أطياف المطرودين: قراءة في كتاب “المشهد الموريسكي”


2024-04-09    |   

أطياف المطرودين: قراءة في كتاب “المشهد الموريسكي”

أواسط سنة 2023، صدر للمؤرخ التونسي المختص في تاريخ الموريسكيين (مسلمي إسبانيا بعد سقوط غرناطة، آخر إمارة إسلامية في شبه الجزيرة الإيبيرية سنة 1492) حسام الدين شاشية، كتاب جديد عن مركز البحوث والتواصل المعرفي في الرياض، بعنوان “المشهد الموريسكي: سرديات الطرد في الفكر الإسباني الحديث”. وقد توّج الكتاب، في 4 أفريل 2024، بجائزة الشيخ زايد للكتاب فرع “المؤلف الشاب”. جاء هذا الكتاب استكمالا لمشروع استهله الكاتب مع عمله الأول: “سفرديم وموريسكيون: رحلة التهجير والتوطين في بلاد المغرب 1492-1756”. لا يسعى هذا المشروع للتأريخ للحدث الرئيس في تاريخ الموريسكيين وإسبانيا الحديث، أي قرار طرد الموريسكيين نحو بلاد المغرب سنة 1609 في وقائعه وحيثياته، وإنما يتّجه أساسا لتأريخ السرديات التي تزامنت مع هذا الحدث ورواية كل طرف فاعل فيه وفقا لخلفياته وأهدافه، مستعينا في ذلك بمنجزات المناهج والعلوم الاجتماعية الحديثة من بنيوية وتأويلية. 

وفي حين خصّص شاشية كتابه الأول لتشريح سرديات كل الأطراف المتزامنة مع حدث الطرد، فإنّ هذا العمل مخصّص لما بعد الطرد، وللفكر الإسباني دون غيره على امتداد ثلاثة قرون. لنغادر زمن الفعل والتاريخ، نحو زمن الذاكرة، حيث يقع إنتاج هذا الحدث مرارا وتكرارا، وفقا لكل مرحلة. وهي إعادة إنتاج متوقعة أمام حدث مفارق، هو أول عملية تهجير قسري ضخمة، مهيكلة ومنظمة في التاريخ الحديث. تأتي أهمية هذا العمل لتتبعه كمّا هائلا من النصوص مختلفة الطبيعة والشكل من كتابات تاريخية، مسرحية، دينية، شعرية، روائية وصحفية، والتي بالرغم من غزارتها إلا أنها لم تحسم الجدل حول موضوع طالما ادّعى اليمين الإسباني منذ القرن السابع عشر إغلاقه نهائيا. ولعل أدلّ ما جاء في غياب هذا الحسم، ما يورده المؤلف على لسان “مارثيلينيو مانديث إي بيلايو” أحد أشهر محافظي القرن التاسع عشر، بعد حوالي ثلاثة قرون من الطرد: “أحتفي بالطرد بنفس حماس كلّ اسبانيا القرن السابع عشر”.

لم يكن استمرار هذا الحماس والاحتفاء بالتهجير سوى جانب من جوانب مشهد متشعب الخيالات ومتعدد الألوان، سعى “المشهد الموريسكي” لتفكيك ملامحه. فانقسم الكتاب بناءً على التقسيم الثلاثي للفترة الحديثة من تاريخ الفكر الإسباني. فخصّص شاشية الفصل الأوّل إلى كتابات القرن السابع عشر والتي ألحق بها كتابات الثلث الأخير من القرن السادس عشر، المعروفة بـ “كتابات العصر التبريري” أي أنها كانت منصبة من أجل الدعوة لطرد الموريسكيين كحلّ وحيد ثم تبرير ذلك القرار والتأكيد على عدالته بعد اتخاذه. أمّا المرحلة الثانية فتتمثل في كتابات القرن الثامن عشر الموصوفة بكونها مرحلة النسيان والتجاوز. أما الفصل الأخير فقد خصّصه لما أسماه “عودة المطرودين” كموضوع للنقاش مع إعادة بناء إسبانيا ما بعد الإمبراطورية في القرن التاسع عشر وتركيز الإنتاج الفكري على هذا الهدف، أي البحث في جذور التأخر أو الضعف الإسباني القريبة والبعيدة على حدّ سواء. وعلى امتداد المراحل الثلاث، سعى المؤلّف إلى مساءلة السردية العامّة السائدة حول كل حقبة وتنسيبها من خلال نصوصها في ذاتها.

لا صوت يعلو على أجراس الطرد: كتابات عصر التبرير 

كان الحماس الديني “التيمة” الطاغية على نصوص القرن السابع عشر، بمختلف أصنافها من لاهوت وحجاج وتاريخ وشعر ونثر، وظّفت جميعا في خدمة الغرض الأسمى أي تطهير إسبانيا من الموريسكيين نهائيا. وتتشارك جلّ هذه الأعمال في رسم صورة مجازية للموريسكي غير الإنساني، سيقع توظيفها فيما بعد في كل تجارب الطرد والإبادة، باعتباره سرطانا لا يمكن التخلص منه إلا بالبتر حتى لا يتعفن باقي جسد المجتمع. وهنا يستشهد المؤرخ بنصّ لأحد الوعّاظ المساهمين في عملية الطرد والذي كتبه بعد سنتين تقريبا من صدور القرار: “لا يمكن أن يكون أبدا داخل أيّ منهم –لا سابقا ولا حاليا- بذور الصلاح، فهناك دائما أشواك الخيانة والجحود والكفر… وهو بالنسبة إليهم أمر ينبع من طبيعتهم”.

وإن أوحت هذه الكتابات بداية اتفاقا حول وجاهة الطرد كحلّ، إلا أنّ التدقيق فيها يبرز تأرجحًا في تحديد السبب الموجب لذلك القرار، بين الإثنية والدين. إذ تارة يقع تصوير الموريسكيين كمسلمين متخفّين، بينما تركّز كتابات أخرى على أنّ المطرودين في أحيان كثيرة كانوا مسيحيّين صادقين ومع ذلك فإن القرار كان عادلا لأن هؤلاء مختلفون عرقيا وثقافيا عن المجتمع الإسباني الناشئ. وقد حاول شاشية التأليف بين هاتين الفكرتين في اتجاه التأكيد على “ثقافية” الطرد في معناه الواسع، أي أن كلّ المبررات الدينية والسياسية والعرقية والاقتصادية التي حشدها المبررون على اختلاف خلفياتهم، لم تكن في النهاية سوى تبرير لنزعة كامنة في رفض ذلك المختلف في ذاته. 

وتمثل قصيدة الشاعر “غاسبار دي هيتا” التي كتبها مباشرة بعد هزيمة الموريسكيين في ثورة البشرات، مثالا جليّا لذلك الاضطراب الإسباني المبكر حول فهم الآخر واستيعابه. إذ يعتبر شاشية أن الشاعر تمثّل الثورة “كمواجهة بين إسبان” تحديدا في أواخر القصيدة حيث يقول: “ويا للألم الرهيب الذي شعر به المورس…على الرحيل من وطنهم الحبيب”. ومع ذلك، فإنه يعود في مرحلة لاحقة لمدح الملك فيليب صاحب قرار الطرد النهائي، الذي خلّص الأمّة الإسبانية من شرور” الطائفة المحمديّة” أو تلك الجماعة غير المسيحية.

ومن خلال تشريح نصوص تلك الفترة، سعى الكاتب لتسليط الضوء على جانب آخر غطّت عليه النزعة العدائية العامّة، ألا وهو التعاطف الإنساني الذي أبداه بعض الكتاّب مع المطرودين خصوصًا ضمن النصوص الإخبارية، التي لم يتوانَ أصحابها عن تصوير بؤس قوافل المهجرين من قراهم والمكدسين في الموانئ ومراكز الترحيل. تعاطفٌ وإن لم يكن صريحا بما يكفي ليتحول إلى احتجاج ورفض لهذا الخيار، إلا أنه مثّل نموذجا مثاليا لسرديات موازية حاول بعض الرافضين للطرد من نبلاء متضررين من هجرة اليد العاملة الموريسكية الرخيصة أو كهنة يسوعيين رافضين للرؤية الدينية الرسمية، وضع اللبنات الأولى لها.

يمنحنا هذا العرض الشامل لمجمل كتابات الفترة التبريرية صورة لم تزعزع السردية السائدة لـ “الإجماع” الإسباني حول عدالة الطرد وأحقيته. ومع ذلك فإنه كشف جذورا وبوادر لاختلافات، وإن خنقتها في السنوات الأولى حدة الحماس الديني والرقابة الصارمة للتاج ومحاكم التفتيش، إلا أنها سترتفع فيما بعد، عندما يُمسي الطرد حدثا من الذاكرة وتبرز آثاره الاقتصادية والديمغرافية بعيدة المدى. 

من شياطين إلى سفراء حضارة: كتابات القرن الثامن عشر 

جاءت كتابات القرن الثامن عشر في سياق مختلف، خمد فيه الصراع الإسباني المفتوح مع العالم الإسلامي وأثمر فيه قرار الطرد نتائجه المباشرة: تصفية الوجود الموريسكي العلني من إسبانيا في بعده الجماعي. فخفتتْ حدّة الحمية الدينية ودخل الفكر الإسباني مرحلة جديدة من التطبيع مع ما بقي من إرث الجماعة. بمناسبة محاكمات غرناطة الشهيرة لسنة 1723، والتي لاحقت فيها محاكم التفتيش مئات من سكان مدينة غرناطة بادّعاء ممارستهم عادات وتقاليد إسلامية، غابت عن النصوص الإخبارية والدينية تلك الإدانة الكبرى لهذا الحدث. وعوض اعتماده لمواصلة تخويف الجماهير والسلطة – في الآن نفسه – من الخطر الإسلامي الكامن والطبيعة الشيطانية الفاسدة للموريسكيين، كان المخطوط مجهول المؤلف الذي اشتغل عليه شاشية مثالا لما وصفه بتطور في رؤية الموريسكي من اعتباره “ذلك العدو والخائن والآثم” إلى اعتباره إسبانيا قابلا لرؤية “نور الصليب والسير في الطريق المسيحي القويم” كما ورد في عبارات المخطوط. ولكن اللافت هنا، هو أن هذا التوجه، لم يتحول في النهاية إلى قبول بالآخر الموريسكي، كفرد مختلف دينيا أو ثقافيا، بل إن أقصى ما جاء به هو القبول بأنسنة هذه الجماعة، وقابليتها للانصهار في المجتمع الإسباني الموحد دينيا. 

ضياع الهوية الموريسكية خلال هذه الفترة وانحدارها لمجرد عادات وتقاليد يصفها صاحب المخطوط المجهول بـ “الهراء الذي لا معنى له”، وفقدان الجماعة لقوتها الاقتصادية والديمغرافية، مثّل عاملا آخر لتراجع الكراهية تجاهها. وهو تراجعٌ يمكن وصفه بكونه مجرد لامبالاة تجاه أقلية شبه منقرضة، لم تبلغ أن تكون حالة من التعاطف الجماعي. ولكن بدخول رافد جديد للفكر على الخط، أي انتشار الصحف المكتوبة، ووصول إسهامات فكر التنوير الفرنسي، خصوصًا نصوص فولتير في التسامح الديني، ظهرت نصوص صحفية –على قلتها العددية– حاولت ولأول مرة إعادة قراءة حدث الطرد لسنة 1609، كحدث بشري. وعليه تحولت مقاربته من اعتباره أمرا إلهيا مقدسا بثه الوحي السماوي للملك، إلى اعتباره خطأ استراتيجيا أو حتى خدعة نسجها المحيطون به من نبلاء ورجال دين.

إلاّ أنّ التغيّر الجذريّ الذي لاحظه شاشية خلال هذه الفترة، لم يتعلّق ببقايا الموريسكيين الموجودين في إسبانيا، وإنما بالمطرودين وراء البحار، في بلدان الإيواء، خصوصًا تونس. إذ تمنحنا كتابات الراهب الإسباني “خيمينث” الذي أمضى سنوات عدة في الأسْر في تونس أربعينات القرن الثامن عشر، صورة مغايرة للجماعة الموريسكية. فعوض ربطهم بمظاهر الفقر والشعوذة والعطالة كما درج في أدب الشطر الإسباني حول بقايا الموريسكيين الموجودين في قعر المجتمع الإسباني خلال تلك الفترة، قدّم الراهب الموريسكيين المقيمين في البلدات التونسية كتستور وغيرها على أنهم جماعة “متحضرة” مقارنة بالسكان المحليين. وهو ما ردّه لتأثير الثقافة الإسبانية عليهم ذهنيا وماديا. وهنا بالذات تنقلب السردية الإسبانية من تصوير للتوحش الموريسكي إلى تقديم الأخيرين كسفراء للثقافة الإسبانية الراقية في بلاد “بربريا”. وعوض التركيز على خيانات هؤلاء وتحالفهم مع المغاربة أبناء دينهم ضد الإسبان، لا ينفكّ خيمينيث عن تكرار سرد قصص حنين المطرودين لبلدهم الأمّ إسبانيا، بل وحتى استمرارهم سرّا في إجلال الديانة المسيحية. ويؤكد شاشية أن ما يقدمه خيمينث من صورة عن الموريسكيين لا يطابق بالضرورة الواقع، بل قد تكون صورة متخيلة سعى خيمينث لرسمها لهذه الجماعة، خصوصا بالنظر إلى صمته المطلق حول كل مظاهر التديّن الإسلامي التي مارسها الموريسكيون في قراهم التونسية. .

في جذور الانحطاط الإسباني: كتابات القرن التاسع عشر

بالنسبة للفكر الإسباني، مثّل القرن التاسع عشر قرن المكاشفات الصريحة بلا منازع. إذ توارى شبح الإمبراطورية الإسبانية القديمة، ليكشف عن ملكية هشة وضعيفة أمام الغزو “النابولياني” والرأسمالية الأمريكية وراء البحار. ومع توالي الهزائم، أصبحت مساءلة الحاضر ومؤسساته: التاج والكنيسة ومحاكم التفتيش والماضي وخياراته: طرد الموريسكيين وقبلهم اليهود السفرديم، أمر لا مناص منه. خلال هذه الفترة، اشتركت جميع الكتابات تقريبا في إعادة بناء حدث الطرد خدمة لمعارك العصر والتحديث: إذ أنّ النقاش الحيوي حول جدوى المحافظة على مؤسسة محاكم التفتيش كهيكل من هياكل التنظيم القضائي الإسباني، استحضر تاريخ هذه المؤسسة الدموي تجاه غير الكاثوليك، وخاصة المسلمين منهم. وللمرة الأولى أطنبت الأبحاث التاريخية والقانونية لليبراليّين الإسبان، في إدانة صريحة للعنف الصادر عن هذه المؤسسات. 

أعادت هذه الأبحاث أيضا تقييم حدث الطرد بهدف الوقوف على أسباب عجز إسبانيا عن مواكبة النهضة الصناعية للقرن التاسع عشر، الذي لم تتوانَ عن ربطه بالاختلال الديمغرافي وإفراغ الأرياف والقرى الجنوبية من ساكنيها من الفلاحين الموريسكيين والحرفيين المهرة. ومن خلال المثالين السابقين، تتعزز فكرة مفادها أنّ الفكر الإسباني وإلى حدود القرن التاسع عشر، لم يكن قادرا صراحة على إدانة الطرد باعتباره مثالا للتعصب ورفض قبول الآخر. بل أنّ إدانته قامت على ما وصفه شاشية بكونه “دوافع براغماتية”. وهي دوافع كثيرا ما ارتبطت بصراعات حول مسائل راهنة كبقاء مؤسسة محاكم التفتيش على سبيل المثال، والتي رغم إلغائها بداية، سرعان ما نجح المحافظون في إعادة تكريسها. لتبرز بذلك من جديد كتابات دافعت عن هذه المؤسسة باعتبارها المساهم الرئيس في حماية إسبانيا ووحدتها من “المندسّين المسلمين” وغيرهم. 

كما يتأكد استمرار لعبة التوظيف والتوظيف المضاد خلال هذه الحقبة من خلال النصوص التي برزت إثر الحملة الإسبانية على مدينة تطوان المغربية سنة 1860، والتي أحيت الحماس الديني والقومي، وسعتْ لبناء سردية حديثة للأمة الناشئة على أساس حتمية الصراع الإسباني الإسلامي الطويل. ولعلّ كتاب الصحفي فلورنثيو خانر “الحالة الاجتماعية للموريسكيين في إسبانيا” مثال نموذجي لما أسماه صاحب المشهد الموريسكي “إيجاد جذور للقومية الإسبانية الناشئة في القرن التاسع عشر والدفاع عن مشروعية وجودها، باستعمال أحداث ومقولات تاريخية” هي بالأساس حدث الطرد. 

من البُشرات إلى غزة: عود على بدء 

مثّلت عملية البُشرات سنة 1609 أول عملية طرد نفذتها الدولة الحديثة. وعلى خلاف عمليات التهجير والقتل الجماعي والعشوائي للفترة الوسيطة، منحت بيروقراطية البلاط والمنجزات التقنية الحربية والبحرية على حدّ سواء التاج فرصة إدارة عملية ترحيل منظمة ومهيكلة لمئات الآلاف من الأفراد. وبذلك دشّنت شكلا جديدا من تعاطي الدول القومية الحديثة مع الأقليات الدينية أو الإثنية في سياسة ستعرف فيما بعد بسياسة “الحلّ النهائي”. 

ومصطلح الحل النهائي، وإن لم يظهر في كتابات ما قبل القرن العشرين المتعلقة بالمحرقة النازية، إلا أنّ شاشية لم يتردد في استعماله هنا خصوصًا عند عرضه للنقاش المطول الذي سبق وتزامن مع سنوات الطرد، حول الحلّ المثالي للتعامل مع هذه الأقلية والخيارات المفتوحة من إخصاء للذكور أو إبادة جماعية أو غيرها. وهنا تأتي جلّ الكتابات اللاحقة ليس فقط من أجل تبرير ذلك القرار، وإنما أساسا للاحتفاء به كعقاب جادت به رحمة الملك المسيحية تجاه مجموعة من “الكفرة والمرتدّين والخونة المتمردين الذين ارتكبوا العديد من المنكرات الشنيعة” على حدّ عبارة أحد مؤرخي تلك الفترة. والمنكّرات الشنيعة المقصودة هنا، هي ثورة البشرات بين سنتيْ 1568 و1571، وكانت آخر الثورات الموريسكية الكبرى، والتي جاءت نتيجة قرار الملك فيليب سنة 1567 بتجريم أي مظهر أو ممارسة دينية أو ثقافية أو لغوية عربية وإسلامية. 

رفضُ موريسكيّي جبال البشرات وردة فعلهم الثورية، كانت كفيلة بتحميل كافة الجماعة على امتداد المملكة وزر الثورة وتسليط العقاب الجماعي عليهم، حتى على الأكثر “مسيحية من بينهم” والرافضين لنهج الثورة أصلا. ذلك أنّ التهجير كحلّ نهائي، لا يقبل وضع استثناءات ولا تفريدًا للعقوبة. ومن خلال هذا الكتاب، يؤكد شاشية أنّ ثورة البشرات كانت القادح لظهور الكتابات الأشدّ عداوة وتعصّبًا، والتي مهدت لنزع الأنسنة عن الموريسكيين كخطوة تمهيدية للطرد.

وفي تكرار سريالي للأحداث، اعتمدت إسرائيل “7 أكتوبر 2023” مبرّرا لوضع سردية تشرعن لتهجير الفلسطينيين من غزة. وبالرغم من أن سياسة تهجير الفلسطينيين صاحبت نشأة هذه الدولة منذ النكبة وحرب 67 بل وحتى بعد أوسلو كخيار متواصل، إلا أن اللافت هنا هي إعادة إنتاج سرديات مختلفة لتبرير تلك السياسة حسب السياق. وعلى خلاف سرديات الشرعية التاريخية والدولية وأسطورة “الخروج الطوعي” لتبرير تهجير 48، اختار الإسرائيليون إثر السابع من أكتوبر بناء سردية قوامها “حرب أبناء النور ضد أبناء الظلام“. بداية من بتر الحدث وفصله عمّا سبقه من تضييق وحصار، ثم نزع الإنسانية عن سكان القطاع مع تصريح وزير الدفاع غالانت الشهير يوم 9 أكتوبر: “نحن نحارب حيوانات بشرية”. فتعميم العقاب الجماعي على الفلسطينيين بقطع النظر عن دينهم أو موقفهم من نهج المقاومة المسلحة أصلا، وصولا للمرحلة الأخيرة، التي تجعل من التهجير حلا لا مناص منه، وبديلا رحيما للعقاب المستحق. وكما روّجت كتابات القرن 16 للطرد كرحمة ملكية للعصاة وذويهم، لم يتوانَ عتاة الصهيونية الدينية كسموترتش عن التصريح بأنّ التهجير هو “الحلّ الإنساني الصحيح لسكان قطاع غزة والمنطقة بأكملها بعد 75 عاما من اللجوء والفقر والمخاطر”. 

الكتابة من الجنوب: نحو ندّية معرفية

تتكشّف راهنية هذا المؤلف في تقديمه لمشهد متغير وغير ثابت، يكون فيه المطرود قابلا للتلوّن وإعادة التشكيل مرارا، وفقا لأهواء الطارد ولتحديّات عصره. ومن ناحية أخرى يوضح لنا معالم الطريقة المثلى لتشكيل العدو وإلغائه، طريقة لم يتردد المنتصرون في تكرارها من بشرات غرناطة إلى فلسطينيّي غزة.

ربما لم تكن هذه الغاية هي المرجو الأساسي من وراء العمل، خصوصًا وأنّ صاحبه يؤكد منذ البداية أن رهانه هو القطع مع كتابات “البكاء على الأطلال العربية” حول الأندلس والموريسكيين والعاجزة عن تقديم مقاربة وكتابة جديدة لتاريخ هذه الحقبة، باعتبارها حلقة متشابكة من الأحداث وسرديات تعيد تأويل وإنشاء هذه الأحداث وفقا لأهداف مسبقة. فالكتاب عبارة عن محاولة من الجنوب، جنوب المتوسط، لمساءلة تلك الرؤية الجوهرانية للنقاء الثقافي للضفة الشمالية –بأدواته المعرفية– وذلك في سبيل ما عبّر عنه لطفي عيسى في تصديره للكتاب بـ “إعادة الاعتبار لدور تلك الجماعات المنفية… باعتبارهم جزءا لا يتجزأ من الانتماءات المتشابكة والمتضافرة بين ضفتي المتوسط”. أو لعله كذلك دعوة لنا، قاطني الضفة الجنوبية، لإعادة قراءة سردياتنا الخاصة حول أنفسنا وحضور الآخر المختلف فيها، وقدرتنا على قبول ذلك التعدد والاختلاف.

انشر المقال

متوفر من خلال:

مقالات ، تونس



اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشوراتنا
لائحتنا البريدية
اشترك في
احصل على تحديثات دورية وآخر منشورات المفكرة القانونية
لائحتنا البريدية
زوروا موقع المرصد البرلماني