مع المذبحة التي استهدفت زملاءهم بسكاكين الداخلية. وهو أيضا مؤشر إضافي على تحويل الحركة الإسلاميّة إلى “مسألة أمنيّة”، كما حصل في أواخر الفترة البورقيبيّة ثمّ في بداية التسعينات مع بن علي، حين بدأ القمع بملاحقة الإسلاميين قبل أن يشملّ كلّ الحريّات وكلّ صوت يتجرّأ على نقد للسلطة.

لا ديمقراطية من دون حقّ الجميع في العمل السياسي

استهداف حركة النهضة وجبهة الخلاص في مرحلة أولى لا يعود فقط إلى أنّها لا تزال القوة المعارضة الأكثر حضورا في الميدان. وإنّما يهدف أيضا لاستغلال الحرج الذي يخلقه التضامن مع النهضة لدى جزء غير يسير من خصومها الأيديولوجيين. فبعد قرابة سنتين من انقلاب سعيّد على الدستور ونسفه جلّ المكتسبات الحقوقية والديمقراطية التي جاءت بها الثورة، لا تزال مسألة العلاقة مع النهضة وزعيمها تعيق مساعي توحيد المعارضة، بغضّ النظر عن مدى نجاعة الفكرة في قلب موازين القوى. بل أنّ سؤال حقّ الإسلاميين في العمل السياسي ظلّ غير محسوم لدى قسم من النّخب، خصوصا وأنّه اختلط في كلّ مرّة مع السؤال التكتيكي حول التحالف معهم.

يبقى أنّ الموقف المبدئي، الذي غاب على جلّ النخب السياسيّة الديمقراطيّة والحقوقية في بداية التسعينات، في سياق الحرب الأهلية في الجزائر وانزلاق الإسلاميين في تونس نحو العنف، لا يجب أن يتكرّر اليوم. فالإقرار بحقّ الجميع في العمل السياسي لا يحتمل تنسيبا ولا استثناء، وإنّما هو ببساطة شرط ديمقراطي ضروري. فإذا كان التساؤل حول مدى التزام الإسلاميين بالقيم الديمقراطيّة مشروعا، فإنّ التجربة الحاليّة أثبتت أنّه لا يقلّ مشروعيّة بخصوص بقيّة التيارات الفكرية والسياسيّة. أمّا مسؤوليّة حركة النهضة وزعيمها (مع غيرها) في فشل الانتقال الديمقراطي، فلا تنفي أنّ بقاءها في الحكم لم يكن بالانقلاب على الدستور أو بالقوّة العسكريّة كما في تجارب أخرى، وإنّما عبر صناديق الاقتراع، على الرغم من التراجع الحادّ في نتائجها الانتخابيّة. فمن عجز على هزم الإسلاميين بالصناديق بالرغم من تراجع شعبيّتهم لا يجب أن يتوهّم إمكانيّة القضاء عليهم بالدبابة. ليس فقط لأنّ ذلك غير ممكن أصلا، ولكن أيضا لأنّه سيكون، يوم تنتفي حاجة السلطة المستبدّة إليه، الضحيّة القادمة.

انشر المقال

متوفر من خلال:

أجهزة أمنية ، أحزاب سياسية ، حرية التعبير ، حرية التجمّع والتنظيم ، مقالات ، تونس ، لا مساواة وتمييز وتهميش



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية